http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

ليس كل ما يلمع ثورة

الوسط 0 تعليق 16 ارسل لصديق نسخة للطباعة
 

في الأيام الأولى من انتفاضة فبراير شاهدت زحاما كثيفا قرب ميناء درنة، وحين اقتربت شاهدت جرافة تزيح صخرة ضخمة، سألت شخصا بجانبي عما يحدث فقال لي: ثمة سحر وضعه القذافي تحت هذه الصخرة يحاولون التخلص منه.



لم أعلق، وفكرت وقتها في صخرة سيزيف التي علمتنا الامتثال للشقاء حين يكون عقابا إلهيا. وسأترك التعليق لجوناثان آي إسرائيل، الذي يقول في كتابه، التنوير مختلَفا عليه: الفلسفة، والحداثة، وتحرير الإنسان" غني عن فضل البيان أن كون مفهوم "الثورة"، السياسي والاجتماعي والأخلاقي أصبح مألوفا لا يعني أنه أمسى موضع ترحيب.

الأمر أبعد ما يكون عن هذا، لأنه لم تكن لدى معظم الناس رغبة في الخلاص من التبجيل التقليدي للسلطة المكرسة والمفاهيم المثالية في المجتمع أقوى من اعتقادهم في السحر وعلم الشياطين وإبليس"*.

حراك فبراير حدث في المناخ الثقافي السابق ذكره والذي دشنته الكتب الخضراء والصفراء

حين أتطرق إلى ما حدث في فبراير عام 2011 تنتابني الحيرة حيال تسمية ما حدث، فأستخدم أحيانا وبتحفظ تسميته بالثورة، وأميل في معظم الحالات إلى تسمية انتفاضة أو حراك فبراير، لأني في قرارة نفسي غير مقتنع بكون ما حدث ثورة حسب خلفية هذا الاصطلاح الذي تكرس بداية من الثورة الفرنسية كتتويج لصراع أفكار سمي فيما بعد بالتنوير، وباعتبار مؤرخي الأفكار يعتبرون الثورة حدثا مرتبطا بشكل بنيوي مع الحداثة ولا يمكنه أن يقع خارجها.

ارتبطت انتفاضة فبراير بظاهرة الربيع العربي التي كان مقدرا لها أن تبدأ من عرب شمال إفريقيا، واكتسبت مع الوقت خصوصيتها المتأتية من طبيعة المجتمع وطبيعة النظام، وحدثت في دولة حديثة بالمعنى الزمني حيث بعض مؤسسي الدولة الليبية مازالوا أحياء وقت قيام هذا الحراك، وإذا ما فكرنا في وعاء الأفكار الحاضن لهذا التغيير، سنجد أن الفكر أو الكتاب المهيمن إعلاميا قبل عقود هو الكتاب الأخضر الذي طبعت منه ومن شروحه ملايين النسخ، ودرس في مراحل التعليم المختلفة وأقيمت له دورات عقائدية مستمرة للبراعم والأشبال والشباب، واستحوذ على مساحة واسعة من البث السمعي والبصري، وطبقت أجزاؤه على أرض الواقع حتى أصبحت جزءا من يوميات المواطن، وعلقت مقولات منه في كل الأماكن والطرق وحيث ما ولينا وجوهنا.

من جانب آخر كان يزاحم هذا التيار التعبوي الكتب الدينية التي اجتاحت المكتبات فضلا عما يتم تداوله سريا من كتب صفراء، إضافة إلى أشرطة الكاسيت لشيوخ دين راديكاليين انتشرت بين الشباب منذ عقد الثمانينيات.

في ظل هذا الزخم التعبوي غابت وسائل المعرفة وأدوات الثقافة الأخرى المرتبطة بالتفكير الناقد، كما اغتيلت الفلسفة التي مهدت للثورة الفرنسية منذ أن أطلق على قسمها في الجامعة اسم قسم التفسير، وتلاشى تدريسها في مراحل التعليم الأخرى، وانعزل الكتاب والأدباء مضطرين في زاوية معتمة يقرؤون لبعضهم البعض ويقيمون مهرجاناتهم وندواتهم التي لا يحضرها سواهم.

وبالتالي فإن حراك فبراير حدث في المناخ الثقافي السابق ذكره والذي دشنته الكتب الخضراء والصفراء ، وطبيعي أن يؤدي هذا الوعاء المعرفي المهيمن إلى ثورة عكس عقارب الساعة تعود بنا عميقا في الماضي بدل أن تستشرف المستقبل، ما يجعل إطلاق تسمية الثورة عليها محفوفا بالشكوك.

انتفاء مفهوم الثورة عما حدث في فبراير يعني انتفاء مفهوم الثوار تلقائيا باعتبار أن لا ثوار دون ثورة

حين وقع الانقلاب العسكري عام 1969 عمل قائده بعد أعوام قليلة على تحويل هذا الانقلاب إلى ثورة حسب مفهومه الشخصي لها، استلهم في البداية التجربة الناصرية، ثم حرص على صناعة تفرده ونهجه الخاص فجمع بين ثلاثة توجهات متضاربة فيما يشبه المثل الشائع (سمك لبن تمر هندي) فكان على المستوى السياسي قوميا بالمفهوم النازي للقومية الشوفينية، وعلى المستوى الاقتصادي اشتراكيا أمميا، وعلى المستوى الاجتماعي قبليا رعويا، ومع الوقت تحول إلى كشكول لأطروحات عالمية قرأها مختصرة وفق رؤية من كان يوظفهم لاختصار الكتب في صفحات قليلة، لكنه في النهاية ثابر بشكل منقطع النظير، وعبر تسخير أموال طائلة، ليحقن الأجيال الجديدة بأطروحته المختلة والتي تحتل المساحة الأكبر من وعيهم ومن لاوعيهم حتى وهم في أقصى درجات المقت لمنظرها، لقد نجحت تلك الجرعات المكثفة التي طعم بها العقول، إضافة إلى النزعة الدينية الشعبية المحافظة التي حولت انتفاضة تحرير إلى انتفاضة تكبير ثم انتفاضة تكفير، في تشكيل الحاضنة الفكرية لهذا التمرد الذي بدأ بعدوى أو بغيرة من ثورتين قامتا على الحدود الغربية والشرقية لإقطاعية ليبيا النفطية، ولم يكن ثمة نضج اجتماعي وسياسي قابل لاحتواء وتوجيه المرحلة الجديدة صوب القيم الحديثة التي ظلت فقط كوثيقة في البيان الأول لفبراير المنقول حرفيا عن أهداف ثورتي مصر وتونس.

لذلك يسمي مؤرخو الأفكار الثورات التي تحدث خارج فضاء الحداثة بالتمرد، أو كما يذكر جوناثان في كتابه المذكور وفق تصوره لعدم قابلية مجتمعات ما قبل الحداثة المسرفة في احترامها للشرعية المتجذر في الماضي، والمنغمسة في الموروث والهالة اللاهوتية " إن الفرق الرئيس بين حالات التمرد والاضطراب قبل-الحديثة وبين الثورة الحديثة هو أنه في تلك الحالات يعوّل تبرير التغير الاجتماعي والسياسي بشكل ثابت على أسس لاهوتية وقوانين عرفية وتبجيل للموروث، في حين أن الثورات الحديثة تشرعن نفسها وترتهن بشكل جوهري لمفاهيم أساسية ليست تقليدية بل مستحدثة بشكل جديد.

من هذا المنظور فإن انتفاء مفهوم الثورة عما حدث في فبراير يعني انتفاء مفهوم الثوار تلقائيا، باعتبار أن لا ثوار دون ثورة، وينطبق في هذه الحالة توصيف (المتمردون) الذي اعتمدته بعض القنوات المهنية منذ أن تعسكرت الانتفاضة وتحولت إلى فعل تمرد مسلح، وحركات التمرد من خصائصها أنها تستغرق وقتا طويلا في التشبث بالسلاح، إضافة إلى كونها لا تملك برنامج عمل سياسي محدد حتى في حالة انتصارها، وغالبا ما تعيد إنتاج طبيعة النظام المهزوم وآلياته في الحكم إذا ما وصلت للسلطة.

* جوناثان آي. إسرائيل : التنوير مختلَفا عليه ـ الفلسفة، والحداثة، وتحرير الإنسان 1670-1752ـ تحت الإعداد ـ ترجمة نجيب الحصادي ، زاهي المغيربي .




شاهد الخبر في المصدر الوسط




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com