http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

الهولوكوست الفلسطيني

ليبيا المستقبل 0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الهولوكوست الفلسطيني



حلت ذكرى الهولوكوست المصادفة ليوم 27 يناير، والتي تحرص الأمم المتحدة على إحيائها كل عام، تكريماً لضحايا محرقة يهود أوربا، وهي واقعة دائماً ما تحيلني للتفكير بهولوكوست آخر، ومحرقة كبيرة قُذف فيها شعبٌ آخر، إنه عندي شعب فلسطين التاريخية، الذين يعانون جحيم التشرد وضياع الحقوق والهوية منذ 68 سنة، ولما كانت أغلب الكتابات التي تناولت القضية الفلسطينية، لم تمنحها تلك النظرة الشمولية اللازمة برأيي، إذ اختار البعض تقريب العدسة من الصورة، بالتركيز على إسرائيل وجرائمها فقط، فجاءت الكتابات عنها بالآلاف، إلا أنني سأحاول اليوم سحب هذه العدسة قليلاً للخلف، لإظهار صورة العرب والمسلمين والفلسطينيين، ممن ساهمت أخطائهم في تعقيد القضية الفلسطينية، وذلك بتقديم الخطوط العريضة للموضوع، إذ من الصعب كثيراً تناول التفاصيل بمقالة واحدة.    
أولاً: الخلفية التاريخية للمسألة الفلسطينية
تُحدثنا الوثائق الصادرة عن السلطنة العثمانية سنة 1849، عن وجود فرمان يُجيز لليهود شراء أراضٍ بفلسطين، تبعه إصدار قانون إصلاح الأراضي لسنة 1858 ينظّم عملية الشراء والبيع، وقد اشترى اليهود مئات الألاف من الدونمات بالفترة من 1858 حتى نهاية الإنتداب البريطاني، وبُدأ فعلاً في بناء قرى كاملة وإقطاعيات لليهود هناك، ويتكلم الفلسطينيون اليوم عن أن تسرّب أراضيهم لليهود، كان نتيجة احتيال وتلاعب قاموا بها على الفلسطينيين، وبعض إدارات الإقطاعيات الفلسطينية واللبنانية التي باعتهم أراضيها، لأسباب تتعلق بتراكم الضرائب المستحقة للسلطنة العثمانية، عن طريق رِشىً دفُعت لمسؤولين عثمانيين فاسدين، وتمرير عقود شراء غير قانونية كثيرة، وقد أجهدتُ نفسي لأسابيع وأنا أبحث عن تحقيق تاريخي لهذا الإحتيال، أو كتب وأبحاث تؤصّل لعملية التلاعب والرِشى المذكورة وأطرافها ووقائعها، فلم أجد إلا كتابات مُرسلة بدون وثائق أو أدلة مُعززة، حتى هذا التاريخ على الأقل. 
ولاحقاً، وقّع عضوا مجلس الشيوخ العثماني، هادي باشا وتوفيق بك، وبحضور وشراكة ملك الحجار، معاهدة سيفر في 10 أغسطس 1920، مع دول الحلفاء وشركائها، تقضي بتخلي السلطنة العثمانية عن الأراضي غير الناطقة بالتركية، ووضع فلسطين تحت الإنتداب البريطاني، بهدف توطين اليهود تنجيزاً لوعد بلفور، لكن حكومة أتاتورك رفضت المصادقة على المعاهدة، ليس بسبب وعد بلفور المذكور، بل لأسباب تتعلق بالأراضي التي تحوزها السلطنة، فواصل هذا الأخير أعماله العسكرية مُصراً على تسوية جديدة لأراضي بلاده ما بعد الحرب، وبالفعل أجبر الحلفاء على التفاوض من جديد، حتى عُقدت اتفاقية لوزان المعروفة التي لم تأتِ على ذكر فلسطين ولا وعد بلفور ولا توّطن اليهود بها.
ثانياً: الأخطاء التاريخية التي عمّقت المشكل الفلسطيني
أولاً: إن الكلام عن استيلاء إسرائيل على أراضي الفلسطينيين وتشريدهم، يجب أن يُقابله الكلام عن استيلاء العرب والمسلمين على ممتلكات اليهود الشرقيين وتشريدهم أيضاً، فالليهود جذور عميقة بليبيا والجزائر وتونس والمغرب ومصر واليمن وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين، لقد انفلت الحقد الأهوج في الشوارع العربية، على شركائهم في الله والوطن والنضال ضد المستعمر، بسبب سياسات غربيّة قامت بتوطين يهودها بفلسطين، بعد سنوات من أعمال إستئصالية بحقهم لأسباب كثيرة، وبسبب تأثر بعض اليهود الشرقيين بالفكر الصهيوني في وقتها، واشتعلت الرؤوس المحرورة بالعروبة والإسلام، فأخذت البريء منهم بالمخطئ والصغير منهم بالكبير، وجرت معاقبتهم جماعياً بالسطو المسلح وحرق البيوت واغتصاب الأعراض والملكيات العقارية والمنقولة، والتضييق عليهم بالعيش بطردهم من الوظائف العامة ومصادرة ممتلكاتهم، ولعل أحداث الفرهود بالعراق خير دليل على عنصرية العرب والمسملين ضد اليهود، وقد دفعت هذه الحوادث على طول الوطن العربي، مئات الآلاف منهم للذهاب إلى إسرائيل تاركين ورائهم بيوتاً ومزارع، وأرصدة بالمصارف وحُلي، صادرتها الحكومات العربية لصالحها، هائمين على وجوههم في ظروف قاسية، تحيط بهم الكراهية والرفض بكل بلد مروا به، ومعهم أطفال ومرضى وجرحى، يلاحقهم الشعور بالمذلة والصدمة من غدر إخوتهم شركاء الوطن وأبناء العمومة، ذاهبين لبلد لا تتوفر فيه أبسط الخدمات، وفي وقت عصيب ( منذ الحرب العالمية وحتى الستينات)، وعند هذه النقطة يمكنني أن أقول، إن الحكّام والزعامات العربية قد أهدوا دولة إسرائيل مجاناً المزيد من مبررات الوجود، لأجل حماية شعبها الذي نفوه هم وأوربا، بدل أن يحتووه ويشعرونه بالإنتماء ويكسبونه في صفهم، ويحولون دون التآمه بها، وكسبه في نضالهم القادم ضد وجودها، ولأجل امتصاص أي ردة فعل ضد الشعب الفلسطيني الذي حلت إسرائيل في وسطه، لكن للأسف جرى سحب جنسيات مئات الآلاف منهم وتجريدهم من إنسانيتهم ووطنيتهم، ورميهم إلى المجهول بلا أدنى تفكير، وهذا يدفعني للسؤال التالي: هل يقبل المسلمون اليوم، أن يتم طرد أبنائهم من الدواعش وتنظيم القاعدة وحزب الله وغيرها من الجماعات المخربة، ممن يعتنق فكراً صهيو إسلامي إسستئصالي إلى السعودية وأفغانستان أو إيران وتشريد أسرهم واغتصاب نسائهم، وافتكاك أموالهم ومصادرة ممتلكاتهم لأنهم إرهابيون مجرمون أم أن هذه العنصرية لا تتحقق إلا ضد اليهود فقط؟ 
ثانياً: نعرف حميعاً إن قسماً كبيراً من الشعب الفلسطيني، قد هجّرته إسرائيل قسراً من بداية قيامها حتى وقت قريب، لكن ما لا يذكره الكثيرون ولا تذكره مدارس الأنظمة العربية، هو أن الزعامات العربية نفسها، ساهمت في تهجير قسمٍ آخر منهم، فزادت من معاناتهم برعونتها وقلة خبرتها في إدارة الصراعات المسلحة أثناء حرب الـ 48، حين رفضت مشروع التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة، وذلك من خلال التحشيد الإعلامي والخُطب الحماسية، التي طالبت فيها الفلسطينيين بترك مناطقهم التي يقيمون فيها مع اليهود، لتتسلمها الجيوش العربية بعد أن تنتصر، لكن الجيوش مُنيت بهزيمة مُنكرة وخسرت الحرب ضد إسرائيل، فرفضت الأخيرة عودة مئات الألاف ممن استجاب لنداء الجيوش العربية وصادرت أراضيهم وممتلكاتهم، وقد كان البقاء أولى لهم من الخروج، فبقائهم كان سيجنّبهم التشريد ويوفر لهم الأمان والكرامة والمأوى، ويضمن حصولهم على الجنسية الإسرائيلية لاحقاً والتمتع ببعض ميزاتها.      
ثالثاً: مارست الزعامات العربية والإسلامية ضغوطاً هائلة، على وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، لتعريف اللاجئ الفلسطيني بالمخالفة للتعريف المنصوص عليه باتفاقية اللجوء الدولية وتعديلاتها، ليكون هو كل شخصٍ عاش في فلسطين بين 1 حزيران 1946 و15 نيسان 1948 وفقد بيته وإمكانية إعالة نفسه بسبب حرب الـ 48، وأولاد وأحفاد هؤلاء أينما ولدوا وحيثما عاشوا.
لا شك أن هذا تعريفٌ مهين وحاطٌ للكرامة الإنسانية، لكونه يوثِق الإنسان إلى مفهوم التشرد الأبدي، بل ويورّث هذا المفهوم لأولاده وأحفاده، فكيف وبأي حق يكون طفل الجيل الثالث الفلسطيني اليوم لاجئاً، رغم ولادته في قطاع غزة أو الضفة الغربية؟ 
لقد وضعت الزعامات العربية والإسلامية الفلسطينيين في وضعٍ مزرٍ قانونياً واجتماعياً وسياسياً، إذ جعلوا من معاناتهم ورقة مفاوضات سياسية دائمة، مع إبقائهم في حالة تشرد نفسي واجتماعي وسياسي مستديم، حتى أن الفلسطيني خارج مناطق الـ 48 يقدم نفسه لك كمشرد، رغم أنه يعيش بمدينة خانيونس، لكنه يطلق عليها اسم مخيم، وما هو إلا مدينة تتمتع بكل مقومات الحياة العصرية، ما لم تقصفها إسرائيل على رأسه، تماماً كمخيمات بيروت ودمشق، فهي لا تختلف في شيء عن بقية الأحياء السورية واللبنانية إلا من حيث الإسم.   
رابعاً: درجت الجامعة العربية منذ الخمسينات، على التوصية المشددة بعدم تجنيس الفلسطينيين، لئلا يؤثر ذلك على حقهم في العودة لفلسطين، وهذا هو موقف الجبهة الشعبية وحركة فتح وحماس جيلاً بعد جيل، لهذا لم تمنح الدول العربية جنسياتها للفلسطيين إلا الأردن، وفي أحوال استنثائية حصل فلسطينيون على جنسيات عربية كحالات فردية، فكان طبيعياً ألا يُسمح للفلسطينيين بالإشتغال بالوظائف العامة أو الإنخراط في الجيش، فكان عليهم دائماً أن يبحثوا عن مصدر رزق بأنفسهم، فاتجه بعضهم للتجارة وبعضهم الآخر للمهن التي يأنف منها ابن البلد، وقلمّا صاهرهم أحد بليبيا وغيرها، بسبب صفة التشرد التي لاحقتهم وستلحق بأولادهم من الأم المواطنة، وتساكنوا متقاربين من بعضهم في ما يُطلق عليه مخيمات بسوريا ولبنان وعاشوا في تجمعات تشبه الجيتو، يأكلهم الشعور بالعزلة والمهانة، لوجودهم ببلدان منحتهم وعداً بتمكينهم من أرضهم، فإذا بهم يتحولون إلى مشردين في كل بقاع الأرض.
وهنا أقول، إن أي إنسان تضطره ظروفه للجوء لبلد محترم، ينتظر فترةً من الزمن ثم يصبح من أصحاب الأرض، يتمتع بكل الحقوق والمزايا والواجبات القانونية المقررة لإبن البلد بلا تمييز إلا الفلسطيني، وذلك بسبب الأخطاء غير المغتفرة في إدارة هذا الملف الشائك، لكن بالمقابل وبصراحة، لنرى كيف عاملت إسرائيل فلسطينيو الـ 48 الذين رفضوا نداء الزعامات العربية بترك مناطقهم، أو الذين وقعوا في حدود دولة إسرائيل التي قررتها الأمم المتحدة.
لقد منحتهم جنسيتها وعدداً من الحقوق، سمحت لهم في البداية باستقبال ولم شمل أسرهم من بقية المناطق التي تقع خارج حدودها، قبل أن تلغي ذلك لاحقاً، وعملوا هناك بوظائف عامة وخاصة، صنعوا حياةً جيدة لهم ولأولادهم، دخلوا الكنيست الإسرائيلي كمعارضين دائمين بعد أن حصلوا على حق الإنتخاب، ولم يُسمع النشيد الإسرائيلي أو يُرفع العلم في مدارسهم، ولغتهم العربية صارت لغةً رسميةً ومحميةً، تكتب على واجهة المؤسسات الرسمية، ويتم التعامل بها في الدوائر الرسمية إلى جانب العبرية، سُمح لهم بالإحتفال بأعيادهم الوطنية والدينية، وسُمح لهم فترةً ما باحياء ذكرى النكبة لكنها ألفيت لاحقاً، وانخرطوا في التجارة والفن والمسرح والتعليم العالي، بعد أن ضمنوا حقوقاً وأوضاعاً إنسانيةً "مضبوطة".
خامساً: اختارت بعض القيادات الفلسطينية، سلوك طريق الإرهاب خلال حربها مع إسرائيل، فانطلقت عمليات خطف الطائرات، بتفجير بعضها وقتل رياضيين مدنيين فيها بأراضٍ محايدة، وتصرفت بعض تلك القيادات في البلدان التي تحتضن المقاومة، تصرف المحتل الإسرائيلي نفسه في فلسطين، كما حدث بالأردن 1970، حين تصرفت منظمة التحرير كما لو أنها دولة داخل دولة، تقوم بعملياتها من دون تنسيق مع سلطات البلد، كما تحركت لإحداث تغييرات سياسية هناك بالقوة، فرفعت السلاح على الأردنيين وتحرشت بالجيش واشتبكت معه قرابة 500 مرة على الأقل، بل إنها حاولت اغتيال الملك حسين مرتين للإستيلاء على الحكم، فاندلعت أحداث أيلول الأسود المعروفة، إلى أن فر ياسر عرفات إلى الخارج بمساعدة جعفر النميري، أما في لبنان، فقد قامت عناصر من حركة فتح ودون أي تراخيص من السلطات المختصة بالبناءعلى قطعة أرض بمنطقة قريبة على نهر البارد، فتدخلت قوة عسكرية لوقف البناء، فرد أهالي المخيم من الفلسطينيين بالإعتداء على تلك القوة، بل وصعّدوا من عنفهم حتى طال مخافر لبنانية وتدميرها واعتقال أفراد من الشرطة، ثم تحرك أبو إياد علي بعملية موسعة ليس ضد إسرائيل بل ضد الجمارك اللبنانية والمخافر على الحدود في الشمال، وتوسع العنف واستطال بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني حتى انعقاد اتفاق القاهرة 1969، الذي عمل على تنظيم الوجود المسلح للفلسطينيين على أراضي لبنان، لكن التحرشات كانت قد التأمت بينهم وبين الجيش وزعماء طائفة الموارنة، واشتبكت فصائل لبنانية أخرى في النزاع، ولكل واحدة منها علاقة بطرف، وإثر محاولة اغتيال بيار الجميّل التي اتُهم بها الفلسطينيون اندلعت شرارة الحرب الأهلية سنة 1975 وتوسعت لتحرق كل لبنان، ولاحقاً خرجت القيادات المُخّرِبة منهم إلى تونس بسبب حصار إسرائيل لبيروت.
لعقدين من الزمن وأكثر، صار ديدن بعض القيادات الفلسطينية، توجيه سلاحها الذي تحصل عليه من أموال بعض الشعوب، لظهور تلك الشعوب والعمل على حل قضية شعبها هي، على حساب تلك الشعوب وأمنها ومقدراتها ووحدة أراضيها، ففي حرب الخليج الثانية اختارت جبهة التحرير الفلسطينية رفض الحرب على العراق، أما بعض قياداتها العليا فقد اختارت تأييد غزو العراق للكويت صراحة، ما دفع باتجاه إنهاء الوجود الفلسطيني بالكويت وبعض دول خليجية أخرى، فتشرد الفلسطينيون من جديد بين عدة دول عربية وغربية بعد أن طُردوا من هناك، وخسرت منظمة التحرير الدعم المالي واللوجستي الذي كانت تحصل عليه من السعودية وغيرها، كما اتَهمت مصر مؤخراً بعض قيادات حماس الإخوانية، بالتواطؤ مع الرئيس المعزول مرسي، لحل مشاكل القطاع على حساب شعب وأرض مصر، وهي وقائع جاري النظر فيها قضائياً.
سادساً: كلما مر وقت بالقضية الفلسطينية، كلما زادت الإنقسامات في صفوف قياداتها، وانعكس كل هذا الفساد والإرهاب على فلسطينيي المنافي، خارج مناطق الـ 48 ومستوى حياتهم وتفكيرهم وتعليمهم ومزاجهم وتطلعاتهم، تضخمت المشاكل والفساد المالي وتدني مستوى المعيشة بشكل ملحوظ وزاد العنف ضد المرأة، وصارت منظمة حماس تمارس احتلالاً داخلياً على الفلسطينيين التابعين لها، وتحتكر الوظائف والتراخيص لأعضائها، وتحرّض الشباب الفلسطيني من صغار السن على الإنتحار في إسرائيل، إذ تدفع بكوادرها لعمليات انتحارية غير محسوبة، استدعت ردود فعلٍ إسرائيليةٍ وحشية ومفرطة في ضراواتها، تمثلت في عمليات انتقام قذرة طالت آلاف البيوت والعائلات الفلسطينية وتشريدهم في الشوارع، وأقامت جداراً فاصلاً يحبسم بعيداً عنها، حتى صارت غزة سجناً عالياً بلا أي نافذة للنور أو الحياة، وبذات الوقت، واصلت بعض تلك القيادات أعمال القوادة والتزلف للحكام العرب، الذين ـ على مدى تاريخهم ـ تخفّوا بالقضية الفلسطينية لقمع شعوبهم ونهبها، وذلك للحصول على مساعدات مالية تقدر بعشرات الملايين، بعد أن تعلموا الكسب من وراء القضية، حتى جعلوا منها بقرتهم الحلوب يعلفونها بدماء الفلسطينيين وأقواتهم، ويجنون بها بيوتاً وسيارات فارهة في دول خليجية، كما جيروا هذه القضية لخدمة كل طاغية عربي أو مسلم، حتى وصلت إلى إيران، التي تشارك في تقتيل الشعب السوري الأعزل مع حزب الله ونظام الأسد، وصار الفلسطيني مكروهاً بين شعوب عربية كثيرة، بل صار إرهابياً لا مقاوماً شريفاً في نظر منظمات إنسانية كثيرة، بسبب اسلوبه في قتل العُزل من اليهود بالسكاكين والدهس بالسيارات، وقد التحق بعض الفلسطينيين فعلاً بداعش، وذهب يقاتل إخوانه من العرب والمسلمين، بل إنه قاتل السوريين والليبيين والعراقيين الذين عاشوا بينهم لعقود.
خاتمة
هذا هو الهولوكوست الذي اقترفته الزعامات العربية والفلسطينية والحكام المسلمين بحق شعب فلسطين، منحوهم وعداً بإعادتهم إلى أراضيهم التاريخية، لكنهم حتى لم يكونوا بالأخلاقيات التي وضعها بلفور في وعده للورد دي روتشيلد، يوم التزم له بأن توطين اليهود بفلسطين لن يمس من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية هناك، ولا بيهود العالم ممن لا يتبنون الفكر الصهيوني، وهذا ما حدث فعلاً ولو بشكل جزئي كما أسلفت، هذا هو الهولوكوست الذي يجب أن نعترف به كعرب وكمسلمين وقيادات فلسطينية، فقد ترتب عليه قذف ملايين الفلسطينيين إلى أفران التطرف والفقر والحقد والتشرذم والإستزلام والإسترزاق بالقضية، ولا بد أن اليهود الشرقيين المطرودين من الشرق الأوسط اليوم، يرفعون عقيرتهم بكلمات الشكر والإمتنان، لدولتهم إسرائيل التي لم تتخلَ عنهم، ومنحتهم حريات وكرامة ومستوى معيشي يحسدهم عليها مواطنو العالم العربي، سيما بعد ما وصلت إليه الأمور عقب سقوط أنظمة ديكتاتورية بالمنطقة، وبداية ظهور فكر صهيوني من طراز إسلامي بحت، لا يقل عنصريةً عن عنصرية الصهيونية اليهودية، فهو أيضاً يتأسس على حركة سياسية إسلامية عنصرية عدائية إسترجاعية، تقوم على "واجب العودة" لنموذج الخلافة الراشدة، و"إستئصال" غير المسلمين ورفض شراكتهم في الحياة فما بالك بالمساواة والعدالة، وتدبير الحياة العامة وحتى الخاصة للجميع، بمعايير دينية قرووسطية متعصبة وغاية في الوحشية والإنغلاق. 


وفاء البوعيسي
مراجع المقالة.
نص اتفاقية سيفر الصادرة بتاريخ 10\أغسطس\1920.
مجموعة قوانين وأنظمة دائرة الأراضي والمساحة الصادرة عن السلطنة العثمانية.
موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.


 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com