http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

محمد اقميع: فصل الجيش عن الدين والسياسة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 11 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كل جيش تتسلل بين صفوفه المليشيات القبلية والمليشيات الدينية والعصابات المسلحة لن يكون مصيره إلا الهزيمة والإذلال. والجيش الذي تقوده أو تحشر أنفها في أوامره وقراراته أي قبيلة أو عشيرة أو طائفة دينية هو جيش محكوم بالهزيمة والخذلان. وأيضاً كل جيش يصاب جنوده وضباطه بعدوى الانقسام والتناحر السياسي هو جيش مريض، ولا يعوَّل عليه. والجيش الليبي اليوم كما الجيش العراقي أصبح كتائب سلفية وكتائب اخوانية وكتائب من الصوفيين وفصائل من الجهاديين وكتائب مدن وقبائل وكتائب لأولياء الدم وكتائب الليبراليين وكتائب الجماعة المقاتلة، والجميع يدعون الانتماء للجيش "الوطني" الليبي وبعضهم يحارب جنباً إلى جنب وبعضهم الآخر يحارب بعضه بعضا.



ان تورط الجيش الليبي في التجاذبات والصراعات السياسية والأيديولوجية والتناحر بين المذاهب الدينية جعل من ضباطه وجنوده مجرد مرتزقة، لتنفيذ الأجندات السياسية المحلية والدولية في بلادهم، وقد خلق حالة من الانقسام والتشرذم بين صفوفه لن يتمكن من تجاوزها بسهولة، وانزلاق هذه المؤسسة في مستنقع الصراع على السلطة والصراعات المذهبية الدينية كان هدفها الأساسي إبعاد هذه المؤسسة عن مهامها الأساسية والمُلّحة، في حماية وطنها والحفاظ على أمنه ووحدته، لتفقد ليبيا أهم مؤسساتها الكفيلة بحمايتها وإنقاذها، بسبب ما تعرض له الجيش الليبي من هجوم إعلامي وعسكري كان الأعنف في تاريخه والذي لم ينتهِ بعد.

وما تعرض له الجيش الليبي بالطبع ليس استثناء في المنطقة العربية التي تواجه فيها المؤسسات العسكرية والأمنية تسونامي الفوضى، وانهيار الدول العربية تباعاً منذ سقوط بغداد وأوامر الاحتلال الأمريكي بحل الجيش العراقي، وقد تولت ما يعرف بــ"أحزاب الإسلام السياسي" مهمة الحاكم الأمريكي بول بريمر في العراق، وأصدرت وبقوة سلاح ميليشياتها «قانون العــزل» أو ما سماه بريمر بـ«قانون الاجتثاث» في العراق، ومثلما كان الجيش العربي العراقي هدفاً أساسياً لذلك القانون للقضاء نهائياً على المؤسسة العسكرية والأمنية في العراق، كان الجيش الليبي والمؤسسة الأمنية العدو الذي ينبغي الخلاص منه، إما بقانون العـزل أو بالتقاعد الإجباري لقادة الجيش والأمن الليبي، أو بواسطة الحرب المباشرة وسلسلة الاغتيالات التي استهدفت عناصره وقياداته.

لتتحول العراق ومن بعدها ليبيا قِبلة للإرهابيين والعصابات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة، وتنامي ظاهرة المليشيات القبلية والطائفية والمذهبية، وما صحبها من انفلات أمني وانهيار اقتصادي لم تعهده البلدان طيلة عقود، وأخيرا وقوع البلدين في مواجهة نفس التنظيم الإرهابي الذي يحتل مدن البلدين تباعاً، وينكل بأهلها ويرتكب المذابح الجماعية دون رادع، ليجد الشعب العراقي والشعب الليبي نفسيهما في مواجهة كارثة غياب الجيش والمؤسسة الأمنية الوطنية، التي تحمي بلادهم وتحميهم من غزو الوحوش "الداعشية" والمليشيات الطائفية والقبلية وعصابات الجريمة والخطف والاعتقال على الهوية.

وظاهرة "شيطنة الجيوش العربية" أصبحت الخطاب المُهيمن على وسائل الإعلام العربية والدولية ولم تعد الجيوش تنسب لبلدانها، فالجيش العراقي قبل تدمير مؤسساته وحله بقرار من الحاكم الأمريكي أصبح يدعى بجيش صدام، والجيش الليبي أصبح كتائب القذافي. رغم أن الجيش العراقي كان قد تأسس منذ العام 1921، على يد الملوك الهاشميين. والجيش الليبي تأسس في 1953 في عهد الملك إدريس والبعض يرجعه إلى أربعينات القرن الماضي.

فلا صدام حسين ولا معمر القذافي كانا المؤسسين لهذين الجيشين. ولكن الهدف لم يكن صدام أو القذافي في شخصيهما بقدر ما كانت مؤسسة الجيش نفسها هي المستهدفة. ونحن نشهد تكرار نفس السيناريو، فحالياً ما تبقى من الجيش الليبي أصبحت تدعى بقوات حفتر. رغم أن حفتر كان شريكاً في الحرب ضد نفس الجيش عندما كان يسمى "كتائب القذافي" من قبله.

وشيطنة الجيوش عموماً لم تقتصر على العراق وليبيا، فالجيش السوري أصبح يدعى "كتائب الأسد" وكذلك الجيش اليمني الذي يدعى "قوات صالح" والجيش المصري الذي أصبح ينسب إلى الرئيس السيسي، فبعد نجاح التجربة في كل من العراق وليبيا وبشكل مثالي، أصبحت كل الجيوش العربية وبلا استثناء تنتظر دورها، مهددة بالسقوط تباعاً لتصبح المنطقة العربية غابة تتناحر فيها المليشيات الطائفية والقبلية والمذهبية.

ووسائل الإعلام العربية والمحلية الموجهة لم تعد تجد حرجاً في تقديس المليشيات والعصابات المسلحة علناً مقابل شيطنة المؤسسة العسكرية، وقد أصبح لفظ الجندي مرادفا للطاغوت أو الشيطان ليحل محله الجهادي أو الثائر، وتصبح العصابات المسلحة فصائل ثوار ومجاهدين أو مجالس شورى كما تسمى في ليبيا.

إن إنقاذ المؤسسة العسكرية يبدأ من ترفّعها عن الانزلاق في مستنقع الصراعات والتجاذبات السياسية وتناحر المليشيات المذهبية الدينية، ونبذ الفصائل والعصابات القبلية وتفكيكها، والنأي بمؤسسة الجيش عن الصراع على السلطة وحمى الاستقطاب الأيديولوجي والجهوي، وألا يخضع تعيين قياداتها إلا لقوانين ومعايير هذه المؤسسة بعيدا عن الانتماءات الجهوية والقبلية والدينية والعقائدية.

والأهم من كل ذلك هو يقين جنودها بأن وحدة الوطن وأمن شعبه وسلامته هو الأولوية والمهمة الأساسية لهذه المؤسسة بعيداً عن مهاترات السياسيين وأطماعهم الشخصية. وأن الوطن أكبر من أن يختزل في شخص جنرال أو شيخ أو زعيم مليشيا.

والجنرال أو الزعيم الذي يتماهى مع هتافات التأليه من الجماهير المَاكرة والمُخاتلة سرعان ما يتحول إلى أداة طيّعة بيدها، لتقوده تلك الحشود المُتعصبَة دينياً وقبلياً إِلى حتفه في نهاية المَطَـاف، لتبدأ بالتصفيق والهُـتاف لمَهووس آخَر يتوّهم بأنه المنقذ والزعيم الذي لا مثيل له! والتاريخ مليء بالنهايات المفجعة لمن وقـعــوا ضحية تلك الجماهير المُخَـادعة، وتوهموا بأنهم آلهة. ولكن، وحدها الجيوش من احتفظت بنبلها وواجبها المقدس طالما ابتعدت عن مستنقع السياسة، ولم تخترق صفوفها الفصائل والمليشيات الدينية.

محمد اقميع

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com