http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

العراق: الدمار والمجهول يسودان المشهد في الرمادي

ليبيا المستقبل 0 تعليق 23 ارسل لصديق نسخة للطباعة



بي بي سي: في طريقنا إلى مركز مدينة الرمادي المحطمة، كان هناك جنود عراقيون على جانب الطريق منهمكين في واحدة من أصعب المهام بعد تحرير المدينة بالكامل من قبضة التنظيم المتشدد الذي يسمي نفسه "الدولة الإسلامية". كانوا يقومون برفع أنقاض منزل مدمر بصورة شبه كاملة لانتشال جثث زملاء لهم قضوا داخل المنزل الذي فخخه مسلحو التنظيم مع مئات المنازل الأخرى في أحياء المدينة. أردت أن أذهب تحديدا إلى مكان زرته من قبل في صيف العام 2013، وهو السوق الرئيسية، لكن التحذير كان صارما من العريف عرفة محمد، مرافقي في الجولة من وحدة العمليات الخاصة العراقية: "لا نستطيع أن نتقدم أكثر من ذلك في عمق مركز المدينة. لكنك تستطيع أن تتجول في هذا الشارع لأنه الآن أمن بعد تطهيره من العبوات الناسفة."

والعبوات الناسفة هي إحدى أسلحة التنظيم الجهادي في حربه ضد القوات الحكومية في الرمادي. شاهدنا العشرات من تلك العبوات، التي تحتوي على مواد شديدة الانفجار، على جانب الطريق السريع الذي مررنا به قبل وصول أطراف مركز المدينة في أول دخول له لفريق صحفي بعد الإعلان الرسمي عن انتهاء نحو سبعة أشهر من المعارك الضارية في إطار عملية عسكرية للجيش العراقي بدعم من طيران التحالف بقيادة وإشراف وزارة الدفاع الأمريكية.

عناصر من وحدة العمليات الخاصة العراقية

يقول عرفة، أثناء قيادته لسيارتنا المصفحة وناظرا إلي من خلال مرآة الرؤية الخلفية: "لو عرضت مليار دولار على أفضل المتخصصين العسكريين في نزع الألغام في الجيش العراقي، لدخول مركز المدينة وأحياء كثيرة أخرى، لن يذهبوا ويخاطروا بحياتهم." أوقف عرفة السيارة سريعا لنرى من مسافة مائة متر تقريبا ما لا يقل عن عشرين حاوية وقود معدنية باللون الأبيض، قال إنها تحتوي على مواد سريعة الاشتعال وكانت داخل أحد المنازل. وأضاف: "إنهم مجرمون. لقد خبرنا الحروب، وأستطيع أن أجزم لك أننا لم نتعرض قط إلى تلك المخاطر من قبل. إنهم يتبعون أساليب بالغة الوحشية لإيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوفنا وإحداث دمار شامل في المناطق التي ينهزمون فيها."

زرت مدينة الرمادي في الأعوام التي سبقت ظهور تنظيم الدولة. اليوم، لم استطع التعرف على شوارعها من هول الدمار. كل المباني دمرت تقريبا. لا أحد يعيش هنا. المدينة التي كانت تعج بنحو 500 ألف شخص خاوية اليوم تماما. الكثير من الطرق مقطعة الأوصال بأنفاق حفرها المسلحون المتطرفون ومن ناصرهم من المتمردين، وهياكل متفحمة لسيارات مدنية، وجرارات، ومركبات عسكرية من طرازي هامفي وهامر. أخبرنا مرافقونا أن كل جسور المدينة حطمت تماما. استطعنا العبور إلى مركز المدينة بطريقة مختصرة للوقت والجهد عن طريق جسر معدني عسكري متنقل نصبه الجيش بعد تحطم أحد الجسور. غارات التحالف الدولي لعبت دورا في إحداث الدمار واسع النطاق ولكن بنسبة قليلة كما يقول العقيد ستيفن وارين، المتحدث العسكري باسم التحالف.

يقول العقيد وارين، في تصريحات لي عبر الهاتف من مقره في المنطقة الخضراء وسط بغداد، إن طائرات التحالف لم تكن لتقصف المدينة الخاوية من المدنيين في حال عدم احتلال التنظيم لها. وأردف قائلا: "إن تقييمنا يوضح أن نحو 20 في المئة من الدمار في المدينة يعود إلى غارات التحالف. ثمانون في المئة من الدمار أحدثه التنظيم بصفة متعمدة. كانوا يحفرون الأنفاق تحت المنازل، وهو ما أدى إلى انهيارها. أحدثوا فجوات في جدران المنازل ليستطيعوا التنقل من منزل لآخر بسهولة. كانوا يضعون القنابل المصنعة محليا في كل مكان، في الثلاجات داخل المنازل، وحتى في نسخ من القرآن، كما أخبرتنا القوات العراقية."

صعب التصور

تقول الأمم المتحدة إن حجم الدمار في الرمادي لا مثيل له في المناطق المحررة من قبضة التنظيم والتي زارها ممثلوها في الأشهر الأخيرة كمدينة تكريت.


إعياء أشهر من القتال كان باديا بوضوح على وجه راجي حمد، جندي آخر من وحدة العمليات الخاصة، والذي كان في صحبتنا. الإرهاق بلغ منه مبلغا، يقول إنه ليس من المفترض أن يقوم هو ورفاقه بالانخراط في عمليات عسكرية في صلب عمل الجيش. "لقد تعبنا،" قالها بحرقة، "جنود الجيش لا يستطيعون عمل شئ بدوننا. حررنا مناطق ومدنا من داعش. هل هذا واجبنا؟ تحرير المدن؟ نحن بالأساس مدربون على عمليات خاصة كإنزال جوي أو تحرير رهائن. هل تتذكر الموصل؟" كان راجي يقصد الهزيمة التي مني بها الجيش العراقي في مدينة الموصل في حزيران / يونيو من العام 2014 عندما انهارات قطاعات من الجيش، وانسحب الجنود والضباط من مواقعهم في ثاني كبرى المدن العراقية، تاركين وراءهم الأسلحة والعتاد لمسلحي التنظيم في ظروف وملابسات غير مفهومة إلى وقتنا هذا.

بالنسبة لراجي ولأي زائر للرمادي، حجم الدمار يفوق الوصف. يقول راجي ساخرا: "حتى كل الصورايخ في الترسانة العسكرية الأمريكية غير كافية لقصف المنازل والمناطق المفخخة في الرمادي." تقول الأمم المتحدة إن حجم الدمار في الرمادي لا مثيل له في المناطق المحررة من قبضة التنظيم والتي زارها ممثلوها في الأشهر الأخيرة كمدينة تكريت، في محافظة صلاح الدين. وبحسب تصريحات لبي بي سي من ممثلة صندوق الأمم المتحدة للتنمية في العراق ليز جراندي فإنه "من الصعب تصور حجم الدمار الذي حدث بالمدينة." تقول المسؤولة الأممية في بريد الكتروني أرسلته لي: "إننا نشعر بقلق بالغ إزاء العبوات الناسفة المنتشرة في كل مكان في الرمادي. هذه هي العقبة الرئيسية التي تعترض عودة النازحين إلى منازلهم ليعشوا مجددا في سلام وكرامة."

لا توجد أموال

يقول محافظ الانبار إن "حجم الدمار هائل لكن أهل الأنبار سينتصرون على الدمار."

الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعراق حاليا بسبب انهيار أسعار النفط، ولكونه الأكثر تضررا من تداعيات هذه الأزمة العالمية، أثرت على خطط الحكومة لإعادة إعمار الرمادي. تحتاج الحكومة إلى مئات الملايين من الدولارات لاعادة بناء البنى التحتية، وإصلاح الطرق، وترميم وبناء المنازل المهدمة، وإنشاء مدارس، ومستشفيات، ومراكز صحية، والقائمة تطول لإعادة بناء مدينة من ركام. يقر محافظ الأنبار صهيب الراوي بصعوبة الموقف، وقال لي أثناء تفقده أحد الأحياء في المدينة: "حجم الدمار هائل لكن أهل الأنبار سينتصرون على الدمار. هناك العديد من أهل الأنبار ممن يملكون شركات مقاولات كبرى يريدون العمل تطوعا لإعادة إعمار الرمادي. الحكومة المحلية لا تملك الأموال، لكنها تستطيع أن تحشد الجهود." وأضاف المحافظ بعد أن ترجل من موكبه لتفقد أحد الشوراع: "نتعهد بأننا سنبذل قصارى جهدنا لإعادة النازحين في أسرع وقت ممكن."

معارك الرمادي أدت إلى نزوح جماعي لسكانها في صيف العام الماضي

معارك الرمادي أدت إلى نزوح جماعي لسكانها في صيف العام الماضي، وسط مشاهد صادمة لآلاف من العراقيين الذين جاءوا بملابسهم فقط مع أطفالهم، ومن مختلف الأعمار، سيرا على الأقدام إلى أطراف بغداد، التي تبعد حوالي 120 كيلومترا عن الرمادي. ذهبنا لأحد المخيمات في منطقة الدورة جنوبي بغداد للقاء بعض النازحين من أهل الرمادي. يؤوي المخيم نحو 1600 عائلة في خيم رثة بالية. هناك شعور سائد بالإحباط والغضب بين النازحين هنا. أم حقي، وهي أم لخمسة أولاد، تعيش في إحدى الخيم لسبعة أشهر. تقول المرأة الستينية: "لماذا يتركوننا في هذه الخيم هكذا؟ أولادنا أصابتهم الأمراض، خاصة مرض الجرب. نريد العودة إلى ديارنا اليوم قبل غدا." ابنها الأكبر، علي الجاسم، ٤٦ عاما، لا يعول مطلقا على تصريحات المسؤولين الحكوميين. هناك أزمة ثقة واضحة تعكسها كلماته: "إذا ترك الأمر للمسؤولين، فأحلف لك بأغلظ الأيمان أننا لن نعود إلى ديارنا أبدا. لنا الله."

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com