http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

أحمد الفيتوري: على مصطفى المصراتي أو التسامح

ليبيا المستقبل 0 تعليق 13 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أحمد الفيتوري: على مصطفى المصراتي أو التسامح



ولتكن الحكمة رفيقتي: فما أثمنها في الشباب
وما أثمنها في الشيخوخة، وما أسماها على الثراء!
إن الحكمة بابتسامها تيسر احتمال الفقر، وتجنب
هموم الحياة المريرة.
ويا ليتني أملك ما يكفيني كي لا أسأل في كوخ الجار،
وأنحني، في المحنة، تحت وطأة الهموم القاسية.
فيا هذه الأرواح السعيدة
اشتركت معي في دعواتي والآمي العديدة،
لم تكن الحياة آنذاك حلوة،
لأن الأرض التي كانت وطني أصابها الاضطراب.
احفظي أيتها السعيدة
لليبيين كل ما حصلوا عليه،
احفظي لمدة طويلة من الزمان،
مراعاة لذكر إحسانك،
ومراعاة للآلام القاسية التى عانتها نفسي!.

(سونسيوس القورينائي، تاريخ الفلسفة في ليبيا، تأليف عبد الرحمن بدوى، منشورات الجامعة الليبية)

إلى السيد الجليل والأستاذ المحترم... شيخ الكتاب والأدباء الليبيين... على مصطفى المصراتي... تحية طيبة وبعد...

احتفلت بلادنا بكم ممثلة في بعض مؤسساتها؛ وقد أصدرتم أكثر من أربعين كتابا وتجاوز عمركم المديد السبعين. ولم يكن هذا حد لكم بقدر ما هو حساب الفعل المادي الملموس المتمثل في عطائكم الثقافي الوطني، حيث قدمتم جهدكم وعلمكم من أجل جمع وتوثيق وتحقيق وكتابة وتحليل الشغل الثقافي في بلادنا. وإن هذا الجهد المسكون بالعقلانية: (ولكن الأرض تدور)، يجعل منكم وأنتم أحد تلاميذ الأزهر أحد التنويريين في الثقافة الإنسانية وكرستم العمر لذلك.

وقرنتم هذا الشغل الذهني بالعمل الدؤوب من أجل تكريس قيم التنوير العقلانية التي تتسم بالفهم المتبادل، وبالانفتاح على الثقافات الأخرى، وحق الاختلاف من أجل اتجاه للتسامح يعترف بتعقد قضايا العصر مما يستلزم تناولا معقدا ودقيقا لحلها.

وكنتم لأجل ذلك وبحق قد أسهمتم في وضع اللبنة الأولى في بلادنا لقيم التسامح هذه. وكنتم معلم التسامح الذي هو أكثر من (القبول بالغير)، انه الاعتراف بالحق في الاختلاف، بل قبول الحق في الخطأ كحق من حقوق الإنسان، ذلك أن الخطأ لازم من لزوم البحث عن الحقيقة، وأن كل شيء نسبى. أو كما يقال في عبارة بسيطة بأن مفهوم التسامح يعنى: أن تحيا أنت والآخرين. وكنت الداعية لذلك بالحكمة والسبل الحسنة، حيث التسامح لم يكن يعنى عندكم اللامبالاة بل يعنى البحث عن الأفضل، أو كما قال الباحث السويسري: أندريه مرسييه: "أن ممارسة التسامح تفضي بالضرورة إلى استبعاد الادعاء بامتلاك (الحقيقة) الوحيدة، أي (الأيدولوجيا). أن العدالة الفلسفية تستلزم إتاحة الحرية الكاملة لكل مواطن في مقارنة الآراء التي تنشأ عنها التقاليد والعادات الموروثة بغض النظر عن الأيدولوجيا، وإني أوثر أن أطلق على العدالة الفلسفية الحق في التفلسف".

ومن هذا أثرتم العمل الثقافي، وكرستم أنفسكم من أجل تنوير العقل والنفس بالمعرفة، والمجتمع بالوعي، وكان ديدنكم في ذلك التسامح حديقة التباين والتباين ضروري حتى يمكن للهوية أن تكون هي أول معنى للوجود، وهو أي التباين ضروري ومساهم في انفتاح الآخرين.

وكان ويبقى عملكم ونظرتكم أن للثقافة بيت دون أي إحساس بالانعزال (حيث المعزول يفرز مأساته، فهو يكرر، في حياته، هذا العزل والتجزئة والانقسام)، بل الثقافة المنفتحة على نفسها وفى نفسها والمنفتحة دون شروط على الآخرين أي دون مصادرة على المطلوب؛ فالتسامح حق الاختلاف للنفس وقبول للآخر. وباعتبار أن الثقافة "تمهد لدراسة قوانين الفكر وأفعال الإنسان، ولكنها تظل قائمة حتى بعد موت الأفراد. فليس لها مدة زمنية محددة، ومن الصعب إزالتها، لأنها تحي مع الإنسان نفسه لو واجهت عنفا أو إساءة." لذا انصب نشاطكم على البحث عن ثقافة بلادنا؛ بتدوين الشفهي فيها، وتحقيق مخطوطاتها، والتنقيب عن المجهول فيها، وبتقديم المعلوم منها.

وبهذا قدمتم ما يتيسر للإنسانية وثقافتها وأنتم تخدمون بلادنا، وتكرس بجهدك نفسك كشيخ للمعرفة والعلم، في هذه البلاد الصغيرة والمترامية الأطراف التي يحفها البحر وتموج بها الصحارى الكبرى: إمبراطورية الرمل، حيث نهر النسيان الليثوس - أو الجخ حسب التسمية المحلية - الشره لدفن كل شيء في جوفه، وهو الذي ينبع في حضن ثاني مدن بلادنا بنى غازي.

في كل ذلك ومن أجله كان التسامح المنهج الذي "عقلانيته ليست وقفا على قدرته على تحقيق المهام المنوطة به، بل رهن بقدرته - أكثر من غيره - على تصعيد احتمال تحقيق تلك المهام.". وكان النهج: حيث كنت صاحب فعل، ولم تكن تهجس بالسلامة، لم تكن تخشى البلل أو كما يقول المثل الليبي لم تريدها: "حمرا وجراية وما تأكلش الشعير" فأنت من "حمل قلمه كالرمح يغرزه في صدر الطامعين في البلاد، وكنت هذا الإنسان الكاتب المخلص لفنه، الصريح الساخر الذي يعصر ذهنه ويرهق نفسه ويتحمل ألوان التهجمات في سبيل قلمه وفنه. وقد تتجاوز صراحتك وسخريتك العرف والتقاليد والحدود. وقد تؤذى سخريتك الناس وقد تؤذيك أنت!، ولكنك على الطريق سائر.. فقد يثمر الفن الكتابي في ظلال السخرية وقد تبلور الحقيقة في إطار من الفكاهة.. قد يكون ذلك مرتعا لمشرطك.." أو كما قلت في كتابك: (كفاح صحفي - أبى قشة وجريدته في طرابلس الغرب - ليبيا، الطبعة الأولى أكتوبر 1961م).

"ذاق سراديب السجن والآم النفي ومشاق الغربة، وطالب بالإصلاح في القرن التاسع عشر.. قاد حركة من حركات التحرر، وطالب بحق المواطن الليبي في تلك الفترة البعيدة التى كانت تعتبر فيها مثل هذه المطالب وتلك المناداة نوعا من الخروج عن المألوف وضربا من ضروب التمرد. وكانت صرخة (غومة) في القرن التاسع عشر تعتبر نشازا في جوقة النفاق ودنيا التزلف.. وعند أرباب الخوف..) أو كما جاء في كتابك (غومة - فارس الصحراء - صفحة من تاريخ ليبيا، الطبعة الأولى أغسطس 1960م). فلم (تكن ليبيا بلادنا، كما تبدو في الصورة من بعيد في المجال العلمي والكتابي جفافا وقحطا، بل بلادنا رغم الظروف القاسية.. والعوامل والملابسات المتعددة، على هذا الشاطئ الإسلامي العربي وفى الجبل والواحات أسهمت بقدر غير يسير..) كما في مقدمة كتابك (مؤرخون من ليبيا - مؤلفاتهم ومناهجهم، الطبعة الأولى 1977م).

ولم يكن هذا الحفر في تضاريس النسيان وصحارى الشفهي وتصاوير السراب ضيق أفق، بقدر ما هو فتح آفاق وبهذا " لا تشارك فحسب في خلق نبيذ المعرفة، بل تشارك - فضلا عن ذلك - في خلق حبات العنب، وعنب نبيذ المعرفة لا يقدم للبشر على طبق من ذهب، ولا يصبح بطريقة سحرية نبيذا".

السيد الجليل والأستاذ المحترم...

إن شغفكم بالمعرفة - وكجيتو هذه المعرفة : تكلم كي أراك - كان سبيلا للتسامح، فالدفع بالذات وتقديمها على عللها مكاشفة للآخر من أجل معرفته . والدفاع بالعمل الذؤب عن الثقافة دفاع عن الإنسان أينما كان؛ فالثقافة نهج للحوار، وأنتم كنتم في بلادنا المحاورة، كنتم سيلا من الحوار الذي لا يناء على التوكيد على أن سبل النهوض من مشاكلنا، وتحقيق ذاتنا ودفع الضيم عنا، لا يكون دون التمترس بالحوار الدائم و الدؤوب، الشجاع والمسئول والذي لا يكل ولا يمل.

هكذا كان شغفكم بالحرية دون ستر ولا مواربة ولهذا كان ديدنكم التسامح الذي جعلكم محامى الحق في الاختلاف. وإذا عد أحدهم لكم كبوة في ذلك فلكل فارس كبوة، بل كبوات أو كما يقال.

وإنني هنا لا أعدد مناقبكم فأنتم في هذا أيضا عرفناكم من المتسامحين الذين لم يبحثوا عن جزاء، وإن كنتم عن حقكم تذودون، ولكن ما وكدتموه خلال مسيرتك التي تجاوزت النصف قرن - من قرننا العشرين العجول المغادرة - من نهج التسامح هو الذي يدفعني إلى الافتخار بهذه القيمة الحضارية من قيم المنهج الإنساني منهج التنويريين العظام مثل فولتير الذي يقال عنه أنه المولد للتنوير، وأنه أول من آمن بمفهوم التسامح في الفكر الأوربي ليشمل السياسة والفلسفة وليس فقط الدين وأيضا ما يراه كارل بوبر من أن هذا المفهوم الموسع للتسامح وارد عند كانط آخر ممثل غربي عظيم للتنوير.

إذا أوكد ليس في الأمر بحثا عن مناقب أو كيلا لمديح أنتم لستم بحاجة له، لكنه قراءة في - منهج التسامح - منهجكم الذي تتضح الآن أكثر أهميته، وتستدعى وقفة قرن من الثقافة الليبية مراجعته والاستنارة به ؛ وقد بين نهجكم هذا الانتماء للعصر وقيمه حيث دائبكم على الإنصات للجديد الأصيل فيه يبين أن التسامح عندكم من مقولات العصر الأصيلة . مستخلصين من ذلك أن تحول أي مقولات إلى وثن يفضي إلى انحرافات، ويدفعها إلى تبرير هذه الانحرافات بطرق شتى، وأن الكسل عن النقد يؤدى إلى استبعاد العقل الناقد ؛ وذلك بأن نترك أنفسنا للعادة فنتصور ما هو ثقافي هو طبيعي، وما هو تاريخي نسبى على أنه مطلق، فنتحيز لتبريراتنا والتحيز ضد لمبدأ التسامح .

ف "اتفاق ممارسي أي نشاط على منهج بعينه لا يكفى البرهنة على ملأمته ولا يثبت مشروعيته" . كما أن " اكتشاف الجديد، والارتحال إلى كون أرحب، ورؤية ما لم يكن بالمقدور استشرافه لا يتم عبر ترسيخ النتائج وطرح الحلول النهائية، بل بإثارة الأسئلة وأستثار الشكوك، بتقليب التَرب التى تربت فيها المفاهيم السائدة، وبالريبة فيما تم تقديسه دون وجه حق " كما يقول الدكتور نجيب الحصادى. أي أنه مرة أخرى (علينا أن نخترع أنفسنا وأن نقبض على حرية أن نكون خلاقين).

من هذا نخلص: أن استبعاد الآخر والتحيز للذات قتل للنفس أولا وأخيرا. ولعل هذا ما جعل من ( الشعلة ): الاستطراد في التوكيد على أن التسامح هو أبرز ما فيكم، والذخر للثقافة الليبية وما قدمتموه باقتدار لليبيين خلال النصف قرن المنصرم، ولم يعد أمام الليبيين غير هذا المسار ؛ فعلينا أن " نناضل في الفترة الوجيزة المنوطة بنا بفاعلية بكل ما أوتينا من قوة . فليس في امكاننا أن نلوم أحدا أو نعظ أحدا، ولكن علينا أن نستجيب ايجابيا لأن نكون أنفسنا في جزء من العالم لا ينتمي إليه أحد سوانا "، وهو يوكد على أنه شعلة القرن الحادي والعشرين القادم.

أحمد الفيتوري

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com