http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

د. أحمد ابراهيم الفقيه: ما حدث للصديق الراحل حسني صالح المدير

ليبيا المستقبل 0 تعليق 13 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ما حدث للصديق الراحل حسني صالح المدير



ايقونة الاعلام والديبلوماسية الليبية

عندما عرفت الصديق والزميل الراحل حسني صالح المدير، الاعلامي والديبلوماسي الضليع، كان ذلك عن طريق صديقه الاعز الكاتب الراحل عبد الحميد المجراب، وكان مازال يواصل تعليما من منازلهم في الجامعة الليبية في بنغازي، ويعمل مذيعا غير متفرغ باذاعة شارع الزاوية، قبل انتقالها الى شارع الشط، وبتردد على  فرقة الامل للتمثيل التي اسسها صديقه المجراب، وكنت قد التحقت بها بدءا من عام 1958 وانا طالب صغير في معهد هايتي التجاري، والتقيت به في العام التالي لالتحاقي بالفرقة وصار صديقا لي منذ ذلك العام اي 1959.

ومع عقد الستينيات تبوأ مكانته التي يستحقها، رجلا من رجال الاعلام، وقياديا في مجال العمل الاذاعي، مذيعا، ومقدما ومعدا لبرامج صباحية ومسائية وسهرات، وكبيرا للمذيعين، ومديرا للبرامج وللانتاج،  وابلى بلاء حسنا في عقد السبعينيات، حيث كان ياتيه مدراء سياسيون وثوريون لا يعرفون الف باء الاذاعة ولا الاعلام، فكان هو الذي يحمل العبء بصمت ونكران للذات، ويدير مؤسسة الاذاعة بقسميها المرئي والمسموع بكفاءة واقتدار. ورغم ان اسلوب النظام الانقلابي هو ادارة الدولة من خلال الازمات، وحالات الطواريء والاستنفار العام، فقد كان قادرا على ان يحتفظ باعصابه هادئة، في اصعب المواقف والحالات، وابتسامته لا تفارق وجهه، حاله حال ربان سفينة، حين تتعرض لاشد العواصف قوة وخطورة، فدوره ان يبعث الثقة في الناس، ويعبر بسفينته بسلام وامان، وادار في حين من الاحيان، قسم الاخبار بالاذاعة عبر وكالة الانباء التي مر بادارتها لبعض الوقت.

وبسبب سياسة ممنهجة اتبعها رئيس النظام، في افراغ الاذاعة من نجومها الكبار، تم احالة المذيعين النجوم من العمل الاذاعي، وعلى راسهم محمد المطماطي، وناصر عبد السميع، وحسني صالح المدير، الى العمل في الخارج، في حين غادر اخرون الى اماكن اخرى محمد السفاقسي الى العمل التجاري، واحمد فريد الى اذاعة لندن، وكامل عراب الى التجميد قبل التحاقه بالعمل الصحفي، وابعاد هؤلاء الاعلام عن المشهد الاعلامي في البلاد. وكزملائه الثلاثة تم ارسال حسني صالح المدير الى العمل الديبلوماسي، حتى صار هو و اثنين من  زملائه رؤساء بعثاث في الخارج، بسبب كفاءاتهم ومستواهم الثقافي ونضجهم السياسي، والخبرة التي تزودوا بها من عملهم الاعلامي. وكان نصيب الصديق الاستاذ حسني صالح المدير، ان يكون سفير ليبيا في الكويت، وبسب ما يتمتع به من نبل، واخلاق رفيعة، وروح عربية حضارية صادقة، اقبل الناس على حبه والتعاون معه، وخلق لبلاده شعبية وقبولا،  واظهر قدرة على تجاوز المزالق والمطبات التي كان مصدرها دائما السياسة الهوجاء والسفه والرزالات التي تصدر من ليبيا والشتائم التي يتلقاها قادة البلدان في العالم العربي. وبسبب حصافته وقوة ادائه ومهاراته في ادارة الازمات، تميزت علاقة ليبيا بالكويت، اثناء قيامه بمهمة السفير، بنوع من الاستقرار والثبات، عز مثيلها بين ليبيا واية دولة عربية اخرى.

وقضت احدى نوبات الجنون، التي داهمت رئيس النظام، تغيير اسلوب العمل الديبلوماسي، الذي اعتمدته البشرية، وفق اتفاقيات دولية، ومعاهدات ارتضاها المجتمع الدولي وانتهجها اسلوبا للعمل عبر عشرات العقود، والعبث بهذا الميراث الحضاري الانساني، واتخاذ اسلوب مغاير له، وبدلا من نظام السفير والسفارة والبعثة الديبلوماسية، اراد ان يجعل السفير امينا للجنة الشعبية، والسفارة مكتبا شعبيا او مكتبا للاخوة، ودعا الى اسقاط التمثيل الديبلوماسي ليكون تمثيلا شعبيا والغاء الحصانة، وارسل مجموعة من همج اللجان الثورية، لمداهمة السفارات، كانها تداهم مراكز الاعداء، وليست سفارة تابعة للنظام الليبي، ورئيس البعثة ممثلا لهذا الرئيس حسب الاعراف والنواميس، الى حد ان بعض السفراء الليبيين رفضوا هذا الاسلوب، وبدأوا مسيرة الانشقاق على النظام ورفع راية المعارضة مثل سفير ليبيا في الهند الدكتور محمد المقريف وسفير ليبيا لدى الامم المتحدة الاستاذ منصور الكيخيا وغيرهما كثر.

استسلم الاستاذ حسني صالح، بطبيعته الهادئة المسالمة، لما تريد الدولة، وباشر الاستعداد لقبول الترتيبات الجديدة، والعودة الى البلاد، الا ان امير الكويت، ارسل موفدا له الى ليبيا، يرجو استثناء الكويت من مثل هذا التغيير، لان العلاقات انتهجت طريقا يعزز الصداقة وعمق الوشائج بين البلدين، ويتمنى ان تستمر على هذه الوتيرة، دون ان يحدث لها تغيير قد يحمل الانتكاس والضرر. وطالب فيما طالب به، ان يستمر الرجل الذي احبه الكويتيون واحبهم، السيد السفير حسني صالح في موقعه،  ليكون جسر تفاهم ومحبة بين الدولتين وبين الشعبين وبين الرئيسين.

استجاب رئيس النظام الليبي، لرجاء امير الكويت، وابقى سفارة الكويت كما كانت، دون مداهمات، ودون تحويلها الى مكتب شعبي او مكتب اخوة وانما ظلت سفارة ليبيا كما كانت، وابقى الصديق الاستاذ حسني صالح المدير، سفيرا كما كان،  ولم يفعل شيئا الا انه فيما بعد، تغير الاسم الى اسم مكتب الاخوة، في صمت ودون ضجة، ولكن المعاملة الديبلوماسية بين البعثة الليبية وبين الخارجية الكويتية، ظلت تمضي على نفس الوتيرة. 

كرت الاعوام، وحسني صالح المدير، يواصل عمله، وينتقل من نجاح الى نجاح، في حين عمت الفوضى بقية البعثاث التي لحقها التغيير، وانتشر فيها الفساد، وصارت اخبار الفضائح تصل الى الصحف والاعلام، وبعض هؤلاء المبعوثين صاروا يتاجرون في مقار السفارات ويبيعون السيارات الديبلوماسية في اسواق الكانتو،  نهبا ولصوصية ومعارك بالايدي، وطبعا تحت هذا الغطاء تم ارسال مجرمين لملاحقة المعارضين وارتكاب جرائم القتل وصار العالم يضج من افعال وجرائم هذه العصابات، ونشرت الصحف حالات اغتصاب للعاملات في الحراك الجديد، يقوم بها مسئولون واصحاب نفوذ وسلطة، وظلت سفارة الكويت منارة مضيئة، ومعلما شامخا للسلوك الديبلوماسي النظيف الشريف، وهو ما اثار غيرة رئيس الانقلاب وحقده على هذا السفير الذي حقق كل هذا الحب والنجاح.

وكان الاجراء الطبيعي الذي يمكن ان يعبر به عن حقده ضد السفير حسني صالح، لانه من صلاحياته وفي امكانه، هو اصدار قرار باستبداله بسفير جديد، واذا خشى حرجا مع امير الكويت، كان يمكن الايعاز الى حسني صالح نفسه، لاسباب شخصية وعائلية، طلب نقله، وسيستجيب بشخصيته المنضبطة الكريمة لهذا الطلب دون تردد، ولكن العقل الشيطاني له اساليب غير هذه التي يفكر به البشر الاسوياء، ولا يريحه ان ينهي الرجل النبيل الكريم، عمله في الكويت بطريقه تحفظ له صيته وسمعته وكرامته، ولكن لابد من حيلة تجعله يخرج مذموما منبوذا، مطرودا، من قبل هؤلاء الناس انفسهم، الذين احبوه وارغموا الدولة الليبية على ابقائه اكثر من عشرة اعوام.

وتم تدبير الخطة التي يعجز الشيطان نفسه عن حبكها بكل هذا الاتقان وهذه الكفاءة في عمل الشر، اذ تم انتهاز يوم الاحتفال التقليدي الذي تقيمه السفارة بمناسبة ما يسمى اليوم الوطني في الاول من سبتمبر، وتم اختيار مكان مكشوف باحدى الفنادق ليقام فيه الاحتفال، بترتيب من عناصر الامن في السفارة، كما ابلغني الصديق حسني صالح شخصيا وعيناه تكادان تطفران بالدموع لهول الصدمة التي اصابته، فاستجاب لارادة هؤلاء الامنيين، وترك لهم مهمة ترتيب مكان الحفل، بما في ذلك اختيار الاغاني الوطنية التي تدار خلال فترة الاحتفال، وودسوا بين الاناشيد التي تتغنى بالنظام الليبي وانجازاته، قصيدة شهيرة للشاعر العراقي مظفر النواب، من تسجيلات صوت الوطن العربي الكبير، تحمل هجاء لحكام الخليج، ويتردد فيها سباب مقذع جدا، ينعث فيه هؤلاء الحكام بنعث " خنازير  هذا الخليج"، ووقف الصديق السفير حسني صالح، في سقيفة الفندق، حيث لم يكن يصل اليه شيئا مما يذاع، في الساحة المفتوحة، حيث انطلقت مكبرات الصوت تذيع اغاني الفنان محمد حسن، في تمجيد الخيمة وصاحبها، وتوافد كبار الضيوف، بمن فيهم سفراء السعودية والامارات وغيرهما من سفراء الدول العربية والاجنبية، وبعض وزراء الكويت وكبار شخصياته، وحسني صالح يستقبلهم مرحبا، وما ان اكتمل حضور هذه الشخصيات حتى كان العنصر الامني جاهزا بان يصل بجهاز التسجيل الى اذاعة قصيدة مظفر النواب، فاذا بجميع الضيوف يسمعون ذلك الصوت المميز الذي يستخدمه الشاعر صارخا ومنفعلا وهو يلقي قصائده، يسمعونه يقول "خنازير هذا الخليج" والتي كان يعيدها ويعيد مقطع اخر معها تقول احدى سطوره: كفرت نخلة بالخليج... واني مع النخلة الكافرة.

ويشرح كيف ان تلك النخلة كفرت بسبب المخازي التي يرتكبها امراء الخليج، الذين يسميهم الخنازير،  وما تشتمل عليه سياستهم من عار وشنار، وعمالة ودعارة وقبح،  وكان السفير حسني صالح مازال في المدخل يستقبل القادمين،  ولم يسمع شيئا مما كان يدور في ساحة الاحتفال المفتوحة، حتى فوجيء بعاصفة من الشتائم والصراخ والاحتجاج يقولها نفس الضيوف الذين جاءوا فرحين مرحبين، وهم يغادرون في افواج، مندفعين بقوة كانهم يهربون من اشباح تطارهم من داخل الحفل، وفيهم وزراء كويتيين وسفراء خليجيين، ثائرين غاضبين، وبعضهم كان منفعلا الى حد انه كان يصيح بشتائم للسفير والسفارة، بل ان احدهم بصق باتجاه السفير في ثورة غضب، والسفير حسني صالح في حالة اندهاش لم يكن قد عرف السبب، حتى اسرع بالدخول حيث كانت تدور الاشرطة، وعرف ما حصل،  ولم يكن مجديا ان يسأل كيف ولماذا، ومن الفاعل، فلا اجابة عدا تلك التي اعدوها مسبقا، وهو انه تسجيل لم ينتبه اليه احد، جاء وسط الاغاني الوطنية، واذيع عن طريق الخطأ، وفي نفس اليوم تلقي حسني صالح انذارا من حكومة الكويت، بانه شخص غير مرغوب فيه، وان عليه ان يغادر الكويت على الفور.

وحاول كما اخبرني الاتصال باي مسئول  ممن كانوا يستقبلونه باحضان مفتوحة، فلم يجد احدا يرضى باستقباله، ولم يجد استجابة من احد يتصل به لمجرد اعطائه مهلة اسبوع لتصفية اوراقه وترتيب اوراق اولاده في المدارس لكي لا تضار حياتهم، واخيرا كما قال لي، وبواسطة احد اصدقاء السفير السعودي في الكويت، رضي هذا السفير استقباله، ليعبر له عن استياء دول الخليج من هذا الاجتراء السافل والحقير عليهم، وعلى مسئوليهم وعلى دولهم وشعوبهم،  وانه مهما كان هو برئيا، فهو ممثل الدولة، التي قدمت الاهانة، وعليه ان يتحمل جريرة دولته، وان دول الخليج تحتفظ بحقها في الثار لنفسها من هذه الاهانة، وكل ما  استطاع السفير السعودي ان يفعله للصديق حسني صالح هو انه افلح في ان يحصل له من الكويت على مهلة اسبوع يغادر فيها البلاد.

وهكذا، وبعد عشرة اعوام كان محاطا خلالها بالتكريم والاعزاز المحبة، خرج بلا احتفاء ولا ترحيب ولا تلك المراسم التقليدية التي تشمل حفلات تكريم واحيانا اعطاء وسام لصاحب الخدمة الطويلة في البلاد، بدلا من ذلك خرج مذموما مدحورا، بسب التفكير الشيطاني لنظام استمات في خدمته، بامانة وشرف وصدق ومثابرة ونزاهة، باعتباره يخدم وطنا ويخدم دولة كما كان يقول،  عليه رضوان الله.د. 

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/1613

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com