555555555555555

الإعلام اللبناني وتغطية الاغتصاب: الخفة التي لا تُحتمل

العربى الجديد 0 تعليق 116 ارسل لصديق نسخة للطباعة
عند كل محطة سياسية أو اجتماعية أو أمنية، تظهر، بشكل نافر، الخفة التي تتعاطى بها وسائل الإعلام اللبنانية مع مجتمعاتنا. فبعد لحظات من انتشار خبر اغتصاب فتاة قاصرة في مدينة طرابلس شمال لبنان، سارعت وسائل إعلام وعدد من المواقع الإلكترونية إلى نشر الاسم الثلاثي للفتاة الضحية من دون أي اعتبار للأذى المعنوي الإضافي الذي سيسببه لها ولعائلتها هذا الأمر. 

وهنا لا بد من التوضيح أن التكتم على اسم الفتاة ليس من باب "ستر العورة" أو "شرف الفتاة"، كما يحلو لبعضهم أن يقول. الأمر مختلف تماماً. فلهذه الفتاة، الضحية، الحق في أن تكشف أو لا تكشف عن هويتها في وسائل الإعلام. وأكثر، لها الحق في مقاضاة كل من قرر أن ينشر اسمها الثلاثي، دون حتى سؤالها، وهو جرم لا يقل عن جرم الاغتصاب حتى أنه يشبهه في بعض الجوانب.

وعلى الرغم من الانتقادات الكبيرة التي وُجهت للمواقع الإلكترونية والمحطات التلفزيونية، أكملت الأخيرة مهمتها في الحصول على "سكوب" على حساب الضحية وعائلتها وعائلات الشبان الثلاثة المشتبه بهم. تقارير في النشرات المسائية عن الضحية ومقابلات معها ومع الطبيب الذي كشف على الفتاة واتصل بالقوى الأمنية لإبلاغها بوجود حالة اغتصاب.. المقابلة "الفضيحة" مع الطبيب، شرح خلالها بالتفاصيل كل ما جرى مع الفتاة بوصف طبي دقيق، مع صور للسرير الذي فحصت عليه الفتاة. دقائق قليلة في نشرات الأخبار، كانت كفيلة لاستباحة حياة الفتاة بكل ما فيها وبمعلومات مغلوطة أيضاً، من اسمها الثلاثي إلى اسماء أفراد أسرتها ووضع جدها الصحي ومستواها التعليمي وحتى تفاصيل عن جسدها وما تعرّضت له.

أما ردة فعل جزء لا يستهان به من مجتمعنا، فلم تكن أقل سوءاً عمّا عرضته شاشاتنا. فبدأت الأسئلة عن علاقة الفتاة بالشباب، ولماذا كانت معهم في شقة واحدة؟ وعن غياب التربية ودور الأهل وإلا لما كانت تعرضت للاغتصاب. هذا كله في لحظة واحدة. مجتمع يكشف أبشع وجوهه في لحظة واحدة، ويحوّل فتاة قاصرة تعرّضت للاغتصاب الى مذنبة لا بد أنها ارتكبت "خطيئة" أوصلتها الى الاغتصاب.

هكذا، أصبحنا أمام مشهد متكامل من وسائل إعلامية تلهث وراء "سكوب" على حساب الضحايا، إلى مجتمع يحاكم الضحايا ويدافع عن المذنبين فقط لأنهم "ذكور"، ويحق لهم أن يفعلوا ما يشاؤون.. مشهد متكامل يعبّر عن مأزق حقيقي في مجموعة القيم والأفكار التي تسود مجتمعنا وتتحكم في أفعاله وردود الأفعال.... وفي معرض الدفاع عن الفتاة أيضاً، ذهب بعضهم الى الدعوة لمحاكم علنية وجلد ورجم وإعدام ميداني وغيرها من الأمور، التي تدل كم أننا بعيدون عن مفهوم الدولة والمؤسسات. وأننا، يوماً بعد يوم، نغرق أكثر فأكثر في فوضى مفاهيم يمكن أن تصبح يوماً ما قاتلة.

اقــرأ أيضاً

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق