555555555555555

سوري يتنفس الأمازيغية في بجاية

العربى الجديد 0 تعليق 93 ارسل لصديق نسخة للطباعة
دخل الأمير عبدالقادر الجزائري إلى دمشق منفياً عام 1856، مرفقاً بعشرات الأسر المناصرة له، فكان ذلك مقدمة لتواجد الجزائريين داخل سورية في التاريخ المعاصر. في المقابل، استقدمت الجزائر، مطلع ستينيات القرن العشرين، مئات المدرسين السوريين، في ظلّ الفراغ الذي تركه انسحاب الكوادر الفرنسية، فكان ذلك مقدمة لتواجد السوريين في الجزائر.

تعزّز الوجود السوري في الجزائر، خلال السنوات الأربع الأخيرة، من خلال موجة اللجوء التي أفرزتها الثورة السورية، إذ بلغ عدد السوريين الذين قصدوا الجزائر 24 ألف لاجئ حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2015 بحسب وزارة التضامن الوطني.

بعض الأسر السورية التي هاجرت إلى الجزائر بعد الاستقلال الوطني عام 1962، عادت إلى سورية، بعد تقاعد الأب خلال العقدين الأخيرين، فيما فضّلت أسر أخرى أن تستقر نهائياً في الجزائر، بالنظر إلى أواصر الصداقة والجوار والمصاهرة. نجد منها أسرة المهندس، رائد باروتجي، المولود في مدينة بجاية، 200 كيلومتر شرق العاصمة، عام 1982.

جاءت أسرة باروتجي من مدينة حلب (شمال سورية) إلى الجزائر عام 1967، في إطار طلب وزارة التعليم الجزائرية نظراً إلى خبرة الوالد في تدريس اللغة العربية. وما إن بدأ رائد يواجه الشارع، حتى لاحظ الفرق بين لغة البيت العربية ولغة الشارع الأمازيغية، بحكم أنّ بجاية واحدة من المدن التي تسكنها غالبية أمازيغية، بل كانت في تلك الفترة تعيش "الربيع الأمازيغي" مع ما فيه من توتر مع اللغة العربية.

التحق رائد بالمدرسة عام 1988، وكان المتحدث الوحيد بالعربية فيها، وضعه أمام رهان أن يتعلم الأمازيغية حتى يستطيع أن يتأقلم مع محيطه. يقول: "في البداية، اجتهدت لفهمها ثم للتحدث بها، لكن بلغت مرحلة بتّ أعرف فيها مفردات لا يعرفها زملائي الأمازيغ أنفسهم".

يقول رائد باروتجي، إنّه التحق بـ"النادي العلمي الأمازيغي" وتعلّم قواعد النحو والصرف الأمازيغيين، مع الأبجدية الأمازيغية المعروفة بـ"التيفيناغ". يتوسّع: "اكتشفت أن كثيراً من أصدقائي الأمازيغ لا يحسنون العدّ بالأمازيغية، فهم يستعملون الكلمات العربية في ذلك مباشرة بعد الرقم 2، وكم كان شعوري بالفخر كبيراً، حين كنت أنبري لتعليمهم الأبجدية والعدّ الأمازيغيين".
اقــرأ أيضاً



يضيف لـ"العربي الجديد" أنّه توّج شغفه باللغة والثقافة الأمازيغيتين عام 2014 بزواجه من مدرّسة أمازيغية هي السيدة أسماء بن شعلال. يعلّق: "من المفارقات الجميلة أنّها تعرف مني كلمات حلبية لا يعرفها إلاّ كبار السنّ، وأعرف منها كلمات أمازيغية لا يستعملها الجيل الجديد. وبعد أن انفصلت عن أسرتي الكبيرة، بتنا معاً نتحدث الأمازيغية فقط". يضيف: "حب عائلتي للأمازيغ ولغتهم، دفع شقيقتيّ إلى الزواج من شابين أمازيغيين، ودفع أبي إلى أن يوصي بأن يدفن في بجاية عام 2009".

لا يرى رائد الذي تخرّج من جامعة بجاية عام 2006 حاملاً شهادة مهندس دولة في المعلوماتية، شبهاً جغرافياً بين مدينتي حلب وبجاية: "حلب تلّة كلسية مرتفعة قليلاً ومستوية، هي أشبه بمدينة سطيف، أما بجاية فهي ثمرة عناق البحر والجبل، وقد سحرت كلّ من زارها من أقاربي". من جهة المقارنة بين طباع ومزاج الإنسان السوري والإنسان الجزائري يقول: "الشعبان كانا خاضعين للنفوذ العثماني ثم النفوذ الفرنسي، وقد حملا نفس قيم الشهامة وبُغض السيطرة عليهم، كما تميزا بالتواضع ومحبة الضيف".

في السياق نفسه، ينكر رائد الذي يعشق أغاني الفنان الأمازيغي إدير، ويضع سواراً يحمل رمز الهوية الأمازيغية، ويملك صفحة في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تروّج لجماليات بجاية، أن يكون قد تعرض في حياته لتصرف عنصري، في بجاية أو في مدينة جزائرية أخرى. يقول: "في الجزائر، يكفي أن تقول إنّك سوري أو لبناني أو فلسطيني، حتى يعاملوك مثل أمير".

طيب الإقامة في الجزائر، لا ينغصّه، بحسب رائد، إلاّ الأخبار المحزنة الواردة من سورية: "ما يحدث هناك تدمير ممنهج لمشهد حضاري لعب دوماً دور الجامع بين الأعراق والأفكار والمذاهب والأديان والثقافات. وما يحزّ في نفسي أنّ كثيراً من الدول أغلقت حدودها أمام السوريين الهاربين من جحيم الحرب، بينما كان السوريون يستقبلون الجميع".

لا يرى رائد باروتجي مانعاً من زيارة حلب بعد تعافيها، لكنّه يستبعد أن يعود إليها نهائياً. "لا أستطيع أن أترك قبر أبي، وعقوداً من طفولتي ومراهقتي وشبابي هنا وأرحل، لا أستطيع أن أتخلى عن كلّ هذا ببساطة".


اقــرأ أيضاً

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق