http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

د. محمد علي احداش: مؤتمر حول العدالة الانتقالية في ليبيا

ليبيا المستقبل 0 تعليق 73 ارسل لصديق نسخة للطباعة

حضرت بدعوة عامة في جامعة لندن بمبنى سنات هاوس مؤتمراً حول العدالة الانتقالية في ليبيا يوم الجمعة 22 يناير 2016م يظهر في منشورات واعلانات المؤتمر أن الجهة المنظمة المستضيفة هي المنتدى الطلابي للسياسة بكلية الدراسات الشرقية لجامعة لندن (ذكر في التعريف به أنه منظمة مستقلة طلابية غير ربحية) ومعهد لندن للشرق الأوسط (ذكر في التعريف به أن هدفه تطوير المعرفة بما يتعلق بالشرق الأوسط ومشاكله وتعقيداته).



حجز الصف الأول لبعض الضيوف مثل الدكتور عبد العزيز اغنية مدير قناة ليبيا 24 والأستاذ سالم الميار وسفير بريطاني سابق وغيرهم، وكان من الحاضرين عدد من الطلبة الليبين، مع أن المتكلمين على المنصة من الشخصيات المطلعة والمشاركة في الشأن الليبي.

الكلمة الافتتاحية القصيرة أعطيت لطالب يدعى الكسندر لي، ثم أعطيت الكلمة الرئيسية  لكلاوديو كوردوني من بعثة الأمم المتحدة للمساندة في ليبيا ركز فيها على الوضع السياسي أكثر من تركيزه على الوضع القانوني، مع أن موضوع المؤتمر كما هو عنوانه يركز على العدالة، وكان المنتظر أن يتحدث شخص خبير بالوضع القانوني فيعطي للسامعين فكرة عن القانون الليبي وعن المحاكم وعن الشريعة الاسلامية في ليبيا وعن النيابة والمحاماة لرسم الاطار العام للحديث عن العدالة الانتقالية والدخول الصحيح لمعالجة الموضوع ان كانت هناك نية للمعالجة، أما تجييش السامعين على الحالة في ليبيا فهذا لايحتاج الى نائحة مأجورة ولا ثكلى فالوضع ينطق بل يصرخ سؤً وانكسارا.

الجلسة الأولى كانت بعنوان غياب العدالة في ليبيا، وهنا وقفة اذا كانت العدالة غائبة في ليبيا فما فائدة الحديث والبحث عن عدالة انتقالية، ربما كان القصد من العنوان هو غياب النظام القضائي في ليبيا منذ الثورة ولكن هل من الصواب ان تقرر النتائج سلفا في المؤتمرات العلمية، على أية حال فإن المتبادر للمتابع هو التحشيد والتعبئة والتسويق أكثر من البحث والمشاركة لمشكلة العدالة.

تكلمت في هذه الجلسة ماجدلينا مغربي من منظمة العفو الدولية وذكرت العديد من الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون في سجون المليشيات هكذا اشارت اليهم، وانهم لايتمكنون من مقابلة محاميهم، وان محامي أحمد ابراهيم وغيره تلقوا التهديدات خلال ممارستهم لعملهم وأنه تم تغيير المحامين أكثر من مرة بسبب ذلك. كل ذلك بدون أن توضح للمستمعين أن أحمد ابراهيم هو أحد مؤسسي اللجان الثورية الارهابية والمسئولة عن حفلات الشنق في الجامعات في السابع من ابريل، وأنه وزير التعليم في عهد القذافي وأن الذين يحبسونه ويعذبون هم ضحايا أفكاره في التعليم مثل تحريم دراسة اللغة الانجليزية والفرنسية والجغرافيا؟؟؟ 

بداهة كل ذلك لايبرر انتهاك حق أحمد ابراهيم في محاكمة عادلة واجراءات قانونية صحيحة، لكن لابد أن نفهم السياق الثقافي والتعليمي والتربوي للانتهاكات لكي تتحقق العدالة الانتقالية ونبحث لها عن طريق صحيح لكن الاخلال بالصورة الكلية يحجب عن المخرج من المشكل ويجعلنا ندور في نفس الحلقة.

أعقبتها حنان صالح من Human Rights Watch متحدثة عبر السكايب فكررت غالبا ما قيل سابقا وذكرت أن النظام القضائي قد انهار في ليبيا تماما، وكان توجيه الاتهام للمليشيات فقط،وهنا وقفة اليس رئيس المجلس الوطني ورئيس مجلس النواب مستشارين، اليس عدد من المسئولين في المجلس الوطني والمؤتمر والنواب هم قضاة ومحامون ورجال نيابة، ألا يعتبرون شركاء في هذه المأساة،   لاتوجد إشارة الى هذه المسئولية مما يؤكد الانطباع أن هذا المؤتمر قد أعد على عجل أو أعد لغرض، فإن التناول الموضوعي يقتضي الاستقصاء والانصاف، وقبل أن تطلب العدالة الانتقالية كان المطلوب إجراء العدالة والانصاف في البحث والدراسة.

ختمت الجلسة الافتتاحية بمتحدث ليبي قدم على أنه البروفسور مبروك درباش  من جامعة طرابلس وأنه الأن في المنفى وأنه ناشط سياسي، فذكر في كلمته صفات الدولة الفاشلة وأمثلة كثيرة لها، وأشار الى اضطهاد الليبيين السود مشيرا الى تاورغا، وأنه يصعب الآن الحصول على وظيفة الا اذا كان الشخص المتقدم من المليشيات، وان القذافي هو ديكتاتور ولكنه ديكتاتورنا، ثم ركز على المهجرين في خارج ليبيا  كما ركز المتحدثون قبله، وكان ينبغي أن يكون مؤتمرا مستقلا لحل هذه المشكلة  فهي مشكلة عويصة لوحدها، ودمجها مع العدالة الانتقالية يضعف تناولها بموضوعية وانصاف، لكن الاستعجال والرغبة في حل جميع المشاكل بضربة واحدة على الطريقة الليبية وليس العلمية.

فتحت باب الاسئلة وكان غالب الحضور من طلبة الجامعة البعيدين عن المشهد الليبي فكانت الأسئلة هامشية خفيفة مما يحب سماعه المتكلمون على المنصة، وقد طلبت الكلمة فقلت انني في المنفى منذ عهد القذافي ثم ذكرت أن الصورة القاتمة التي نراها في ليبيا هي نتاج عقود من التجهيل والاحتقان التي كانت في عهد القذافي فهو يتحمل نصيبا من المسئولية المباشرة عن الوضع القائم فيجب الا نستغرب.

هنا أشير الى إفادة رئيس الاتحاد الدستوري الليبي الشيخ محمد بن غلبون، إلى لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس العموم البريطاني المنعقدة في البرلمان البريطاني منذ منتصف شهر أكتوبر 2015 للتحقيق في كيفية تناول الحكومة البريطانية للقضية الليبية منذ بداية ثورة فبراير 2011 والتي بين فيها أحد أهم الأسباب الرئيسية لإنهيار الدولة الذي نتج حال سقوط نظام القذافي وما تبعه من فوضى وانفلات والتي لا أظن ان احدا من المتابعين الليبيين فطن لها حيث ورد في هذه الافادة: "لقد دمّر القذافي، تدريجيا، جميع البُنى التحتية الإدارية والقانونية ذات المصداقية للدولة الليبية، وحكم البلاد بقبضة حديدية ونظام حكم شاذ من صنعه بدلا عنها، فكانت النتيجة خلق أجيالا كاملة لم تذق طعم الحياة في مجتمع منظم يدار وفقا للأنظمة التقليدية المنضبطة بقوة القانون والخاضعة للنظام والمساءلة". فالشيء من معدنه لايستغرب، وجذور المستقبل في الماضي.

تحدثت ليزلي فينجموري بعموم شديد وتطرقت للوضع الليبي بغير عمق مما جعلني أسأل هل عرضت هذه الأوراق على محكمين ففي المؤتمرات العلمية تقدم الاوراق وتستكتب ثم تعطي لمراجعين مختصين لاجازتها، فجاءت بعض الكلمات عفو الخاطر بعيدة عن العلمية والموضوعية وفي احسن احوالها تتضمن الأراء الخاصة وبعض الكلمات مفيدة لكن في غير هذا الموضوع. 

ثم تكلمت ميلندا تايلور، وعرفوا بها في الأوراق أنها من محكمة الجنايات الدولية، انتابني شك أهي المحامية الاسترالية عضوة وفد المحكمة الجنائية الدولية والتي سبق اعتقالها في الزنتان لاتهامها بمحاولة تهريب قلم مزود بكاميرا ورسالة من محمد اسماعيل الى سيف القذافي خلال زيارة الوفد لسيف في سجنه، سألت أولا كلاوديو فانزعج من سؤالي ثم قال نعم هي هي، وبالمصادفة مرت من جوارنا فقال لي بحدة اسألها اسألها، فقلت نعم لما لا، وسألتها هل أنت المحامية التي اعتقلت في الزنتان قالت نعم. لم يتم الاشارة الى ذلك في البيانات المقدمة عن المتحدثين في اوراق المؤتمر ولا أظن الحيادية المطلوبة في عمل علمي او تقييم قضائي تتحقق مع تجربة شخص قد سجن بل ربما كانت مدعوة لشهادة ادانة أكثر من محاولة بناء ملامح لعدالة انتقالية او رسم مشروع حقيقي يسير بالتيه الليبي اليها. لم تأت بجديد في كلمتها، ولم أتوقعه بعد سؤالي لها. ثم تكلمت الهام سعودي في أخر الجلسة وأشارت الى حاجة المؤسسات الدولية للدعم المادي لتنجح في مشروعها لجلب المتهمين للعدالة وانه ينبغي ملاحقتهم في خارج ليبيا

وسمح للجمهور بالمشاركة وكان الوقت متأخرا بعض الشيء، كانت مشاركتي بأن فكرة ملاحقة ومتابعة المتهمين خارج ليبيا وأؤيدها ولكن ينبغي البداية بمجرمي عهد القذافي، وهناك مشاركة جيدة من محامية متمكنة قالت انه تستغرب ان يطلب الدعم للمؤسسات الدولية لكي تتمكن من متابعة جلب ومحاكمة عبدالله السنوسي في الخارج بينما تتم محاكمة غيره في ليبيا، عليه ان يتساوى بالعدالة معهم.

أليس من المفيد أن يدعى الى مثل هذا المؤتمر أهل التخصص والتجربة والخبرة، بحيث يشركونا في الاطلاع على ما عندهم لتتكامل الجهود وتتطور، ولايجب أن نبدأ من الصفر كل ما أردات مؤسسة ان تتبنى او تقدم شيئا... أليس من المهم والنافع جدا التأكد من المحاضرين وتنويع مرجعياتهم.

لعل فيما نقلته لكم  مثال عن المؤتمرات الضعيفة الموجهة المستعجلة والتي لاتخدم مصلحة الوطن في شيء، قارن بين ما قيل في هذا المؤتمروبين ما ورد من بحوث وإفادات قدمت إلى لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس العموم البريطاني للتحقيق في كيفية تناول الحكومة البريطانية للقضية الليبية. ختاماً نسيت أن أخبركم غابت السفارة الليبية عن هذا المؤتمر كما غابت العدالة الليبية.

د. محمد علي احداش

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com