http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

أحمد الفيتوري: الربيع العربي سنة خامسة!

ليبيا المستقبل 0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

(تقدم فترات الأزمة مناسبات مفيدة لفهم كيفية تجميع وإعادة تنظيم هذه العوالم. غالبا ما يكون الإعلان عن أزمة محاولة لإدخال قوى جديدة أو تحديد مخاطر يجب اتخاذ قرارات إزاءها وهي تتطلب أيضا تحديد الموضوع أو الموضوعات المجمعة المعرضة للخطر. وقد تفلت القوى المدخلة والمخاطر المحددة والموضوعات المجمعة جميعا من سيطرة من يحاولون تعبئتها أو السيطرة عليها).



* ديمقراطية الكربون، السلطة السياسية في عصر النفط - تيموثي متشل - ترجمة بشير السباعي وشريف يونس - ط (1) المركز القومي للترجمة - القاهرة - 2014.

المصائب هي الظاهر ما بعد الربيع العربي، هذا الربيع ما غدى الربيع الأسود في اجماع لا مثيل له كما كان الربيع العربي الربيع الابهى عند بزوغه، وليبيا مثلا كانت في البدء نوارة الربيع الزاهي والآن وهنا أمست "حفرة الدم" للربيع العربي الأسود.

هذا ما يبدو كما انشاء مشوب بالعواطف هو ناتج الحقائق الدامغة للحاصل ما بعد الربيع العربي، الربيع العربي وضع في سلة واحدة دون تمحيص للتباينات الصارخة فيما بين أطرافه، أو الخرس اتجاه التداخلات والمشتركات بين أطرافه، خاصة وأن الربيع العربي في منتهاه عمَ العالم كما تسونامي ضرب أطراف الدنيا وانغرس في قلب الأمم.

وما يحدث حتى الساعة على المستويين الإقليمي والدولي من أفعال وردود أفعال هي من نتاج هذا الربيع ما لم نعرف خواتمه بل ولا حتى تمكنا مما يفعله من متغيرات في التو والساعة، وهذا الربيع كما كان مفاجأة صارخة في وجه كل العالم بات الآن ما يحدثه هو الصدمة وما بعيد الاحتمال، وما نرصده من توابع له هو كما سطح البركان، حيث الكل قادر على رصد الدمار لكن ما يشكله من تضاريس وما يحدث في أعماقه هو ما في حكم وضع أو تصور قانون لفعل ورد فعل البشر، والبشر لم يتمكنوا بعد من قوننة أفعالهم.

منذ مطلع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين والعالم في منزلة الشرق الأوسط يصبح ويمسي عما يحدث فيه، قلب العالم عاد ليشكل مجريات الاحداث في العالم:

1- ثمة تغيير في ديمغرافية القارات الثلاث القديمة ينشأ عبر هجرة تعيد العالم إلى ما حدث فيه قديما، وعاد الانسان مرة أخرى عابر للقارات، وظهرت أسوار مسلحة على الحدود مما يهدد الاتحاد الأوربي ويفاقم مشاكله.

2- اقتصاد العالم يتزحزح عن ثوابت كانت تبدو كحقائق راسخة للحضارة المعاصرة: حضارة الكربون بكل ما تعنيه من ديمقراطية ومن مرتكزات سياسية، وحرب يلعب فيها النفط دورا عكسيا بانخفاض قيمته والمتاجرة بالسلاح ليست أهم من تجريب الجديد منه والإلكتروني على الخصوص.

3- العلاقة الجدلية المتطرفة بين أقدم ما انتجت البشرية الدين والعنف، ما باتا يشكلا ضلعي المثلث ما ضلعه الثالث والأساس الصراع السياسي، فالعالم في مرحلة دين دون ثقافة وجهل مقدس أو كما قيل.

4- الحقيقة الأسمى الآن هي وسائل الاتصال والميديا ما يشكلا عالمنا الذي هو في لحظة انهيار قديمه وتكون جديده، ما بزغ منه يبدو كما جبل الثلج.

5- الربيع العربي جاء متأخرا كثيرا عن موعده في الإقليم، ولكن دوليا هو كما حصاد لانهيار عالم قديم انتهت فيه حرب باردة استغرقت عقود وانتجت رواسخ لم تنته بعد.

6- الربيع العربي كما الثورات البشرية التي تتخذ مسارات ومستويات عدة، وتخرج في موجات متقطعة كما تبدو لكنها في الحقيقة متصلة، ولهذا نحن في الموجة الاولي من هذا الربيع ما يبان كما الخريف.

7- ان الربيع العربي ما خرج من القمقم عبر عملية انتحار: احراق جسد "بوعزيزي"، حتى الساعة تتالي العمليات الانتحارية فيه كتعبير صارخ عن تراجيديا التحول في الشرق الأوسط الذي هو العالم القديم ومهبط الحضارة الانسانية وأديانها، وهذا التجسيد الظاهر للأزمة تعبير صارخ على أن المنطقة محشورة في زقاق يبدو فيه الحياة كما الموت أو أن الموت الوسيلة الأقصى لاقتناص الحياة.

8- دولنة الربيع العربي، المدخل الحالة الليبية:

لم تمر أسابيع من عام 2011م إلا والثورات اندلعت في العديد من الدول العربية، لكن لم تمر أيام إلا والنظام "القذافي" في ليبيا قد استخدم الكتائب المسلحة في قمع التظاهرات السلمية 17 فبراير 2011م، بعد أن خسر في غضون أيام أربعة السيطرة على ما يقارب نصف البلاد بقيادة المدينة الثانية "بنغازي" التي فيها انبثق عاجلا (المجلس الانتقالي الوطني، 22 مارس 2011م). في الاثناء كان هناك اجماع دولي بالتدخل في ليبيا لحماية المدنيين تمثل ذلك في قرارين من مجلس الأمن هما 1970 و1973 وقام تحالف دولي بدعم واجماع عربي واسلامي، وبهذا دولت الثورة الليبية في الشهر الأول للثورة أي في مارس 2011م، لقد كانت المسألة الليبية المدخل الدولي للتدخل في الربيع العربي وبهذا تم تدويل هذا الربيع وعبر قرارات لمجلس الأمن الذي تتالت قرارته في هذا الخصوص منذ القرار 1970 وحتى قرارات تصدر الساعة.

وهكذا ساهم "القذافي" منذ اللحظة الاولي في تحويل الربيع العربي من ثورة سلمية الى ثورات مسلحة في بعض البلدان، بل واشتعلت حروبا أهلية لم تنطفي نارها بعد مرور سنوات خمس.

لقد غرقنا خلال الخمس سنوات المنصرمة من عمر الربيع العربي في تفاصيل يكمن فيها الشيطان وبتنا نعيش اللحظة كمعطى مطلق، أما ما أصاب المنطقة من الإرهاب والمسغبة فقد شل العقول، ووضع المسئولين في زاوية حرجة الخروج منها يتم بالهروب أو في أفضل الأوضاع وضع حلول تلفيقة هي في أحسن الأحوال استعادة للماضي ما تم الثورة عليه: "عودة البوربون".

سنوات خمس ونحن نلوك "علكة الدم" الربيع العربي وتأخذنا مستجداته وحقائقه اليومية الدامية عن معطياته الأساس، ومن تلاطم موجاته تتشكل ردود أفعالنا دون أي بحث جاد أو فعل فاعل. ولهذا نحتاج الآن وهنا أن نستعيد عقولنا من شباك الأحداث المتراكمة والنتائج المتداخلة للربيع العربي، وأن نقف عن هذه الهرولة واللهاث وراء مستجداته، وبالتالي أن ندرس الظاهرة الثورية التي تحدث للمرة الاولي في تاريخ الشرق الأوسط الحديث أي خروج شعوب المنطقة عن عقالها، هذا الخروج الذي ما هو ظاهر منه مقدمات لنتائج لم تفصح بعد عن مكنونها رغم ما يلطخ المشهد من دماء، وهي أيضا قد تكون من ملامح الموجة الثانية في ربيع يعم العالم ويعيد تشكيله ويعيد العالم القديم إلى المشهد كما لم يكن.

أحمد الفيتوري
كاتب روائي وصحفي ليبي صاحب ورئيس تحرير جريدة ميادين.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com