http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

سعيد العريبي: هذا الكتاب (2) السيرة الشعبية للحلاج (7/5)

ليبيا المستقبل 0 تعليق 8 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هذا الكتاب (2) السيرة الشعبية للحلاج (7/5)



دراسة وتحقيق: رضوان السح

عرض: سعيد العريبي

 

 

 من فضائح الحلاج:

قال الخطيب البغدادي وغيره: كان الحلاج قد قدم آخر مرة إلى بغداد فصحب الصوفية وانتسب إليهم، وكان الوزير إذ ذاك حامد بن العباس، فبلغه أن الحلاج قد أضل خلقا من الحشم والحجاب في دار السلطان، ومن غلمان نصر القشوري الحاجب، وجعل لهم في جملة ما ادعاه أنه يحي الموتى، وأن الجن يخدمونه ويحضرون له ما شاء ويختار ويشتهي، وقال إنه أحيا عددا من الطير.

وذكر لعلي بن عيسى أن رجلا يقال له محمد بن علي القنائي الكاتب يعبد الحلاج، ويدعو الناس إلى طاعته.. فطلبه فكبس منزله فأخذه فأقر أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخط الحلاج مكتوبة بماء الذهب في ورق من الحرير مجلدة بأفخر الجلود.. ووجد سفطا فيه من رجيع الحلاج وعذرته وبوله وأشياء من آثاره، وبقية خبز من زاده.

فطلب الوزير من المقتدر، أن يتكلم في أمر الحلاج ففوض أمره إلى إليه، فاستدعى جماعة من أصحاب الحلاج فهددهم فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله مع الله، فجحد ذلك وكذبهم وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله وأكثر من له الصوم والصلاة وفعل الخير، لا أعرف غير ذلك. ولما انتشر الكلام فيه سلم إلى الوزير حامد بن العباس، فحبسه في قيود كثيرة في رجليه، وجمع له الفقهاء، فأجمعوا على كفره وزندقته، وأنه ساحر ممخرق.

ورجع عنه رجلان صالحان ممن كان اتبعه، أحدهما أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوراجي، والآخر يقال له الدباس، فذكرا من فضائحه وما كان يدعو الناس إليه من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئا كثيرا. وكذلك أحضرت زوجة ابنه سليمان فذكرت عنه فضائح كثيرة، من ذلك أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت.. فقال: قومي إلى الصلاة، وإنما كان يريد أن يطأها. وأمر ابنتها بالسجود له فقالت: أو يسجد بشر لبشر..؟  فقال: نعم.. إله في السماء وإله في الأرض.. ثم أمرها أن تأخذ تحت بارية هناك ما أرادت، فوجدت تحتها دنانير كثيرة.

ولما كان معتقلا في دار حامد بن العباس الوزير، دخل عليه غلام ومعه طبق فيه طعام ليأكل منه، فوجده قد ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام وفزع فزعا شديدا، وألقى ما كان في يده من ذلك الطبق والطعام، ورجع محموما فمرض عدة أيام.

 في مجلس القضاء:

ولما كان آخر مجلس من مجالسه، وقد جيء به إلى القاضي أبو عمر محمد بن يوسف، فأحضر له كتاب من دور أصحابه وفيه: ومن أراد الحج ولم يتيسر له، فليبن في داره بيتا لا يناله شيء من النجاسة ولا يمكن أحدا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج ، فليصم ثلاثة أيام وليطف به كما يطاف بالكعبة ، ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج في بمكة، ثم يستدعي ثلاثين يتيما فيطعمهم من طعامه، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصا، ويعطي كل واحد منهم سبعة دراهم - أو قال ثلاثة دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج. وإن من صام ثلاثة، لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندبا، أجزأه ذلك عن صيام رمضان.. ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره، أجزأه عن الصلاة بعد ذلك.

ومن جاور الشهداء بمقابر قريش، عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم، ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير والملح الجريش، أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره.. فقال له القاضي أبو عمر: من أين لك هذا..؟ فقال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري.. فقال له: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصري بمكة وليس فيه شيء من هذا. فأقبل الوزير على القاضي فقال له: قد قلت يا حلال الدم فاكتب ذلك في هذه الورقة، وألح عليه وقدم له الدواة، فكتب ذلك في تلك الورقة.. وكتب من حضر خطوطهم فيها، وأنفذها الوزير إلى المقتدر.

• جواب الخليفة:

ورد الحلاج إلى محبسه وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظن الوزير حامد بن العباس، فكتب إلى الخليفة يقول له: إن أمر الحلاج قد اشتهر ولم يختلف فيه اثنان وقد افتتن كثير من الناس به.. فجاء الجواب بأن يسلم إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة.. وليضربه ألف سوط، فإن مات وإلا ضربت عنقه. ففرح الوزير بذلك وطلب صاحب الشرطة فسلمه إليه، وبعث معه طائفة من غلمانه يصلون معه، إلى محل الشرطة من الجانب الغربي، خوفا من أن يستنقذ من أيديهم.. وهو راكب على بغل عليه إكاف وحوله جماعة من أعوان السياسة، فاستقر منزله بدار الشرطة في تلك الليلة. قالوا لما خرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد:

طلبت المستقر بكل أرض ............ فلم أر لي بأرض مستقرا
وذقت من الزمان وذاق مني ......... وجدت مذاقه حلوا ومرا
أطعت مطامعي فاستعبدتني .... ولو أني قنعت لكنت حرا

وقيل إنه قال حين قدم إلى الجذع ليصلب:

نديمي غير منسوب ...................... إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشرب ................. كفعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس ........................... دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح ...................... مع التنين في الصيف

• صفة قتله:

قالوا: ثم قدم فضرب ألف سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه وهو في ذلك كله ساكت ما نطق بكلمة، ولم يتغير لونه.. قال الخطيب: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال: قال لنا أبو عمر بن حيويه: لما أخرج الحسين بن منصور الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس، ولم أزل أزاحم حتى رأيته فدنوت منه، فقال لأصحابه: لا يهولنكم هذا الأمر، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما.. ثم قتل فما عاد. وقيل إنه قال وهو يضرب لمحمد بن عبد الصمد والي الشرطة: أدع بي إليك فإن عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية.. فقال له: قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل.. ثم قطعت يداه ورجلاه وحز رأسه وأحرقت جثته، وألقي رماده في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان وطيف به في تلك النواحي، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه إليهم بعد ثلاثين يوما.

• تاريخ مقتله:

كان قتله يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من سنة تسع وثلاثمائة ببغداد، وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات، وحكي اختلاف الناس فيه.

• ضروب من الهذيان:

وزعم بعضهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم، وهو راكب على حمار في طريق النهروان فقال:  لعلك من هؤلاء النفر الذين ظنوا أني أنا هو المضروب المقتول، إني لست به، إنما ألقي شبهي على رجل ففعل به ما رأيتم.. وكانوا بجهلهم يقولون: إنما قتل عدو من أعداء الحلاج. فذكر هذا لبعض علماء الزمان فقال: إن كان هذا الرأي صادقا، فقد تبدى له شيطان على صورة الحلاج ليضل الناس به، كما ضلت فرقة النصارى بالمصلوب. قال الخطيب: اتفق له أن دجلة زادت في هذا العام زيادة كثيرة.. فقيل إنما زادت لأن رماد جثة الحلاج خالطها.. وللعوام في مثل هذا وأشباهه ضروب من الهذيان قديما وحديثا.. ونودي ببغداد أن لا أحد يشتري كتب الحلاج ولا تباع.


ترجمته من  دائرة المعار الإسلامية


الحلاج: هو أبو المغيث الحسين بن حمى البيضاوي، متصوف ومتكلم فارسي، كتب مؤلفاته باللغة العربية.. ولد حوالي عام:244 هـ -  858 م، في الطور بالقرب من البيضاء من أعمال فارس، وهو حفيد مجوسي من عبدة النار.. قضي الأعوام من: 360هـ 873 م إلى: 284 هـ 897 م، في خلوة مع شيوخ الصوفية (التستري، عمرو المكي، الجنيد). ثم انفصل عنهم وخرج إلى الدنيا، يدعو إلى الزهد والتصوف، وأصبح كذلك داعيا للقرامطة في خراسان والأهواز وفارس والهند والتركستان، وسرعان ما اجتمع حوله تلاميذه الحلاجية عند عودته من مكة إلى بغداد عام: 296 هـ 908م. اتهمه المعتزلة بالشعوذة، وأخرج من الطريقة بمقتضى توقيع من الإمامية وفتوى من الظاهرية، وقبض عليه رجال الشرطة العباسيون مرتين، وأحضر أمام الوزير ابن عيسى، وعذب في عام: 301هـ  913م، وأمضى ثماني سنوات في سجن بغداد.

• نهايته والأساطير التي حيكت حولها:

جلد الحلاج وقطعت أوصاله وشوه وصلب، ثم حز رأسه وأحرق، وذلك في ساحة السجن الجديد ببغداد على الضفة اليمنى لنهر دجلة أمام باب الطاق.. وقد أدى صلب الحلاج، إلى نشوء أساطير تذهب إلى أنه لــم يصلب، وإنما الذي صلب شخص آخر غيره، كما هي الحال في صلب المسيح عليه السلام.

• مذهب الحلاجية:

في الفقه: يمكن الاستعاضة عن الفرائض الخمس، بشعائر أخرى بما في ذلك الحج (إسقاط الوسائط).. وفي علم الكلام: (أ):  تنزيه الله عن حدود الخلق: (الطول والعرض).. (ب):  وجود روح ناطقـة غير مخلوقـة، تتحد مـع روح الزاهد المخلوقة: (حلول اللاهوت في الناسوت). (ج): يصبح الولي الدليل الذاتي على الله "هو هو" ومن ثم القول "أنا الحق". وفي التصوف: الاتحاد التام مع الإرادة الإلهية (عين الجمع) عن طريق الشوق والاستسلام للألم والمعاناة.

• هؤلاء قالوا بكفره:

قل بين المسلمين من ثار حوله الجدل كما ثار حول الحلاج.. ذلك أن الرأي العام وضعه موضع التقديس والولاية على الرغم من إجماع العديد من الفقهاء والمتكلمين والصوفية على تكفيره.. وفيما يلي أسماء أهم من قال بتكفيره: من المالكية: الطرطوشي وعياض وابن خلدون.. ومن الحنابلة: ابن تيمية.. ومن الشافعية: الجويني الذهبي.. ومن الظاهرية:  ابن داود وابن حزم والطوسي والحلي.. ومن متكلمي المعتزلة: الجبائي والقزويني.. ومن الإمامية: مفيد.. ومن الأشاعرة: البقلاني.. ومن الماتريدية: ابن كمال باشا والقالي.. ومن الصوفية: عمرو المكي.. وأغلب كتابهم المتقدمين مع بعض الاستثناء.

عرض: سعيد العريبي
al_oribi@yahoo.com

- راجع الحلقات السابقة بـ (أرشيف الكاتب)

- تطالعون في الجزء السادس بإذن الله تعالى: ملخـص ترجمتـه مـن كتـــاب وفيات الأعيان لابن خلكان... اختلاف الناس في أمره... قدومه إلى مكة... ادعاؤه للألوهية... حكاية النصب والاحتيال برواية ابن خلكان... الحج على طريقة الحلاج برواية ابن خلكان.

ــــــــــــ
هامش:

- السيرة الشعبية للحلاج، دراسة وتحقيق / رضوان السح، منشورات دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى / 1998م.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com