555555555555555

الرغبة والقدرة

العربى الجديد 0 تعليق 241 ارسل لصديق نسخة للطباعة
اغتيل، قبل أسابيع، الكاتب الأردني ناهض حتر، في عمّان أمام قاعة محكمةٍ كان يحاكم أمامها، بسبب إعادة نشره رسماً كاريكاتيرياً. قتله مهندس أردني متطرف، يعتنق الفكر السلفي الجهادي، ولا يرى للآخر المختلف حقاً في الحياة، ويرى القتل لغة الحوار الوحيدة لحل الخلافات، ولا يرى في الجدال بالحسنى، كما أمرنا الله، أية فائدة. ولكن، لهذا القاتل شركاء، فقد رأى بعضهم أن الحكومة الأردنية ساعدت في عملية الاغتيال، بعد إحالة ناهض حتر إلى المحاكمة. وعلى الرغم من ذلك، هناك من لم ترضه المحاكمة، وأعتقد أن التصفيه الجسدية هي الحل.
يذكّرنا هذا بدور الأزهر في التمهيد لاغتيال المفكر المصري، فرج فودة، في التسعينيات. ويذكّرنا ذلك أيضاً بحبس إسلام البحيري وأحمد ناجي، بمباركة السلطة في مصر، وبمباركة الأزهر والتيار السلفي. وكثيراً ما أتعجب، عندما أسمع عباراتٍ تصدر من السلطة، أو من المؤسسات الدينية عن تجديد الخطاب الديني، أو عندما أسمع رئيس الجمهورية يتحدّث عن الحوار والتسامح، فالحكمة القديمة تقول إن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف يتم تجديد خطابٍ من دون إعادة النظر في التراث والمراجع التي تعتبر المنبع نفسه للفكر المتعصب والتفسيرات المتطرّفة؟ وكيف سيتم نشر التسامح، إذا كانت الدعوة صادرةً عن شخصٍ لا يتسامح مع أي خلافٍ أو اعتراضٍ أو معارضة؟
ما زال بعضهم يتعجب من عدم الإفراج عن إسلام البحيري، على الرغم من مرور أكثر من نصف المدة، متجاهلين أن توازنات القوى الحالية تحتم عدم إغضاب التيار السلفي، وكذلك عدم إعطاء "الإخوان المسلمين" فرصة المزايدة، وكأن رأس السلطة يقول: أنا أكثر تديناً منكم، ولن تستطيعوا المزايدة، وها أنا أحبس من لديه آراء مستفزة.
في الأردن، قتلوا من أعاد نشر كاريكاتير مستفز. وفي كل دول المنطقة تقريباً، هناك اغتيالات، بين حين وآخر، لكل من هو مخالف أو مستفز في وقتها. وفي مصر، حبسوا إسلام البحيري، لأنه قال كلاماً مختلفاً بأسلوبٍ قد يراه بعضهم مستفزا، ففي ثقافتنا يكون القتل أو الحبس الحل لكل من هو مختلف، أو لديه آراء مستفزة. ولكن، هناك أيضا الاغتيال المعنوي،
"لا عجب في استمرار تخبط أداء الحكومة المصرية، أو في انتهاكات الأجهزة الأمنية، أو في زيادة معدلات الفساد"
وهو ما قد يكون أسوأ من قتل الجسد أو حبسه، وهو الأسلوب الأسهل الذي تلجأ إليه الأنظمة المستبدة والفاشلة لعقاب المعارضين، أو المختلفين، وتقليل تأثيرهم، وتدمير ثقة الناس بهم، فتخيّل أن تكون حيّا تتنفس، ولكن لا يسمعك أحد، ولا يصدقك أحد، بسبب صورةٍ ذهنيةٍ ظالمة، ليس لها علاقة بالواقع، رسمتها أجهزة أمنية وإعلامية، مستغلة كل إمكانات الدولة. بالتأكيد قد يكون الاغتيال الجسدي أهون من المعنوي، فما بالك لو اقترن الاغتيال المعنوي بالحبس.
وفي مصر أيضاً، كانت هناك ضجة، منذ فترة، بشأن أحد أعضاء مجلس النواب، ولتصريحاته العجيبة والمستفزة. وليس هذا النائب، بالتأكيد، من المعارضين للسلطة، لأن هذا البرلمان ليس فيه أحد إلا وهو مؤيد للسلطة، ويفدي الرئيس بروحه ودمه. فهذا البرلمان، كما يعلم الجميع، ختّامة مطاط لتمرير قرارات الرئيس والحكومة وتشريعاتهما، لكن هذا النائب دافع مرة عن ختان الإناث، وفي مرة أخرى، اقترح عمل كشف عذرية للفتيات قبل دخول الجامعة، بغرض تقليل ظاهرة الزواج العرفي في الجامعات المصرية. بالتأكيد، لهذا النائب آراء مثيرة للجدل، وبالتأكيد أختلف معها. ولكن، عندي تساؤل حول تلك الهبّة والانتفاضة والمطالبة بطرده من البرلمان. ألا تتذكّرون رئيس المخابرات الحربية وعضو المجلس العسكري في العام 2011، عندما قال تصريحات مشابهة، ودافع عن كشف العذرية الذي كانت تجريه الشرطة العسكرية، بمنتهى القسوة والإهانة للفتيات اللواتي كن يتظاهرن ضد سياسات المجلس العسكري وإجراءاته، في ذلك الوقت؟
أتعجب فعلاً من هذا النوع من النفاق، فهؤلاء المستأسدون على النائب ذي الآراء العجيبة دافعوا وقتها عن كشوف العذرية التي قامت بها الشرطة العسكرية للفتيات قبل خمس سنوات، وها هم الآن يؤيدون ويسبحون بحمد الشخص نفسه الذي أمر ودافع عن كشوف العذرية في العام 2011، فقد أصبح الآن رئيس الجمهورية يتحدّث في الإعلام عن الديمقراطية والتسامح وتجديد الخطاب الديني، على الرغم من أن أجهزته ومؤسساته تقوم بالعكس تماما، ففاقد الشيء لا يعطيه.
هل من الممكن فعلاً أن تصلح المؤسسات التي تعرف مشكلاتٍ، أو تتسبب في مشكلاتٍ، نفسها من الداخل، كما يزعمون؟ هل فكرة الإصلاح من الداخل حقيقة أم وهم؟ هل من الممكن أن
"رئيس الجمهورية يتحدّث في الإعلام عن الديمقراطية والتسامح وتجديد الخطاب الديني، على الرغم من أن أجهزته ومؤسساته تقوم بالعكس تماما"
يتخلى شخصٌ، أو مؤسسةٌ، عن امتيازات غير محدودة، بهدف الإصلاح من الداخل؟ وهل من نشأ وتربى على أفكار ومنهج ما، ووجد أن هناك مشكلاتٍ وتخبطا أو نتائج كارثية، فهل من الممكن أن يزعم أنه يمكنه حل المشكلات، ويوقِف التخبط ويصحح النتائج، إذا كان يستخدم الطرق والأفكار التي صنعت المشكلة، وهل يجوز هكذا بدون نقد موضوعي للذات، وبدون مراجعات جادة؟
أشك كثيرا في جدوى عباراتٍ، مثل إصلاح الخطاب الديني، أو مثل إصلاح المؤسسات من الداخل، فمن شبّ على شيءٍ شاب عليه. وليس الإصلاح ممكناً بدون مراجعاتٍ ونقد ورغبة جادة في الإصلاح. ولذلك، لا عجب الآن في استمرار وجود خطابٍ متعصبٍ، أو تخبط الأداء الحكومي، أو في انتهاكات الأجهزة الأمنية، أو في زيادة معدلات الفساد، ففاقد الشيء لا يعطيه.
هل يجب أن نمر بالتجارب المريرة نفسها التي مر بها الغرب، قبل أن يتقدم؟ فلم يتقدموا إلا بعد نقد الذات، وبعد إعلاء قيم التسامح والتفاهم وقبول الآخر "كما هو"، والتعايش والحوار والتفاوض، بدلاً من الإقصاء والتخوين والقتل والحبس.
ولماذا لا بد من تكرار الأخطاء نفسها، والمناهج الفاشلة نفسها، بحجة الحفاظ على الوضع القائم؟ ألم يكن غياب الديمقراطية وانتشار المحسوبية من أسباب هزيمة 1967؟ ألم يكن الفساد والاستبداد والسياسات الاقتصادية الفاشلة هي ما أدت إلى خروج الجماهير في "25 يناير"؟ هل توجد رغبة لدى السلطة في أي إصلاح؟ وإن توفرت الرغبة، هل هناك القدرة على الإصلاح؟

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق