http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

سعيد العريبي: هذا الكتاب (2)... "روائع إقبال" لأبي الحسن الندوي (8/2)

ليبيا المستقبل 0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هذا الكتاب (2) : روائع إقبال : لأبي الحسن لندوي (8/2)



"هكذا تحدث شاعر الإسلام محمد إقبال"
 


"لا تعجبــوا.. إذا اقتنصت النجوم، وانقادت لي الصعاب، فإني من عبيد ذلك 
السيد العظيم الذي تشرفت بوطأته الحصباء، فصارت أعلى قدرا من النجوم، 
وجرى في إثره الغبار فصار أعبق من العبير" 
محمد إقبال

 العوامل التي كونت شخصيته:

تخرج محمد إقبال في مدرستين، أما المدرسة الأولى فهي مدرسة الثقافة العصرية والدراسات الغربية، فلم يزل يتقلب في فصولها ودروسها، ما بين الهند وإنجلترا وألمانيا، ويقرا على أساتذتها ويرتوي من مناهلها، حتى أصبح من أفذاذ الشرق الإسلامي في ثقافته الغربية.

أخذ من علوم الغرب وثقافته وحضارته، من فلسفة واجتماع، وأخلاق واقتصاد، وسياسة، ومدنية غاية ما يمكن لغربي متخصص، وبلغ بدراسته إلى أحشاء الفلسفة القديمة والجديدة، هذا التوسع في الآداب الإنجليزية والألمانية والشعر الغربي في مختلف أدواره وعصوره، ودراسة الفكر الغربي في مختلف أطواره ومراحل حياته.

والمدرسة الثانية هي مدرسة الإيمــان، التي خرجت الكثير مــن الرجال الموهوبيــن.. وقد تحدث عنها في شعره كثيرا، ورد إليها الفضل في تكوين سيرته وعقليته وأخلاقه وشخصيته، وصرح مرارا أنه يدين لهذه المدرسة ما لا يدين للمدرسة الخارجية، وأنه لولا هذه المدرسة وتربيتها لما ظهرت شخصيته، ولما اشتغلت مواهبه، ولا اتضحت رسالته، ولا تفتحت قريحته، وقد تحدث عن معلمي هذه المدرسة وأساتذتها كثيرا وذكر فضلهم عليه.

وقد لخص لنا من خلال أشعاره وأقواله العوامل التي أثرت في شخصيته، وصقلت مزاجه وتفكيره، وتأثر بها  أكثر من غيرها.. ومنها:

• إيمانه بالله:

كان محمد إقبال كثير الاعتداد بإسلامه، واثق الإيمان به، شديد الاعتماد عليه، يعتقد أنه هو قوته وميزته، وذخره وثروته، وأن أعظم مقدار من العلم والعقل، واكبر كمية من المعلومات والمحفوظات، لا تساوي هذا الإيمان البسيط .. يقول في ذلــك: "إن الفقير المتمرد على المجتمع - يشير إلى نفسه - لا يملك إلا كلمتين صغيرتين.. قـد تغلغلتا في أحشائه وملكتا عليه فكره وعقيدته.. وهمــا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.. وهنالك علماء وفقهاء، يملك الواحد منهم ثروة ضخمة من كلمات اللغة الحجازية.. ولكنه قارون لا ينتفع بكنوزه".

هذا هو إيمان محمد إقبال أيها السادة، وهذا هو حبه  لله وللرسول وللعرب ولغة العرب.. ومن تتبع التاريخ عرف أن الحب، هو مصدر الشعر الرقيق والعلم العميــق.. هو الحكمة الرائعة، والمعاني البديعة، هو البطولة الفائقة والشخصية الفــذة، والعبقرية النادرة.

وإليه يرجع الفضل في غالب عجائب الإنسانية، ومعظم الآثار الخالدة في التاريخ، وإذا تجرد منه المرء كان صورة من لحم ودم، وإذا تجردت منه أمة كانت قطيعا من غنم، وإذا تجرد منه شعر كان كلاما موزونا مقفى لكنه بلا معنى، وإذا تجرد منه كتاب، كان مجموع أوراق وحبرا على ورق، وإذا تجردت منه عبادة كانت طقسا من الطقوس وهيكلا بلا روح، وإذا تجردت منه مدنية أصبحت تمثيلا لا حقيقة فيه، وإذا تجردت منه مدرسة أو نظام تعليم، أصبح تقليدا أو تكليفا لا متعة فيه، ولا حافز له، وإذا تجردت منه حياة تعبت الطبائع، وجمدت القرائح، وأجدبت العقول، وانطفأت شعلة الحياة، واختنقت المواهب.

هذا هو الحب الصادق، الذي يتجلى على الرجل، فيصدر منه روائع الكلام أو خوارق الشجاعة والقوة، والآثار الخالدة في العلم والأدب، والتي لم تكن لتصدر منه لولا هذا الحب، الذي أشعل موهبته وفتح قريحته، وملك عليه قلبه وفكره، وأنساه نفسه ومتاعب الحياة وإغراء الشهوات، وبريق المادة، فتمرد بذلك على المجتمع.

هذا هو الحب الذي يدخل بين الطين والماء والحجارة والآجر، فيجعل منها آثارا خالدة، وتحفة فنية، كمسجد قرطبة، وقصر الحمراء، وتاج محل.. وما من أثر من الآثار الباقية في الأدب والفن والتأليف والبطولة، إلا ووراءه عاطفة قوية من الحب.

فإذا رأيتم أيها السادة! أن شعر إقبال من نوع آخر، غير النوع الذي عرفناه وجربنــاه في شعرائنا المتقدمين والمتأخريــن، وغير الشعر الذي ندرسه في مدارسنــا.. شعر تهتز له المشاعر، وتتوتر له الأعصاب، ويجيش له القلب، وتثور له النفس، حتى تكاد تحطم السلاسل، وتفك الأغلال، وتتمرد على المجتمع الفاسد، وتصطدم بالأوضاع الجائرة، وتستخف بالقوة الهائلة، شعر إذا قرأه الإنسان في لغة الشاعر، أحس بأنه قد مر بتيار كهربائي فهزه هزا عنيفا، وإذا وجدتم ذلك أيها السادة! فاعلموا أنه ليس إلا لأن الشاعر قوى الإيمان، قوي العاطفة، جياش الخاطر، ملتهب الروح، وقد أحسنت مدرسة الإيمان تربية محمد إقبال، وقد أحسن أساتذته تثقيفه، وتغذيته بهذه العاطفة، وتنميتها وإشعالها فيــه.

• تأثره بالقرآن الكريم:

أثر القرآن الكريم في عقيلة  إقبال وفي نفسه، ما لم يؤثر فيه كتاب ولا شخصية.. وقد أقبل على قراءة هذا الكتاب إقبال رجل حديث عهد بالإسلام، فيه من الاستطلاع والتشويق ما ليس عند المسلمين الذين ورثوا هذا الكتاب العجيب، فيما ورثوه من مال ومتاع ودار وعقار . وقد وصل هذا المهتدي إليه بشق النفس وعلى جسر من الجهاد والتعب.

كان سرور محمد إقبال، باكتشاف هذا العالم الجديد، من المعاني والحقائق أعظم من سرور "كلومبس" حينما اكتشف العالم الجديد ونزل على شاطئه.. أما الذين ولدوا ونشأوا في هذا العالم الجديد، فكانوا ينظرون إلى "كلومبس" وأصحابه باستغراب ودهشة، ولا يفهمون معنى لما كان يخامرهم من سرور وفرح، لأنهم لا يجدون في هذا العالم شيئا جديدا.

لقد كانت قراءة محمد إقبال للقرآن قراءة تختلف عن قراءة الناس، ولهذه القراءة الخاصة فضل كبير في تذوقه للقرآن، واستطعامه إياه، وقد حكى  قصته لقراءة القرآن فقال: "كنت قد تعمدت أن أقرأ القرآن بعد صلاة الصبح كل يوم، وكان أبي يراني، فيسألني ماذا أصنع..؟ فأجيبه أقرأ القرآن. وظل على ذلك ثلاث سنوات متتاليات، يسألني سؤاله، فأجيبه جوابي. وذات يوم قلت له: ما بالك يا أبي تسألني نفس السؤال وأجيبك جوابا واحدا، ثم لا يمنعك ذلك من إعادة السؤال مــن غــد..؟ فقال: إنما أردت أن أقول لك: يا ولــدي، إقرأ القرآن كأنما نزل عليــك.. ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه، فكان من أنواره ما  اقتبست ومن درره ما نظمت".

ولم يزل محمد إقبال إلى آخر عهده بالدنيا، يغوص في بحر القرآن، ويطير في أجوائه، ويجوب في آفاقه، فيخرج كل يوم بعلم جديد، ,إيمان جديد، وإشراق جديد، وقوة جديدة، وكلما تقدمت دراسته، اتسعت آفاقه ومداركه، وازداد إيمانا بأن القرآن هو الكتاب الخالد، والعلم الأبدي وأساس السعادة، ومفتاح الأقفال المعقدة، وجواب الأسئلة المحيرة، وأنه دستور الحياة، ونبراس الظلمات.

ولم يزل يدعو المسلمين وغير المسلمين إلى التدبر في هذا الكتاب العجيب، وفهمه ودراسته والاهتداء بــه لحل مشكلات العصر، واستفتائه في أزمات المدنيــة، وتحكيمه في الحياة والحكم، ويعتب على المسلمين إعراضهم عن هذا الكتاب، الذي يرفع الله به أقواما، ويضع آخرين . يقول في مقطوعة شعرية: "إنك أيها المسلم لاتزال أسيرا للمتزعمين للدين، والمحتكرين للعلم، ولا تستمد حياتك من حكمة القرآن رأسا. إن الكتاب الذي هو مصدر حياتك ومنبع قوتك، لا اتصال لك به إلا إذا حضرتك الوفاة، فتقرأ عليك سورة (يس) لتموت بسهولة. فواعجبا! قد أصبح الكتاب الذي أنزل لمنحك الحياة والقوة، يتلى الآن لتموت براحة وسهولة".

وقد أصبح محمد إقبال، بفضل هذه الدراسة العميقة والتدبر، لا يفضل على هذا الكتاب شيئا، ولا يعدل به تحفة فريدة، أو هدية لأغنى رجل في العالم، وأعظم الرجال علما وعقلا، ولذلك لما دعاه نادر خان ملك أفغانستان إلى كابل، ونزل ضيفا عليه أهدى محمد إقبال إلى الملك نسخة من القرآن وقدمها إليه قائلا: "إن هذا الكتاب رأس مال أهل الحق، في ضميره الحياة، وفيه نهاية كل بداية، وبقوته كان علي فاتح خيبر"..  فبكى الملك وقال: "لقد أتى على نادر خان زمان، وما له أنيس سوى القرآن،   وهو الذي فتحت قوته كل باب".

• حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

ويرجع محمد إقبال الفضل في تكوين شخصيته، وتماسكها أمام المادة ومغرياتها وتيار الحضارة الغربية الجارف، إلى الاتصال الروحي بالنبي صلى الله عليه وسلــم، وحبه العميق له، وفي ذلك يقول: "لم يستطع بريق العلوم الغربية.. أن يبهر لبي.. ويغشى بصري.. وذلك لأني اكتحلت باثمد المدينة". ويقول ايضا: "مكثت في أتون التعليم الغربي، وخرجت كما خرج إبراهيم من نار نمرود". ويقول كذلك: "لا يزال فراعنة العصر يرصدونني ويكمنون لي، ولكني لا أخافهم فإني أحمل اليد البيضاء. إن الرجل إذا رزق الإيمان الصادق عرف نفسه، واحتفظ بكرامته، واستغنى عن الملوك والسلاطين، لا تعجبوا.. إذا اقتنصت النجوم، وانقادت لي الصعاب، فإني من عبيد ذلك السيد العظيم الذي تشرفت بوطأته الحصباء، فصارت أعلى قدرا من النجوم، وجرى في إثره الغبار فصار أعبق من العبير".

وفي كتابه "أسرار خودي" عدد الشاعر مقومات الأمة الإسلامية، والدعائم التي تقوم عليها، فذكر منها اتصالها الدائم بنبيها صلى الله عليه وسلم والتشيع بتعاليمه، والتفاني في حبه.. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، اندفع الشاعر بمدحه وأرسل النفس على سجيتها، فقال أبياتا لا تزال تعد من غرر المدائح النبوية والشعر الوجداني.. كقوله:

"إن قلب المسلم عامر بحب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو أصل شرفنا، ومصدر فخرنا في هذا العالم، إن هذا السيد الذي داست أمته تاج كسرى، كان يرقد على الحصير، إن هذا السيد الذي نام عبيده على أسرة الملــوك، كان يبيت ليالي لا يكتحل بنــوم. لقد لبث في غار حراء ليالي ذوات العــدد، فكان أن وجدت أمة، ووجد دستور، ووجدت دولة.

إذا كان في الصلاة فعيناه تهملان دمعا، وإذا كان في الحرب فسيفه يقطر دما. لقد فتح باب الدنيا بمفتاح الدين. بأبي هو وأمي، لم تلد مثله أم ولم تنجب مثله الإنسانية. افتتح في العالم دورا جديدا، وأطلع  فجرا جديدا. كان يأكل مع مولاه على خوان واحد. جاءته بنت حاتم أسيرة مقيدة، سافرة الوجه، خجلة مطرقة رأسها، فاستحى النبي صلى الله عليه وسلم، وألقى عليها رداءه.

نحن أعرى من السيدة الطائية، نحن عـراة أمام أمم العالم. لطفه وقهره كله رحمة للعالمين، هذا بأعدائه، وذاك بأوليائـه.. فتح على الأعداء باب الرحمة، وقال لا تثريب عليكم اليوم. نحن غيض من فيض واحد . نحن أزهار كثيرة مختلفة العدد، واحدة الطيب والرائحة.

لماذا لا أحبه ولا أحن إليه، وأنا إنسان، وقد بكى لفراقه الجذع، وحنت إليه سارية المسجد.. إن تربة المدينة أحب إلي من العالم كله.. أنعــم بمدينة فيهــا الحبيــب".

ولم يزل حب النبي صلى الله عليه وسلم يزيد ويقوى مع الأيام، حتى كان في آخر عمره إذا جرى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه فاضت عيناه، ولم يتمالك دمعه. وقد ألهمه هذا الحب العميق، معان شعرية عجيبة، ومنها قوله وهو يخاطب الله سبحانه وتعالى: "أنت غني عن العالمين وأنا عبدك الفقير، فاقبل معذرتي يوم الحشر، وإن كان لابد من حسابي، فأرجوك يا رب أن تحاسبني بنجوة من المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإني أستحيي أن أنتسب إليه وأكون من أمته، وأقترف هذه الذنوب والمعاصي".

وتأخذ الشاعر هزة ويملكه حب النبي صلى الله عليه وسلم، والإعجاب بشخصيته المعجزة، ورسالته الخالدة.. فيقول: "لا عجب إذا انقادت لي النجوم، وخضعت لي الأفلاك والكواكب، فقد ربطت نفسي بركاب سيد عظيم، لا يأفل نجمه، ولا يعثر جده، ذلك هو البصير بالسبل، وخاتم الرسل، وإمام الكل، محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وطأت قدمه الحصباء، فأصبحت اثمدا يكتحل به السعداء".

سعيد العريبي
al_oribi@yahoo.com

- راجع الحلقات السابقة بـ (http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/5829).

- تطالعون في الجزء القادم: اعتداده بنفسه ــ آراءه في الشباب وأنظمة التعليم الحديثة.

* عرض مختصر لكتاب: (روائع إقبال) تأليف: أبو الحسن الندوي، الطبعة الثانية، صدرت سنة 1968، بمناسبة  الذكرى السبعين لوفاته.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com