555555555555555

احفظوا هذا الاسم جيداً

العربى الجديد 0 تعليق 82 ارسل لصديق نسخة للطباعة
حاولت أكثرَ من مرة الحديث إلى والدي عن حال عائلتنا قبل العام ثمانية وأربعين. كان يقول لي دائماً إنه لا يذكر الكثير عن تلك الحقبة ويغيّر الموضوع.
"
شاهد جدي البلدة الإسرائيلية التي بنيت على أنقاضها، كان يزيح وجهه إلى الجانب الآخر ويحدّق في الفراغ لبرهة دون أن يشارك أحداً بما يفكّر

"

كنت أهرب بأسئلتي هذه إلى جديّ، والد أمي، الذي هجّر من قريته ولم يمض على زواجه من جدتي سوى شهر واحد. لكنه لم يخربني بتفاصيل القصة. كان دائماً يعارض مقترحات لزيارة أنقاض القرية التي عاش فيه طفولته، كلما مرّرنا بسيارة من جانب الأنقاض، وشاهد جدي البلدة الإسرائيلية التي بنيت على أنقاضها، كان يزيح وجهه إلى الجانب الآخر ويحدّق في الفراغ لبرهة دون أن يشارك أحداً بما يفكّر.

لقد مات شاباً، مرّ على رحيله أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وأنا لا أذكر حديثه بمقدار ما أذكر صمته. كان صمته يبوح بالقصة التي أرادنا ألا نذكرها.
قصة جدي هي قصة جيل يعيش صدمة تعززت بعد عام سبعة وستين، فالدولة التي قامت على أنقاض القرى اتسعت أكثر وتعززت حتى أفقدت الفلسطينيين ما تبقى من أمل.

يعيش فلسطينيو ثمانية وأربعين حالة خاصة، يختلط فيه التاريخ بالحاضر والمواطنة والصدمة التاريخية. هم عاشوا مأساة النكبة، لكن خلافاً لغيرهم، يرون نتائجها يومياً في طريقهم إلى العمل، في الجامعة، في ساحة البيت، في الحدائق العامة، في مقابلة العمل، في صحن الحمص، في النشرات الإخبارية، في الحافلات والقطارات، في المطارات والمعابر، في المستشفيات ومكاتب الترخيص وإشارات المرور.

يومياً، يرون كيف أن العقلية التي قمعت الشعب الفلسطيني هي نفس العقلية التي تدير الدولة التي يعيشون فيها.
لكن بصيص الآمل يكمن في أجيال لم تعش المأساة. منذ منتصف التسعينيات، الحال تبدل، وصعد جيل شاب بفضل الحركات الوطنية التي نتجت بعد الخيبة من اتفاق أوسلو. جيل لم يعش النكبة ولا صدمتها، ولم يعاصر النكسة ولا ضياع المشروع العربي، لا يتحسر على المدينة الفلسطينية لأنه لم يعشها. هذا الجيل يحمل هوية فلسطينية دون شوائب، وحوّل ذكرى النكبة والنكسة من حداد ومأساة إلى مناسبة وطنية لا تذكره بمأساته بمقدار ما تذكره بحقه.

كلما تذكرت جدي اليوم، أتذكره متعباً أو ربما متحسراً على ذكريات ضاعت منه. لم يبح جدي بقصته، لكني أعرفها جيداً، وسأبوح بها لأطفالي وأطفال أطفالي.
عندما نمر من جانب قرية لوبية سأحكي لهم قصة والدي وجدي دون صمت... سأقول لهم هنا لوبية، احفظوا هذا الاسم جيداً.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق