http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

جمعة أحمد عتيقة: عن محمد حمّي أحدثكم

ليبيا المستقبل 0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عن محمد حمّي أحدثكم



 


في البداية لم تكن معرفتي بالاستاذ محمد حمي تتعدى سماعي بإسمه كأحد قيادات (حزب البعث) في ليبيا والذين تمت محاكمتهم وصدرت بحق بعضهم أحكاماً بالسجن في أوائل ستينات القرن الماضي كان منهم المرحوم عامر الدغيس وعبدالله شرف الدين وابراهيم الهنقاري والمرحوم فريد أشرف وإبراهيم حافظ والمرحوم سعدون حمادي (السياسي العراقي الشهير) وغيرهم.

ولم يكن أشد الأحكام الصادرة بحقهم يتجاوز الثلاث سنوات (فأين هذا مما تلاه في عهد قانون تجريم الحزبية!!) الذي اسسه نظام العسكر بعد (1969).. قضى المرحوم محمد حمّي محكوميته وخرج من السجن ليفتتح مكتباً للتوثيق في شارع عمر المختار ببنغازي..الى هنا ولم اعرف الأستاذ حمّي معرفة شخصية.. وان كنت اسمع عنه كثيراً من صديقي المرحوم الشاعر محمد الشلطامي الذي كان يعمل بمكتب “الأستاذ” فيما أذكر.

وبعد خطاب زوارة المشؤوم وبداية سلسلة الخراب والتخريب المتمثل في “النقاط الخمس” الذي أعلنه القذافي في أبريل “1973” وبموجب إحدى هذه النقاط (تطهير البلاد من المرضى والمنحرفين!!!) عمد النظام السابق الى إعتقال مئات من المثقفين والنشطاء وطلبة الجامعة.. الذين تم تصنيفهم تحت مسمى “أعداء الثورة” وهكذا وجدتُ نفسي داخل جدران (سجن الكويفية) صحبة الأستاذ حمّي وغيره من وجوه العمل الوطني الذين قالوا (لا في وجه من قالوا نعم للحالمين بمجد البندقية!!!).

وهكذا وجدت نفسي وأنا الشاب الصغير الذي يخطوخطواته الأولى في طريق التكوين والتجربة السياسية وسط جمع من الأعلام والأسماء اللامعة من المشتغلين والمنشغلين بالشأن العام.. محمد حمي.. طالب الرويعي.. مصطفى العالم.. بلقاسم بن داود.. محمد المفتي.. محمد الشلطامي… محمد السكر... وكان ضمنهم  الفيلسوف العربي عبد الرحمن بدوي.. وغيرهم من شباب الجامعة.. كنت مدفوعاً بعنفوان الشباب وفوران التحدي.. أشعر بذوبان ألواح الأسمنت الصلدة وسط وهج فرحة لقاء هؤلاء والتعرف عليهم. 

كنا نتحلق حولهم لمزيد من التعرف والإستزادة من تجربتهم.. ووجدت نفسي مشدوداً الى شخصية الأستاذ حمّي.. متأثراً بدفء عواطفه وإبتسامته الطافحة بالود والمحبة.. وإتزان شخصيته وقدرته الفائقة على التواصل ,, وكان بالنسبة لي ولغيري من الشباب آنذاك.. أباً عطوفاً.. وطوداً شامخاً.. نحاول أن نعتصم به من ملوحة أيام السجن العلقمية..نتحلق حوله في المساء.. نسمع شذرات من ذكرياته في (سجن الحصان الأبيض!!).. ومعاناته من أجل إيقاظ قناديل التنوير والمعرفة.. وحكايات عن عصاميته وكفاحه أثناء سنوات التكوين.. تنهل عقولنا الغضة من معينه.. وتغترف قلوبنا الطرية من دفء مشاعره الإنسانية..كان التفاؤل والرهان على المستقبل ديدنه الذي لا يحيد عنه.. لا أنسى صوته الجهوي وهويردد أبياتاً لخليل حاوي بنبرات واعدة بالأمل مسكونة بالكبرياء.

“من ضفاف الشرق من مستنقع الشرق..
الى الشرق الجديـد..
اذرعي امتدت لهم جسراً وطيد..”

وحين كنت أصاحب خطواته في ساحة السجن, كان.. يغمرني بمشاعر التشجيع والمساندة والمعاضدة قائلاً (قريباً تروح يا جموعة للسنيورة.. ويبقى خرافة كله!!) وكان يعلم بأنني حديث الزواج ويعرف زوجتي التي تربطه علاقة صداقة مع أهلها.. ثم يسمعني على إثرها بيتاً لرفيق المهدوي.

“إن ندخل السجن ما في السجن من بأس..
فيه الكـرام وفيه افضل الناس..”

أغادره وأنا اشعر بأنني أبلغ الجبال طولاً.. لا كبراً أوخيلاء ولكن أملاً وتفاؤلاً.. أذكر أنه بعد المشادة التي حصلت بيني وبين مصطفى الخروبي.. والتي أصدر بعدها أمره بنقلي الى سجن معسكر البركة (سيء السمعة!!!) أدخلني الحارس لجمع متعلقاتي.. وفور خروجه بي صاح به الخروبي “خليه قاعد في (قطرته)!!!”.. وعلمت بعد ذلك أن الأستاذ حمًي قد تمنى عليه أن يقدر صغر سنّي وأن يسامح ما رآه الخروبي إساءة الى شخصه.. وبعدها أسدى لي الأستاذ نصيحة لن أنساها وربما أفادتني في قادم أيام السجن التي عشتها بعد ذلك.. قال (لا تعاند سجّانك.. ولا تستفزّه.. ولا تعطيه مبرّراً للتنكيل بك واصبر الى أن يأتي الله بالفرج..).

بعد هذه الزيارة الخروبية المتوترة فوجئنا ذات صباح بالحرس ينادي على الأستاذ حمّي والأستاذ طالب الرويعي ويطلب منهما جمع متعلقاتهما لأنه تم الإفراج عنهما.. غمرتنا سعادة وفرح رغم الفراغ الذي سيتركانه كظهير ومساندة وإطمئنان وإن كنا قد إستبشرنا بأن الإفراج عنهما سيكون بداية خروجنا جميعاً.. غادرا صحبة الحارس وبدأت التحليلات والتخمينات التي يعرفها كل من خاض تجربة السجن.. يقودها محمد المفتي بلازمته الشهيرة (كل شي وارد!!).

وفي اليوم التالي.. دخل علينا مجموعة من سجناء الحق العام الذين يقومون بالخدمة في السجن.. يحملون على رؤوسهم أطباق الأكل الوفير.. وقالوا (هذي من صاحبكم “الحَمرْ”!!!) الذي أُفرج عنه  أمس أحضرها بنفسه الى السجن ويسلم عليكم!!.

وهكذا تذكرنا (الأستاذ) أول من تذكر حتى وهوفي غمرة فرح أهله وذويه بالإفراج عنه.. ويبدو أن أمر الإفراج عنهما لم يرق للقذافي الذي أمر بإعادتهما الى السجن في اليوم الثالث حيث دخلا علينا.. وكان الأستاذ حمّي مبتسماً هاشاً كأنما هوفرح بالإفراج عنه الى الداخل!!!!.. وحين كنا نهمهم ونغمهم بالسؤال عما حدث قال ساخراً (جيت بيش نشيل الصواني!!!) وسرعان ما انساب ألقه ووده وتوحد مع سربه وجلجلت ضحكاته كأن شيئاً لم يكن..!!

خرجنا بعدها من السجن.. وبقي فيه من رأى النظام أن ينكّل بهم ويجعلهم عبرة لغيرهم.. ومكثوا مدداً طويلة ومنهم من قضى نحبه داخل أقفاص الإسمنت.

كنت ألتقي الأستاذ حمّي بعدها أثناء زياراته لطرابلس.. وبعد أن غادرت ليبيا سنة 1977.. التقيته في روما أكثر من مرة.. ما شعرت أنه تغيّر في شخصية هذا الإنسان الرائع.. هوما ارتسم على قسماته من حزن يخالطه الألم عما آلت اليه أحوال البلاد.. وإصرار ثلة العسكر الحاكمة على مصادرة كلّ شيء رائع وجميل على أرضنا الطيبة.. حيث عمّد النظام الجديد طريق الدم وبدأ مسلسل الإعدامات سنة 1977 وتم تنفيذ هذه الإعدامات في الشوارع والميادين.. وتمت تصفية خيرة ضباط الجيش (فيما يعرف بقضية المحيشي) ـ في الوقت الذي كان فيه من يدعون اليوم قيادة الجيش في الخدمة يقودون نزواته وحملاته الطائشة وحروبه المدمرة!!

كانت مشاعر القلق والخشية على مصير البلد يصبغ حديثه.. وإن بقي شيء من بريق الأمل يلوح خافتاً..

وفي سنة 1980 ومع إشتداد هجمة التنكيل والملاحقة في الداخل والخارج.. أعتُقل الأستاذ حمّي.. مع من اعتقل.. وتعرضوا لعمليات تصفية متعمدة داخل المعتقل بدأت بقتل الأستاذ عامر الدغيس.. وحسين الصغير ومحمد حمّي الذي تمت تصفيته بطريقة وحشية بشعة حيث تعرض لصفوف من التعذيب.. والقى به على اثر إحدى هذه الحفلات البربرية.. داخل زنزانته وكان المرحوم يعاني من مرض السكري المزمن الذي يبلغ ذروته في مثل هذه الظروف.. ومنع عنه الماء رغم طلبه المتكرر وترك على هذا الحال حتى فارق الحياة!!

رحم الله محمد حمّي ورفاقه الذين كانوا يحلمون بليبيا (وطناً لا موطناً) وحاولوا أن يجعلوا من أنفسهم جسراً وطيداً تعبره الأجيال القادمة بعدهم.. هذا الجسر الذي يحاول البعض اليوم أن ينسفه ويدمره ليعمّ الطوفان!

د. جمعة أحمد عتيقة

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com