http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

يونس شعبان الفنادي: ليبيا الآن... ليست دولة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 21 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لابد أن نعي بأن التوصيف السياسي الموضوعي للحالة الراهنة في بلادنا لا يمكن أن يصل إلى منحها حق الاعتراف بأنها دولة مستقلة ذات سيادة. فعدد كبير من الليبيين المحسوبين على العمل السياسي كلاعبين أساسيين في الساحة الليبية ونتيجةً لجهلهم وأميتهم السياسية وبالتالي أفقهم الضيق أولاً، ومنافعهم الخاصة والمناطقية الجهوية ثانياً، وتبنيهم لأجندات خارجية متعددة ومتعارضة أحياناً ثالثاً، تسببوا في حدوث مآسي سياسية وانهيارات اقتصادية وشروخ اجتماعية إنسانية في الكيان الليبي ستظل بلادنا تعاني آثارها ردحاً من الزمن. فالأمن الفردي والمؤسساتي في ربوع ليبيا لا وجود له، والاقتصاد الوطني المعتمد على تصدير الانتاج النفطي لا يكفي حالياً لتوفير المتطلبات الدنيا والضرورية لحياة المواطن البسيط، وعلاقاتنا مع الدول العربية والافريقية وغيرها في انهيار وتراجع مستمر، وغارات وغزوات مسلحي ما يعرف بـ "تنظيم الدولة" لا تتوقف بين كر وفر مخلفة الكثير من الضحايا والكوارث والخراب للوطن ومقدراته، وغيرها من الترديات الأخرى.



كل هذه الشواهد وغيرها، لا يمكن أن تجعل ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة في الوقت الراهن، بل عكس ذلك فهي تؤكد أن ليبيا الآن هي عبارة دولة فاشلة أو كما يصطلح على تسميتها وفق مفردات القانون الدولي Failed State ممثلة في مجموعات مسلحة تستحوذ بقوة السلاح على مقدرات الليبيين وتسيطر بنفوذها على تسيير أعمال الدولة وتوظيف الموالين في مراكز النفوذ الرسمية، حتى وإن أنكر أو إدعى المعارضون بغير ذلك وحاولوا القفز على الواقع المعاش يومياً في كل المدن الليبية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب. وطبعاً في ظل هذه الأوضاع المأسوية المنفلتة والخطيرة التي تعيشها بلادنا وتطحن المواطن البسيط وتهدد مناطق أخرى على الخارطة الجغرافية للعالم، لا نتوقع بأن تقف الدول الكبرى والصغرى والشقيقة والصديقة والمجاورة والأمم المتحدة وكل المؤسسات الاقليمية موقف المتفرج، ومكتوفة الأيدي حيال هذا الوضع المتردي والخطير في انتظارٍ، قد يطول أو يقصر، حتى يتسنى أن يتفاهم الليبيون مع بعضهم البعض.

بمعنى أن العالم لن يصبر أو يصمت حيال الوضع الليبي السائد، ليس لأجل ليبيا وشعبها قطعاً، ولكن لكي لا تنتقل بؤر التوتر الأمني المنتشرة في ليبيا الواجهة الجنوبية لسواحل أوروبا، إلى داخل حدود الاتحاد الأوروبي وتستهدف المنظومة الأمنية الأوروبية، التي تصنفها بامتياز على أنها أعمال إرهابية وممارسات منافية لكل قواعد القانون الدولي واشتراطات حقوق الإنسان. وليس هذا فحسب بل إن الدول الأوروبية لا تسمح باستمرارية قفل أحد الأسواق الاقتصادية المهمة لشركاتها وصناعاتها المختلفة، وأن تظل تلك الشركات تفقد سنوياً أموالاً طائلة كانت تجنيها جراء عقود التوريدات التجارية والمشاريع الاستشارية والتنموية والعمل والاستثمار في هذا البلد الشمال أفريقي الغني بالثروة النفطية والطاقة الشمسية وفرص سوق العمل المختلفة.

أمام هذه القناعة المتمثلة بأن ليبيا في الوقت الحالي لا يصل تصنيفها إلى مستوى الدولة المستقلة، فإن الأمم المتحدة والدول الكبرى ستمارس ضغوطاً خفية ومعلنة من أجل التدخل في ترتيب البيت الليبي الداخلي، بل وحتى الوصاية على صياغة القرار الليبي وتنفيذه على أرض الواقع، ولن تبالي هذه الأمم والدول بكل الأصوات الليبية والعربية والدولية التي تتعالى من حين لآخر بعنترياتها وجهلها بآلية صناعة القرارات السياسية والتدخلات في الشئون الداخلية للدول، حين تطالب بترك الشأن الليبي لليبيين أنفسهم وبالاستقلالية ورفض الوصاية واحترام حقوق الإنسان وغيرها من الشعارات الأخرى، التي لا يمكن أن تحترم إلا في دولة قائمة ومستقرة لها سيادة واحترام ومكانة بين الأمم .. وهو ما تفتقده ليبيا في الوقت الراهن بكل أسف ومرارة.

إن الإحساس بضياع ليبيا لا شك بأنه مؤلم جداً ولكنه صار واقعياً كذلك، ولا يختلف عليه إثنان في ظل الظروف المأساوية التي تعيشها بلادنا يومياً. ولعل أبرزها الخطف والقتل والتهديد وقفل الحدود بين المدن وحتى المناطق وإنهيار العملة الليبية والاقتصاد الليبي كافة، وغياب التوافق السياسي وضياع مقدرات البلاد برمتها لتصبح في أيدي العابثين بالوطن والمنحازين لأيديولوجيات معينة أو تيارات سياسية خاصة أو منافع جهوية ومناطقية. فكل قرارات مجلس الأمن تحديداً والأمم المتحدة عموماً لازالت تضع ليبيا تحت البند السابع وهو بند يتسم بالمراوغة والدهاء ويجعل مفاتيح الحل والتدخل بأيدي صنّاع السياسة الدولية وحدهم وليس في أيدي غيرهم... فهم وحدهم يقررون وفق مصالحهم ضرورة تقسيم ليبيا أو وحدتها.. وهم وحدهم يقررون متى وكيف يكون التدخل ويختارون طريقته وأدواته ويحددون توقيته... ولن يعجزوا في تأطير وترتيب كل ذلك وحشد أصوات مجلس الأمن وفق... القوانين الدولية ... والضرورات الأمنية الدولية ... وحماية العالم من الإرهاب... وطبعاً المحافظة على حقوق الإنسان. وفي نهاية مثل هذه المغامرة الدولية والتي هي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة... فإن العالم لن يخسر شيئاً ولكن الليبيين سيخسرون الكثير... سيخسرون وطناً موحداً... وهو أغلى ما يملكون... فهل يفهم الليبيون حقيقة هذا أم أنهم سيمثلون الدور الذي مارسه الامبراطور الروماني "نيرون" حين أحرق مدينته روما وظل يتفرج على نيرانه وهي تلتهم كل شيء وتحيله إلى خراب؟

يونس شعبان الفنادي
fenadi@yahoo.com

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com