555555555555555

عن تسريب عمر البشير

العربى الجديد 0 تعليق 258 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يُقال إنّ مقياس نجاح الحكومة في بلدٍ ما يعتمد على رضا الناس عن أدائها، فإذا كان الشعب راضياً عن أداء الحكومة المعنية في شتى الجوانب، خصوصاً فيما يتعلّق بالخدمات المقدّمة للمواطنين، مثل الصحة والتعليم والمعاملات اليومية، فذلك يعني أنّ الحكومة نجحت في مهامها، وفي كسب ثقة الناس.
قبل أيام، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي في السودان تسجيلاً صوتياً منسوباً للرئيس عمر البشير في شكل تعقيب أمام مجلس شورى الحزب الحاكم الذي عادة ما تكون جلساته مغلقةً، لا يسمح لأجهزة الإعلام بحضورها، عدا جلسة البيان الختامي، أو التوصيات التي يخرج بها اجتماع شورى التنظيم.
البشير الذي يجلس على كرسي الرئاسة منذ نحو ثلاث عقود، إثر انقلاب عسكري على حكومة الأحزاب، ابتدر حديثه بمحاولةٍ لتبرير الأزمات الخانقة التي يكابدها الوطن، حيث اعتبر أنهم (الحكومة) يديرون البلد في ظروفٍ صعبةٍ للغاية، إذ رأى أنّ الحصار الذي يعاني منه السودان ليس موجوداً في أيّ بلد آخر، وألقى اللوم على الإدارة الأميركية، قائلاً إنّها تجدّد العقوبات على السودان سنوياً، على الرغم من تقارير ترفعها المخابرات المركزية (سي آي إيه) تؤكد أنّ الخرطوم لا ترعى الإرهاب، ولا تدعمه.
تحدث الرئيس عمر البشير عن انفصال الجنوب، مجدّداً اتهاماته لأميركا أنّها وراء الانفصال، بهدف حرمان السودان من إيرادات نفط الجنوب، وهي تمثل 80% من إنتاج البترول في السودان، وبالتالي، أكثر من 90% من إيرادات النقد الأجنبي، وحوالي 50% من إيرادات الموازنة العامة. في النقطة هذه، نسي البشير أنّ وفد الحكومة المفاوض في محادثات السلام، بقيادة نائبه السابق علي عثمان محمد طه، كان على اتصال مباشر معه، ومع الحزب الحاكم، طوال جولات التفاوض التي امتدّت سنوات.
بمعنى أنّ قرار منح الجنوب حق تقرير المصير تمّت الموافقة عليه منه شخصياً ومن الحزب الحاكم، ربما كانت هناك ضغوط مُورست على الطرفين (الحكومة والحركة الشعبية المعارِضة)، لكن كثيرين رأوا في ذلك الوقت، أنّ الوفد الحكومي قدّم تنازلات كبيرة، منها الموافقة السهلة على تقرير المصير لأبناء الجنوب، من دون شروط عادلة، مثل إلزام حكومة الجنوب باستمرار الاتفاق النفطي فترة محدّدة بعد الانفصال إذا تمّ ( 5 أو 10 سنوات مثلاً) حتى تتمكن الدولة الأُم من تسوية أوضاعها بعد الفقدان المفاجئ لهذه الإيرادات المالية الضخمة.
الأدهى والأمرّ في التسجيل الصوتي أنّ الرئيس البشير برّأ حكومته من أيّ مسؤوليةٍ عن الوضع الاقتصادي الحالي، معتبراً أنّ المواطن السوداني يريد علاجاً مجانياً وتعليماً مجانياً، وأنّ كل مواطن يريد رصف الطريق إلى منزله وتوصيل الكهرباء مجاناً أيضاً!
وضرب الرئيس مثلاً بالجارة إثيوبيا، قائلاً إنّ عدد مواطنيها ثلاث أضعاف عدد سكان السودان، ومع ذلك، يستهلكون ثلث استهلاك السودانيين من القمح، لأنّ (الحكومة) تلزم مواطنيها بتقليل استهلاك القمح، وتشجعهم على المنتجات والوجبات الشعبية التي توجد حتى في طائرات الخطوط الإثيوبية (حسب تعبيره).
ظل البشير حاكماً ورئيساً للسودان لما يزيد عن 27 عاماً، فهل إنه لا يعلم أنّ الصحة والتعليم أبسط مقومات الحياة الكريمة التي يجب على الدولة أن توّفرها مجاناً أو مُدعّمة على أقل تقدير؟
بالنسبة لإثيوبيا، المقارنة بعيدة جداً بل معدومة بين ما وصلت إليه تلك الدولة من تطوّر وتقدم في الآونة الأخيرة، لكن لعلّ البشير لا يعلم أنّ الحكومة الإثيوبية تدعم المزارعين وتشجعهم، خصوصاً الذين يهتمون بالمنتجات الغذائية، مثل الذرة وغيرها من الحبوب، بينما تثقل الحكومة السودانية كاهل المزارعين بالرسوم والضرائب الباهظة التي تجعله يخسر بنهاية الموسم عِوضاً عن تحقيقه لأرباح.
نهضت إثيوبيا، يا سيادة الرئيس، في شتى المجالات، منها قطاع الطيران الذي ذكرته في مداخلتك، حيث صارت خطوطها الوطنية من أرقى شركات الطيران وأنجحها عالمياً، لتدُر على الدولة دخلاً كبيراً من العملات الأجنبية، فهل يمكن مقارنتها بنظيرتها السودانية (سودانير) التي أصبحت في عهدكم لا تمتلك إلا طائرة واحدة؟ واستقطبت أديس أبابا رؤوس الأموال السودانية التي هربت من البيروقراطية والفساد والضرائب والإتاوات التي تفرضها أجهزتكم الحكومية ومنسوبوها، حتى إنّ السفير الإثيوبي في الخرطوم، أبّادي زمّو، صرّح أنّ السودان يحتل المرتبة الرابعة في الاستثمارات داخل بلاده، مفاخراً بأنّ استثمارات السودانيين ساهمت في نهضة إثيوبيا... لا تقل لي هناك أثيوبيون يعملون في السودان، لأنّ أوروبيين عديدين يعملون في دول الخليج، فهل هذا يعني أنّ هذه الدول أكثر تقدماً من أوروبا وأميركا؟
في التسجيل الصوتي أيضاً، اعتبر الرئيس البشير التطوّر الطبيعي الذي يشهده العالم أجمع جزء من إنجازات حكومته، وتحدّث عن ارتفاع مستوى المعيشة لدى طبقة معينة من الشعب، وامتلاكها السيارات الفارهة، إلى جانب كثرة المدارس والجامعات الخاصة، وقضاء بعضهم إجازاتهم خارج الوطن... الكل يعلم أنّه ليس للحكومة دور في أشياء كهذه، لأنها نتاج طبيعي لمجهودات الأفراد، وسعيهم الدؤوب لتحسين أوضاعهم.
يبدو أن النخبة الحاكمة في السودان لا تزال تعتقد أنّها صاحبة فضل كبير على الشعب، على الرغم من الفشل الذي ظلّ يُلازم أداء النظام. لذلك، لن نتفاءل بحدوث تغيير إيجابي، حيث إنّ أوّل خطوات الإصلاح هي الاعتراف بالخطأ، ومن ثم الشروع في معالجته.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق