http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

سعيد العريبي: هذا الكتاب (2) السيرة الشعبية للحلاج (7/3)

ليبيا المستقبل 0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هذا الكتاب (2) السيرة الشعبية للحلاج (7/3)



دراسة وتحقيق: رضوان السح

عرض: سعيد العريبي

 

 مناظرة بين يدي الخليفة:

 

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، سار وتركهم، ولم يقدروا عليه، فقالوا له: يا حسين.. إن الخليفة يريد مناظرتك ومجادلتك مع علماء بغداد، فسار إلى عند الخليفة، فرأى العلماء مجتمعين عند الخليفة، فبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول شعرا:

 

لما ذكرت عـذاب النار أزعجنــي ........... ذاك التذكــر عــن أهلــي وأوطانــي
وصرت في الفقر أرعى الوحوش منفردا... كما تراني على وجـدي وأحزانـي
وذا قليــل علـــــى مثلــي لجرمتــه........... فما عصى الله عبد مثل عصياني
نادوا علــــي وقولوا في مجالسكـــم......... هذا المسيء وهذا المذنب الجاني

 

فلما فرغ حسين من شعره، قال له الخليفة: يا حسين.. إن أهل بغداد وعلماؤها يريدون مناظرتك، ومجادلتك.. فقال له: حبا وكرامة.. أحضرهم إلي بين يديك. فأرسل الخليفة خلفهم، وأحضرهم وأكرمهم غاية الإكرام، وقال له: هذا حسين الحلاج قد أحضرناه بين أيديكم، فما تقولون فيه..؟ قال له العلماء: يا حسين أنت تكذب المؤذن، فما يكون عندك في هذا الكلام، وما يكذب المؤذن إلا من قد كفر، وحل سفك دمه، فما تقول في هذا الأمر..؟.. فقال لهم: لا تخذلوني بكلامكم. فقالوا له: بين لنا ذلك. فقال لهم: أحفروا لي في هذا المكان حفرة، واملئوها فحما ونارا، وأنا أبين لكم ذلك.. فحفروها في الحال، وملئوها فحما ونارا. فقال: أحضر يا أمير المؤمنين هاونا من نحاس، فأحضر أمير المؤمنين هاونا من نحاس، وكان وزنه أربعين رطلا بغداديا. فقام حسين، وألقاه في وسط النار، وصبر عليه حتى بقي جمرة، فقام حسين، ووقف على رجليه وسط النار على الهاون، وجلس عليه. وقال لهم: يا علما.. يا فقها.. ويا عامية.. ويا سوقية.. ويا أهل بغداد.. من كان منكم يريد مجادلتي ومناظرتي، فليأتي ويجلس عندي في هذه النار على الهاون حتى تحرق بدنه.

 

• كرامة النظر إلى ديك العرش:

قال الراوي: فلما سمعوا من حسين هذا الكلام، ولو الأدبار وركنوا إلى الفرار.. فقال لهم حسين: يا ويلكم تهربون من نار الدنيا، ولا تهربون من نار الآخرة، ومن أراد منكم أن ينجو من نار الآخرة، فلا يأكل الحرام، ولا يظلم الأيتام، ولا يترك الصلاة والصيام. ثم إنه صار يحدثهم ويعظهم، وهو واقف على الهاون وسط النار، فلما زاد به الغرام من العشق، حط إصبعه في أذنه، وقال: الله اكبر.. الله أكبر.. فانطفأت النار، وفرقع الهاون، وصار ستين قطعة. فقال حسين: يا أمير المؤمنين، لو قال المؤذن: الله أكبر بصدق الإشارة، لما حملته المنارة، وكانت تفتت من تحت أقدامه الحجارة.. أنا ما كذبته في المقال.. ولكن كذبته في الكلام، وإني نظرت إلى ديك العرش. فلما رأى أهل بغداد منه هذه الكرامات، ولوا الأدبار واركنوا إلى الفرار، وقالوا: ليس لنا طاقة.

• أربعة وثمانون عالما، يفتون بقتل الحلاج:

قال الراوي:  فذهب حسين إلى شيخه، وبات عنده تلك الليلة، وإذا برجل قد دخل على الخليفة، وكان اسمه خالد، وناوله ثمانين فتوى على حسين الحلاج بالكفر، وتلك الفتاوى من أربعة وثمانين عالما من علماء بغداد، وعلماء الشام، وعلماء مصر، بقتل حسين الحلاج صلاحا للمسلمين.. فلما قرأ الخليفة، وفهم مضامينها أرسل إلى الشيخ الجنيد يعلمه بذلك.. وقال له: يا شيخ.. الأمر فوضناه إليك في قبض حسين الحلاج.. ترسله إلي مكتوفا (حتى إننا) نقاصصه، بما يوجب عليه في شرع الله تعالى، لأنه زاد في كفره. فلما سمع الشيخ من الخليفة هذا لكلام.. (مسك حسين) وكتفه، وأرسله إلى الخليفة، وقال إني قد امتثلت أمرك، يا أمير المؤمنين، فافعل به ما قدر الله تعالى عليه، مما يوجبه الشرع. قال: فلما نظر حسين نفسه بين يدي أمير المؤمنين مكتوفا، بكى بكاء شديدا، حتى أغمي عليه، فلما أفاق أنشد:

سلمت روحي من البلوى لمتلفهـا ..... إلا لعلمــي بأن الموت يحييهـا
نفس المحب على الأسقام صابرة ..... لعــل ممرضهـا يومـا يداويهـا
ونظرت منك يا سؤلي ويا أملـي ... أشهى إلي مـن الدنيـا وما فيهـا
وليــس للنفـــس آمــال تؤملهـــا .... سوى رضاك فذا أقصى أمانيها

• رسالة عاجلة:

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، قال له شيخه: يا حسين اصبر، فإنه الوقت قد قرب، والأجل قد حضر.. سلمها تسلم.. لقد أتعبتني، وأتعبت نفسك، وأتعبت الناس والخليفة والفقها والعلما، وأنا أقول لك: أكتم سرك وإلا ما تسلم.. فلما سمع من شيخه هذا الكلام على أنه مقتول لا محالة، التفت يمينا وشمالا، وقال: ائتوني بدواة وقرطاس، فأتوه بما طلب، فكتب فيه: لكم مهجتي طوعا، لكم مهجتي رضا، لكم جسدي مني، لكم دمي (حل). ثم إنه ألقى الورقة في الهواء، فغابت ساعة، ثم رجعت إليه مكتوبا فيها: أنت إن كنت منــا، وتريد قرب وصلنا، طبعنا قتل النفوس، في شرعنــــا (حلو قريب).

• إعدامه:

قال الراوي بإسناده: نادى المنادي في مدينة بغداد، يا أهل بغداد، كل من أراد أن يتفرج على قتلة حسين الحلاج..  فليحضر.. يا أمة محمد العجــل..!!! قال: فما استتم المنادي كلامه حضر أهل بغدا، ولم يبق في المدينة، ولا بنت ولا امرأة ولا شيخ ولا رجل حتى حضروا، وقد خلت بغداد من أهلها، وازدحمت الخلق على بعضها بعضا. فقام الجلاد، وأضرم النار حتى وصل شررها إلى عنان السماء، فقام الجلاد، وقدم حسين الحلاج، وهو صامت ولسانه لم يغفل عن ذكر الله.. فقال له: مد يدك اليمين، فمدها، فقطعها وألقاها قدامه.. فلما وقع الكف على الأرض كتب بالدم: الله.. الله.. حتى كتب أربعة وثمانين جلالة، بعدد الشهود الذين شهدوا عليه.. ثم قال الجلاد: مد يدك الشمال، فمدها، فقطعها.. ثم قال: مد رجلك اليمين، فمدها فقطها.. ثم قال: مد رجلك اليسار، فمدها، فقطها، ونصب الجلاد الحبال على الخشب حتى يصلبه، فمر عليه الشيخ الشبلي: فناداه: يا حسين.. المحبة أولها حرق،أوسطها غرق، وآخرها قتل.

• الجنيد يرجمه بوردة حمراء:

قال الراوي: فقام الجلاد ورمى الحبال على الخشب، وقال لهم: اسحبوه، فسحبوه حتى صار فوق الخشب، ففر الخلق من تحته مثل الجراد المنتشر.. فقال لهم الجلاد أرجموه، فرجموه بالحجارة وهو يضحك، ويقول: يطيب.. طيب.. في رضا الحبيب، ما أحسن المحبوب، ومشاهدة الحبيب.. فرجمه شيخه الجنيد بوردة حمراء، فقال حسين: يا شيخي، آلمتني، وقتلتني، وبكى بكاء شديدا. فقال له شيخه: يا حسين، الناس قد رجموك بكل حجر كبير فما تألمت، وأنا رجمتك بوردة فتألمت منها وبكيت.. فما سبب ذلك..؟  فقال له: يا شيخي أما علمت أن جفا الحبيب على المحب شديد.. فودعه شيخه وذهب. ولم تزل أناس ترجمه، حتى مات.. ثم بعد ذلك أنزلوه من على الخشب، وأضرموا له النار، وحرقوه وانصرفوا، والله أعلم.

• أين الرجال:

قال الراوي: قال الجنيد للحلاج قبل إعدامه: يا ولدي يا حسين.. ألك حاجة قبل فراق الدنيا أفوز بقضائها..؟ قال: نعم .. أريد أن تحضر لي أختي، أوصيها بوصية من بعدي. قال: فذهب إلى أخته، وأتى بها وهي مكشوفة الوجه. فقال لها حسين: أما  تغطي وجهك يا أختي من الرجال..؟قالت له: يا أخي.. أين الرجال.. لو كانوا رجالا، ما أنكروا حال الرجال.

عرض: سعيد العريبي
al_oribi@yahoo.com

- راجع الحلقات السابقة بـ (أرشيف الكاتب)

- تطالعون في الجزء الرابع - بإذن الله تعالى: ملخص ترجمته من كتاب البداية والنهاية لابن كثير/ رأى أهل الفقه فيه/ اختلاف أهل التصوف فيه/ تعلمه للسحر/ قوله بالحلول/ لباسه/ قول بلا عمل/ معارضته للقرآن في البلد الحرام/ أشياء من حيل الحلاج/ نصب واحتيال/ سر السمكة.

ــــــــــــ
هامش:

- السيرة الشعبية للحلاج، دراسة وتحقيق / رضوان السح، منشورات دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى / 1998م.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com