http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

شُكْري السنكي: ليبَيا يا نغماً فِي خاطري

ليبيا المستقبل 0 تعليق 498 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ليبَيا يا نغماً فِي خاطري
 




محَمّد نجم... فنّان أصيل وبامتياز 


بعْد إنقلاب سبتمبر/ أيّلول 1969م بسنوات معدودة، توقف مشروع نشر الموسيقى الِلّيبيّة والتعريف بموروثنا الشّعبي وتقديمه فِي أحسن صُورة للعالم أجمع، العَرَبي منه على وجه الخصوص. توقف مشروع تطوير الفنّ، واحتكرَ قادة اللّجان الثوريّة علي الكيلاني وعبدالله منصُور الأغنيّة الِلّيبيّة وأغلقا عليها الأبواب داخل أسوار الحدود الِلّيبيّة. وقد أرجع السّيّد عبْدالرَّحمن شلقم سبب غياب الأغنيّة الِلّيبيّة وعدم الاهتمام بها فِي كتابه: (أشخاص حول القذّافي) الصّادر فِي يناير/ كانون الثاني 2012م، إِلى سيطرة منصُور والكيلاني على الإذاعة وهيمنتهما الكاملة على صناعة الأغنيّة الِلّيبيّة. حيث أكد شلقم ".. أن عبْدالله والكيلاني احتكرا الأغنيّة الِلّيبيّة، وأغلقا الأبواب عَن الآخرين، ولم تعد الأغنيّة الِلّيبيّة معروفة خارج ليبَيا، بل إنها غير مسموعة حتَّى فِي الدَّاخل، وأصبح الِلّيبيّون يهتمون بأغاني البلدان العَرَبيّة الأخرى. وأن سبب ذلك سيطرة لون واحد وإيقاع واحد على ما يقدمه الشاعران، فكل أعمال الكيلاني التي يقول أنه يلحنها بنفسه هي فِي مقامين فقط، الرصد والبياتي، فِي حين كانت أغاني الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات غنية بكلِّ المقامات، إضافة إِلى كلماتها المتنوعة التي تحوي كلّ تموجات اللهجة والمزاج عند الِلّيبيّين..".

سيطر معمّر القذّافي على الإذاعة عبر أشخاص ينفذون أوامره مِن دون نقاش أو اعتراض، واحتكرَ الكيلاني ومنصُور الإنتاج الفنّي، وكان محَمّد حسن هُو المُطرب الوحيد الّذِي فتحت له كلّ الأبواب بينما أغلقت أمام الآخرين. طمس نظام معمّر القذّافي المواهب الِلّيبيّة وأجهض المشروع النهضوي الفنيّ الّذِي بدأت نجاحاته الباهرة تظهر فِي بداية ستينيات القرن المنصرم.

نالت القصيدة والأغنيّة الوطنيّة اهتماماً خاصاً وظهرت أعمال فنيّة وطنيّة غايّة فِي الروعة والجمال فِي بداية الستينيات إِلى مطلع السبعينيات.. أعمال غنائية لاقت أعجاب الكثيرين والتي ستكون حتماً بريق أمل للعودة إِلى عصر (بلد الطيوب) و(هـذه الأرض هـي العرض لنا) و(ليبَيا يا نغما فِي خاطري) و(نحن يا ليبَيا الفدا). وأغاني وطنيّة أخرى مِن مثيلات: (أرض الزهر والحنة) و(تعيشي يا بلدي)، وأغنيّة الفنان سلام قدري التي يقول مطلعها:

لو تؤمريني فـوق نسمة نطير.. ونجيبلك حزمة نجوم تنير
تضوي طريق الحبّ للإنسان.. يا ليبَيا وتزرع ترابك خير

ولا شكّ، أن فنّ الستينيات ومطلع السبعينيات أختلف عَن الفنّ فِي زَمَن الكيلاني ومنصُور ومحَمّد حسن. وتأتي قصيدة:  كواحدة مِن بين الأعمال الفنيّة الجميلة الرّاسخة فِي الذّاكرة والوجدان.. جمال الكلمة، وعذوبة الصوت، وإبداع الجملة الموسيقيّة.

وقد ارتبط اسم الفنّان محمّد نجم بقصيدة: (ليبَيا يا نغماً فِي خاطري) وهُو الّذِي كان قد بدأ حياته فِي العمل الإذاعي ليس الغناء، وكان هُو أوَّل مخرج تلفزيوني ليبي. ولد الفنّان محمّد نجم فِي مدينة بّنْغازي عَام 1942م ودرس فِي مدارسها ثمّ التحق بالإذاعةِ فشارك فِي مسلسلات دراميّة مسموعة وفِي عدة برامج إذاعيّة، ودرس الإخراج التلفزيوني أيْضاً وبدأ مشواره الغنائي عَام 1960م. وقد كتب الفنّان التشكيلي الأستاذ فتحي العريبي (1942م-2015م) فِي مجلّة (كراسي) عَن سيرة فناننا الكبير فقال: ".. سافر الفنّان محمّد نجم فِي أواخر الستينيات إِلى بريطانيا لدراسة الإخراج التلفزي ومع افتتاح التلفزيون الِلّيبيّ عَام 1968م أعتبر أوَّل مخرج تلفزيوني ليبي فِي هذا المجال. وفِي عَام 1971م التحق بدورة متقدمة فِي الإخراج المرئي بالقاهرة لمدة سنتين وهُناك شارك كممثل فِي السهرة المرئيّة (الجراد) الّتي كتبها الدّكتور أحمَد الفقي وأخرجها المخرج المصري الشهير محَمّد فاضل كمَا شارك فيما بعْد فِي المسلسل اللبناني (الأمانة). وكان حاضراً بقوَّة فِي العديد مِن المسرحيات الِلّيبيّة الناجحة: مواكب الخير.. سيزيف والموت.. ثورة الزنج.. وغير ذلك مِن المسرحيات الجادة.

شارك فِي إخراج الفيلم العالمي: (عُمر المختار) ويعتز فناننا القدير بقيامه بمهمّة مساعد للمخرج مُصْطفى العقاد (1930م - 11 نوفمبر/ تشرين الثّاني 2005م) فِي الفيلم المذكور بل أن العقاد ذاته كان لا يخفي إعجابه وتقديره لجهود نجم فِي هذا الفيلم العالمي..”.

وبالإضافةِ إِلى كونه فنّاناً مُبدعاً فهُو مهتم بالشأن الثقافي والعام ومرتبط بإحدى صالونات بّنْغازي الثقافيّة حيث إنّه مِن بين المجموعة الّتي كانت تلتقي فِي درة فوزي رجب بِن كاطو فِي زقاق بِن كاطو القريب مِن بحر الشّابي، وسط البلد قبل إندلاع ثورة السّابع عشر مِن فبراير / شبّاط 2011م، وقد انتقلت بعْد الثورة إِلى مزرعة فوزي بِن كاطو فِي الهواري أقصى جنوب مدينة بّنْغازي. وضمّت المجموعة: فوزي رجب بِن كاطو ونجيب المحجوب الحصادي والفنّان عادل عبْدالمجيد وحسين المغبوب ومُصْطفى إسكندراني، والإعلامي علي أحمَد سَالم وحسين يُوسف بُوليفَة وحسَن يُوسف بُوليفَة الّذِي اختطف بعْد أذان المغرب مِن يوم 7 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2014م فِي طريق عودته مِن عمله بشركة الخليج باتجاه منطقة الهواري، ولا يعلم أهله شيئاً عنه حتَّى هذه اللحظّة.

كان الفنّان محَمّد نجم معجباً ومتأثراً بالفنّان المُوسيقار محَمّد عبْدالوهاب لدرجة أنه أختار لنفسه (عبْدالوهاب يُوسف) اسماً فنياً له نظراً لأنه قريبُ مِن اسم فنانه المُفضل. قام الفنّان نجم  بأداء العديد مِن القصائد أهمها: (يا لائمي واللوم لا يجدي على العشاق شيء) للشّاعر الرَّاحل الكبير أحمَد الشّارف، وقصيدة: (ستعودين إِلى دربي) للشاعر علي الفزاني.. وأغاني أخرى كان بعضها على صلة بتراثنا الشّعبي، وتُعد قصيدة: (ليبَيا يا نغماً فِي خاطري) مِن أجمل القصائد الّتي غنّاها. والقصيدةُ مِن كلمات الشّاعر الغنائي: مُصْطفى الهنقاري وألحان المٌوسيقار القدير: يُوسف العالم، وأداء الفّنان الكبير: محَمّد نجم المعروف كمَا أشرنا باسم (عبْدالوهاب يُوسف). وقد سجلها للإذاعة الِلّيبيّة سنة 1967م. وتقول أبياتها:

ليبَيا يا نغماً فِي خاطري
بك أشدو رافعاً رأس الإباء
أتغنى باسمك العذب
على مسمع الدنيا وباسم الشهداء
وأحيّ علماً مِن خفقه
خفق قلبي وحياتي ورجائي
يا بلادي فيك أحلامي النبيلة
والأماني الجميلة
وعلى ذكرك أنسى ألمى
أنسى عنائي
ذاكراً عهد الجدود الأوفياء
لأغني هادئ النفس بقلبِ مطمئنِ
من هواك العذب أستلهم فني
مُخلصاً فِي كلّ همس ونداء
شادياً فِي كلّ أرض وسمـاء
ليعش مجدك مرموقاً عزيز الكبرياء
ليبَيا يا نغماً فِي خاطري
بك أشدو رافعاً رأس الإباء

ويُذكر أيْضاً أن الفنّان محَمّد نجم غنى فِي صيف عَام 1969م قصيدة (عهد اليسر) المعروفة باسم (فاخر بإدْريْس العظيم)، الّتي نظم كلماتها الشّاعر المصري: عزيز أباظة، ولحنها وغنّاها الفنّان المُوسيقار: محَمّد عبْدالوهاب فِي مايو/ أيار 1969م وسجلها مُصورة فِي استوديوهات الإذاعة المرئيّة الِلّيبيّة. أُعجب الفنّان محَمّد نجم بقصيدة عهد اليسر، فغنّاها فِي حفل شهير أقيم فِي صيف عَام 1969م على مسرح مدرسة بّنْغازي الثّانويّة للبنات، وقد تألق فِي أدائها لدرجة أن البعض قال أنه تفوق بإحساسه فِي الأداء على محَمّد عبدالوهاب.  

وَفِي جانب ثانٍ، لم يُغَنِّ الفنّان محمّد نجم للانقلابين إسوة بكثير مِن زملائه الفنانين. وبعْد سنوات معدودة مِن إنقلاب سبتمبر/ أيّلول 1969م ترك الغناء رافضاً تدخلات السّلطة فِي الفنّ وتحويله إِلى نفاق سياسي وتملق الحاكم. وكانت قصيدة (لا تعودي) للشّاعر والإذاعي المخضرم محَمّد المَهْدِي بوزريدة (1942م - 16 إبريل/ نيسان 2009م) آخر أعماله الفنيّة فِي عهد معمّر القذّافي وقد لحنها الفنّان الرَّاحل علي أبوالسعيد وكان ذلك فِي عَام 1978م. وقد منعت سلطات معمّر القذّافي إذاعة قصيدة (ليبَيا يا نغماً فِي خاطري) تحت الشّعار: (وطن عربي واحد) الّذِي رفعته آنئذ. تبنت المُعارضة الِلّيبيّة فِي الخارِجِ قصيدة (ليبَيا يا نغماً فِي خاطري) ونشرتها على نطاق واسع مِن خلال أشرطة الكاسيت وإذاعتها باستمرار فِي إذاعاتها الموجهة إِلى الدّاخل الِلّيبيّ. ويذكر أن الأستاذ أحمَد يُونس نجم (1932م - ديسمبر/  كانون الأوَّل 2011م) شقيق الفنّان محمّد، أتهم عَام 1970م فِي محاولة لقلب نظام الحكم، عُرفت بـ(محاولة الأبيار) وقضى فِي السجن عدة سنوات.  

درس الأستاذ أحمَد نجم الإعلام وتخرج فِي جامعة القاهرة قسم صحافة وإعلام بدرجة البكالوريوس. وكان مِن بين المُثقفين الّذِين عملوا فِي مجال الإعلام.. ورئيساً لتحرير صحيفة (برقة جديد) الّتي  تولّى رئاسة تحريرها أيْضاً الأستاذ عبدالله عبْدالمجيد.. وصار فِي 1968م وزيراً للاقتصاد والتجارة. كلّف المَلِك إدْريْس السّنوُسي طيب الله ثراه، فِي أكتوبر/ تشرين أوَّل 1967م، الأستاذ عبْدالحميد مختار البكّوش (1933م-2007م)، برئاسة الحكومة، ولم يكن عمره وقتها قد تجاوز الثلاثة والثلاثين عاماً، وبذا فقد كان حينها أصغر رؤساء الوزارة سنّاً فِي العهد الملكي ورُبّما الأصغر سنّاً على مستوى العالم العربي. أختار البكّوش أن تكون حكومته أكثر حيويّةً وانفتاحاً وتنوعاً، ولذا قرر أن تكون غالبية الحقائب للشباب فضمّت وزارته سبعة عشرة وزيراً مِن الشباب المتعلم وستّة أعضاء فقط كانوا محسوبين على كبّار السن أو ممّن وصفوا وقتها بالانتماءِ إِلى (الحرس القديم). كان الأستاذ أحمَد يُونس نجم واحداً مِن بين أولئك الوزراء وقد ضمّه البكّوش إِلى وزارته فِي التعديل الوزاري الوحيد الّذِي أجراه فِي 4 يناير/ كانون ثاني 1968م على حكومته. عُيّن الأستاذ أحمَد نجم وزيراً للاقتصاد والتجارة فِي عهد البكّوش الّذِي أستمر إِلى 4 سبتمبر/ أيّلول 1968م، ثمّ شغل نفس المنصب فِي عهد رئاسة السّيِّد ونيس محَمّد القذّافي (1924م - ديسمبر/ كانون أوَّل 1986م) للحكومة، والتي أستمرت مِن 4 سبتمبر/ أيّلول 1968م إِلى يوم 31 أغسطس/ أب 1969م.

وَفِي الخِتَام، الفنّ ليس إمتاعاً فحسب بل هُو أيْضاً أداة مِن أدوات التعبير ووسيلة مِن وسائل التربيّة والتعليم والنهضة حيث إنّه "مرآة المجتمع" كمَا يقولون. والأغنيّة الوطنيّة  تعزز مِن وطنيّة المواطن أو كمَا تقول الكاتبة وجدان الربيعي: ".. تتعلق بما هُو راسخ فِي فكرة الوطن، الفكرة غير المجردة الحقيقية الّتي تتمثل فِي محبة الوطن وخدمته والسّعي للتعايش داخله وإنَّ اختلفنا فِي المرجعيات الفكريّة، إذا استطعنا أن نصل إِلى هذه الفكرة الجوهريّة فِي الأغنيّة يمكن أن تبقى وتظلّ وتستمر ويتجدد انتشارها واستعمالها..”.

واليوم، مَا أحوجنا إِلى أناشيد وقصائد تتغنى بالوطن وتفخر بأمجاده المشهودة وتاريخه المضيء، وتعزز الانتماء والولاء له.. ومَا أحوجنا إِلى إعادة إنتاج الأغاني الوطنيّة القديمة المحفورة فِي الذّاكرة والوجدان باستخدام التكنولوجيا الحديثة وفنّ التوزيع الّذِي تطور كثيراً عمّا كان عليه فِي الماضي، فالتسجيلات القديمة تعاني مِن رداءة الصوت لأنها كانت تستخدم ميكروفوناً واحداً فقط عند التسجيل.. ومَا أحوجنا إِلى فنّانين وشعراء ملتزمين يقدمون الأغنيّة الّتي تخدم الوطن والمواطن، والأغنيّة الّتي تسمو بالمشاعر ولا تهبط بها كمَا هُو الحال فِي معظم فنّ هذه الأيّام حيث محاكاة الغرائز والكلمات المبتذلة.

وَكَمَا أَسْلَفَت، الفنّ رسالة حبّ وسلام ولغة عالميّة تفهمها كلّ شعوب الأرض. والفنّ يخلد ذكرى المجتمع وحضارته.. ويضفي على الحيَاة لمسة جماليّة ويرتقي بالمجتمع ويهذب الذّوق العام.

وَأخِيْراً، كان محَمّد نجم فنّاناَ ملتزماً.. وساهم فِي نشر الأغنيّة الِلّيبيّة الحديثة وتطويرها، وستبقى (ليبَيا يا نغماً فِي خاطري) علامة فارقة فِي مسيرته الفنيّة، وحيّة فِي وجدان الِلّيبيّين إِلى أبد الدّهر. 

شُكْري السنكي

ملحوظة: ولمزيد مِن المعلومات والتفاصيل عَن الفنّ الِلّيبي.. زَمَن وزَمَن!، راجع مَا نشرته بتاريخ 11 و14 فبراير/ شبّاط 2012 فِي الحلقة الخامسة والسّادسة (5 و6) فِي سلسلة: (حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت.. زمن عَلي الشعالية وشَارِع كان أسمه سَيِّدِي سَالم) بموقع: (ليبَيا المُسْتقبل).
 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com