http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

د. جمعة أحمد عتيقة: عن عبد الحميد البكوش أحدثكم...

ليبيا المستقبل 0 تعليق 18 ارسل لصديق نسخة للطباعة

في جريدة (اليوم) التي كان يصدرها الأستاذ عبد الرحمن الشاطر نشرت في آواخر ستينيات القرن الماضي مقالاً بعنوان (هل أدت الدعوة الى الشخصية الليبية غرضها وبلغت مراميها؟؟) تناولت فيه ما لاحظته أنذاك من صمت وسائل الإعلام عن تناول موضوع الشخصية الليبية بعد أن قدم الأستاذ عبد الحميد البكوش إستقالته من رئاسة الحكومة.. وكيف صمتت الأقلام التي تبنت الدعوة لها.. والتي كشفت ظاهرة "إنتهازية بعض المثقفين" وتملقهم للسلطة وركوب الموجة.. حتى ولوكان الأمر يتعلق بموضوع الهوية والشخصية الليبية كمشروع وطني واعد لا زال الجميع غافلاً ومتغافلاً عنه حتى اليوم.



كانت هذه الدعوة ذات المضمون الحضاري هي أول ما شدّني الى شخصية المرحوم عبد الحميد البكوش.. فلأول مرة في تاريخ ليبيا السياسي يتولى شخص في موقع المسؤولية الدعوة الى فكرة ذات مضامين فكرية تتعلق بسؤال (الهوية).

ثم جرت تحت الجسور مياه دافقة.. ونكبت ليبيا بإنقلاب الأحذية الغليظة والخوذات الصماء.. وأودع البكوش السجن وتعرّض لما تعرّض له من إستهداف مصدره نفور وعداء الإستبداد لأي ومضة فكر وتحسس العسكر لمسدساتهم كلما سمعوا كلمة (ثقافة)!!!

وفي سنة 1975 أُفرج عن البكوش.. ووضع تحت الإقامة الجبرية في بيته بحي الإندلس قرب فندق الشاطئ.. ومن هنا بدأت علاقتي الشخصية به حيث كنت أزوره بين الحين والآخر ولا أجد في حضرته غير نفر قليل جداً من الأصدقاء.. أذكر منهم الأستاذ عبدالله شرف الدين.. أمين مازن.. عزام الديب.. ناصر عبد السميع.. أحمد الحريري.. وربما غيرهم من النفر القليل الذي لا أذكره.. في حين إنصرف الكثيرون الى مواسم التطبيل والإرتزاق والتزلف للقادمين الجدد.. وكثير منهم ناوشوا البكوش بسهامهم الجارحة ووشاياتهم الرخيصة!!

لا أذكر إنني زرته يوماً ولم أجد بين يديه أوبجانبه كتاب.. كان حديثه ينمّ عن أفق ثقافي مستنير يحوي من العمق والرصانة ما جعلني استفيد كثيراً من تجربته وتماسك بنائه الثقافي والفكري وتنوع إهتماماته.

ثم غادر ليبيا لاجئاً الى مصر وغادرتُ الى إيطاليا طالباً للعلم.. وظل التواصل بيننا متقطعاً.. حتى بدأت عاصفة القتل والجريمة ( بداية الثمانينات ) حيث لاحق النظام ـ عن طريق تجنيد المجرمين وأصحاب السوابق ـ الليبين في الخارج بالإغتيال العلني.. حتى صارت لازمة نشرة اخبار الثالثة في (إذاعة لندن BBC): "قتل ليبي آخر..!!"... وهكذا اضطررت الى مغادرة روما بعد محاولة إستهداف أُبلغتُ بها عن طريق أشخاص شرفاء كانوا يعملون في السفارة الليبية التي تحولت الى وكر لإعداد وتخطيط جرائم الإغتيال بقيادة محمد المصراتي.

بدأت بعدها رحلة الشتات والترحال.. إستقرّ البكوش في مصر وحطت بي الإقدار في المغرب.. وحين أزور مصر كنت أنزل في بيته بمصر الجديدة الذي كان يقطنه مع إبنه (وليد) قبل أن يتزوج زوجته الثانية السيدة ( نجوى التايب).

وهناك إغترفتُ من معينه ومعاناته.. ولمستُ حبّه بل عشقه لمحبوبته (ليبيا) التي كانت ترزخ تحت هوان وعسف وطغيان.. استمعتُ الى قصائده الرائعة - التي تنساب من وجدان لا يعرف الزيف ولا التزييف.. يتغنّى بمعشوقته (ذات الرداء الأصفر) بهيام صوفيّ.. وشغف طفوليّ.. وهنا لا بد أن أقرر بأنني كنت أنذاك مشدوداً الى ثقافته الموسوعية وأنفاسه الشعرية أكثر من إهتمامي بنشاطه السياسي (الذي ربما اختلفت معه فيه) إلا ان قبوله للإختلاف كحقّ من حقوق الإنسان زاد من تقديري  وإحترامي له.

كانت الساحة السياسية الليبية أنذاك تموج بكثير من صخب (الرغاطة) وقصور الوعي..   التكالب على تصدر المشهد حتى من أولئك الذين لا يملكون اية قدرات تؤهلهم لذلك.. ((ولا زال العرض مستمراً حتى اليوم))!!!!!.. وتعرض البكوش لحملات التشويه والإساءة والتجريح التي لم يكن يعبأ بها.. يحتمي منها بقدراته المميزة ورؤيته الثاقبة وثقته في زاده الثقافي والفكري.

كان عبد الحميد البكوش عفيف اللسان لم أسمع منه كلمة خارجة أوسباباً نابياً تجاه كل من أساؤوا اليه.. وحتى يوم أن تعرض لمحاولة إغتيال - كشفها الأمن المصري - وجعلت أجهزة القذافي أضحوكة أمام العالم.. أذكر انني هاتفته مهنئاً بسلامته.. وأشرت الى غباء هذه الأجهزة وإنكشاف سذاجتها الظاهرة حتى من ((الصور التي نشرت)).. أجابني (القذافي حاقد والحقد يعمي البصر والبصيرة!!).

ويوم قررت الرجوع الى ليبيا سنة 1988 هاتفته وأبلغته بقراري وسقتُ له مبرراتي  فقال "توكّل على الله.. ولكن حذاري من حقد إنسان لا يعرف التسامح"... وهذا ما حدث حيث سجنتُ بعد رجوعي سبعة أعوام بتهمة ملفقة.. رغم حكم المحكمة ببرائتي..!!!

رحل غريباً سنة 2007 في "أبوظبي" فنشرتُ رثاءاً له في صحيفة ( ليبيا اليوم) الإلكترونية بعنوان (وداعاً يا أبا الوليد) مما فتح أبواب جهنم النظام.. وتعرضت لما تعرضتُ له لكنني رأيتُ ذلك أول موجبات الوفاء لهذا الرجل الذي تعلمت منه الكثير والكثير.

هذه نفحات عن عبد الحميد البكوش الذي لم يعرف هذا الجيل قدره ولا قدراته.. ولا قضيته الوطنية والفكرية ولا حبه لبلاده التي مات غريباً عنها جسداً، حياً فيها خالداً وجداناً ونبضاً وأصالةً.. كان يطرق بابها كل يوم.. يسمعها خلجات فؤاده.. ويهديها أجمل كلماته.. ويعلق على بابها قلادة حبّ.. وسطور وفاء مكتوب فيها.

"بــلادي لها دون البـــلاد روائــح..
وعــطر روابيـها شذى يتهــامس..
اذا كـــان للأفـــــاق عندك أربــــع..
فإن بــــلادي في فؤادي خــــامس.."

رحم الله عبد الحميد البكوش الشاعر والسياسي والإنسان.

جمعة أحمد عتيقة

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com