555555555555555

مسارات تفاوضية متعثرة

العربى الجديد 0 تعليق 71 ارسل لصديق نسخة للطباعة
يتأرجح المشهد السياسي العربي عموماً، والأزمات السياسية العربية المحلية و/أو البينية خصوصاً، بين الحروب والمسارات التفاوضية المعطّلة، ما جعل المنطقة تعيش في حلقة مفرغة. فالحروب والصراعات المسلحة التي يستعصى حسمها عسكرياً اقتضت إطلاق مساراتٍ تفاوضيةٍ، لكن هذه الأخيرة لم تحرز التقدم المنشود لوقف المواجهات، أو على الأقل، تحقيق هدنةٍ كافيةٍ لوضع المفاوضات على طريقها الصحيح. فكان أن سمح هذا الفشل بمواصلة الصراعات المسلحة، وكأن لسان حال الأطراف المتناحرة عسكرياً وسياسياً هو: نتحارب لنتفاوض، ونتفاوض لنتحارب.
والسؤال الأصعب، هنا، لماذا حالة الاحتراب المرتفعة الحدّة هذه، ولماذا حالة الاستعصاء التفاوضي هذه، خصوصاً في وقت استفحلت فيه الفواعل ما دون وما فوق الدولة، واضعة الدولة العربية على المحك؟ صعوبة الجواب في مستوى صعوبة السؤال. وما يهمنا، هنا، هي حالة الاستعصاء التفاوضي. هناك جملة من الأسباب، يمكن أن تفسر هذه الحالة.
أولها، هيمنة ثقافة الإقصاء المتبادل عربياً، فالثقافة السياسية العربية التي زرعتها لها الأنظمة التسلطية إقصائية بامتياز. فالصوت المغاير عربياً يوسم صاحبه، إما بخيانة الوطن أو بخيانة الله، وغالباً بالاثنين معاً. فأصبح الخلاف ظاهرةً مرضيةً في الدولة والمجتمع العربيين. والخلاف، هنا، مزدوج: خلاف حول المضامين (المواضيع محل الخلاف) وخلاف منهجي (الخلاف هو الاختلاف)، فالقليل يقر بحق الآخر في الرأي المخالف. وهذا ما أحدث خللاً في العلاقة بين الأنا والآخر، لأن الآخر أصبح كل من لا يطيع أولي الأمر، أي كل من لا يذعن للحاكم. والنتيجة إقصاء متبادل ونبذ التعايش. وتزداد الأمور تعقيداً، في حال صراع مسلح أو حربٍ أهلية، لأن الإقصاء المتبادل يجعل الصراع صفرياً، بمعنى ما يربحه طرفٌ يخسره طرف آخر.
ثانياً، الانقسامات الداخلية تكون، في غالب الأحيان، أكثر فتكاً من المواجهات المسلحة. فالمعارضة السورية، مثلاً، منقسمة على نفسها، وتغيير قيادتها المستمر مؤشر على انقساماتٍ بنيويةٍ قد تكون أكثر وقعاً من ضربات نظام الأسد. والحال كذلك بالنسبة للفصائل الليبية المتناحرة، فعلى الرغم من تصلب عود داعش في البلاد، فإن الأطراف الليبية تزداد تشدّداً في مواقفها حيال بعضها بعضاً، أكثر من تشدّدها في محاربة الجماعات الإرهابية، بمعنى أن العداوة البينية أشد وأقوى.
ثالثاً، تعدّد الولاءات، فلمعظم الأطراف المحلية المتناحرة في مسارح الاستعصاء التفاوضي
"حالة التأرجح بين مساراتٍ تفاوضيةٍ متعثرة ومتنافسة مرشحةٌ للاستمرار في بيئةٍ تسودها ثقافة الإقصاء المتبادل"
المشار إليها ولاءات متعدّدة، فهي مرتبطة بأطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ مختلفة المصالح، أو على الأقل مختلفة الرؤى. وبالتالي، يصبح تعدّد الولاءات عقبة بحد ذاته، أما التفاوض، لأن أي عملية تفاوضية يكون فيها أكثر من عرابيْن، فإن حظوظ نجاحها ضئيلة. ويعود تعدّد الولاءات إلى عدة عوامل، منها التمويل والدعم السياسي والعسكري والتقارب الأيديولوجي والانتماء الديني. ويبدو هذا واضحاً في المشهدين السوري واليمني.
رابعاً، تعدّد المسارات التفاوضية التي تبدو، من الوهلة الأولى، تكامليةً، لكنها في واقع الحال تنافسية، بل ومتناقضة. فما يُقبل ويُوقع في مسار يُرفض في مسار آخر، ومن الأطراف نفسها. ما حوَّل العملية التفاوضية إلى مساراتٍ متراكمةٍ تقود إلى اتفاقاتٍ تولد ميتةً، لأنه يُندّد بها قبل أن يجف حبرها. وسهَّل تعدد الولاءات إقليمياً تعدّد المسارات، إلى درجة أنه يكاد يكون لكل عاصمةٍ عربيةٍ نافذة مسارها التفاوضي الخاص بهذه الأزمة أو تلك. وينطبق الأمر على الأزمات الثلاث، الليبية والسورية واليمنية. لكنها لم تأت أكلها إلى الآن. وأصبحت هذه المسارات التفاوضية المتعدّدة وسيلة نفوذ بحد ذاتها، على الرغم من فشلها في إيجاد تسوية لتلك الأزمات. ما يشير إلى أن صراع النفوذ بين أطرافٍ عربية حول احتضان هذه المسارات ودعمها أصبح وسيلة لإدارة الصراعات العربية البينية عبر أطراف ثالثة، أي صراعات بالنيابة.
خامساً، تداخل العوامل الداخلية والخارجية، وعلى مستويين. ففي مسارح الاستعصاء التفاوضي عربياً (ليبيا، سورية واليمن) تتداخل العوامل الداخلية والخارجية، الإقليمية والدولية من جهة والعربية من جهة أخرى، بشكلٍ تجعل الأطراف الخارجية عقبةً، في غالب الأحيان، أمام التوصل إلى حلٍّ توافقي، لأن مثل هذا الحل، وفي وقت معين (لأن المصالح متغيرة) لا يخدم مصالحها السياسية والأمنية. وبالتالي، فهي لا تقبل به. لذا، لا تدعمها بل وقد تعرقلها. وذلك لأن حسابات الأطراف المتصارعة محلياً ومصالحها لا تتوافق دائماً ورؤى الأطراف الخارجية المساندة لها ومصالحها.
سادساً، عجز الأطراف المتناحرة على حسم الصراع عسكرياً، وفشلها سياسياً، فالتحالف العربي، بقيادة السعودية، المتدخل في اليمن، لم ينجح في الاستفادة من تفوّقه العسكري (نظرياً) لإرغام جماعات الحوثيين على تقديم تنازلاتٍ ترضيه، كما لم ينجح في حسم المعركة عسكرياً لصالحه. بل وبدأ يتصدّع مع إعلان الإمارات انسحابها من الحرب. يبدو أن الأطراف العربية المتدخلة في اليمن تجاهلت مقولة كلاوزفيتز "الحرب مواصلة للسياسة بوسائل أخرى". والسبب يعود إلى قرءاتها الدينية للصراع، وبالتالي، اعتقادها إمكانية حسم الصراع بين "الخير" الذي تعتقد أنها تجسّده، و"الشر" الذي تعتقد أن الآخر (جماعة الحوثيين) يجسّده، متجاهلة أمراً آخر، هو أن هذا المنازلة الدينية لا محلّ لها من السياسة، وأن الأمور في السياسة لا بيضاء ولا سوداء، بل رمادية. بالطبع، العودة إلى السياسة يعني الإقرار بالرسوب السياسي، وبغلبة المصالح (السياسية) على الدين، وإلا كيف يمكن لدول متدخلة في اليمن، باسم حماية الشرعية، أن تقوم بالعكس تماماً في مصر... نظراً لكل هذه العوامل مجتمعة، وعوامل أخرى، فإن حالة التأرجح بين مساراتٍ تفاوضيةٍ متعثرة ومتنافسة مرشحةٌ للاستمرار في بيئةٍ تسودها ثقافة الإقصاء المتبادل.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق