http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

د. جمعة أحمد عتيقة: عن محمد عثمان الصيد أحدثكم

ليبيا المستقبل 0 تعليق 21 ارسل لصديق نسخة للطباعة




عرفتُ المرحوم محمد عثمان الصيد - خامس رئيس وزراء لليبيا في العهد الملكي - شخصياً في شهر أبريل 1980 بعد أن قصدتُ المغرب للإحتماء من هجمات القتل والدم التي اعتمدها القذافي تحت شعار ((التصفية الجسدية لأعداء الثورة في الداخل والخارج)).. إلتقيتُ به في اليوم الأول لوصولي صحبة الأستاذ فاضل المسعودي أطال الله عمره الذي تربطه به علاقة وثيقة منذ مغادرة فاضل لليبيا ملاحَقاً ومُهدداً وقرار المرحوم محمد عثمان الصيد عدم العودة الى ليبيا بعد إنقلاب سبتمبر.. إستقبلنا بترحاب وودّ ووجدتُ نفسي أمام شخصية تتّسم بالحكمة والإتزان والإلمام الواسع بأحوال الحياة والناس.. لم تكن صورة محمد عثمان الصيد كرئيس وزراء ليبيا في بداية ستينيات القرن الماضي في ذاكرتي انذاك فوق مستوى الشبهات.. فقد تعرض كشخصية عامة لموجات من التشويه وخاض معارك سياسية حادة مع خصومه من السياسيين انذاك كان من أبرزهم المرحوم محي الدين فكيني الذي تولى الوزارة بعده  مما خلف حوله ركاماً من الشائعات التي إستهدفت ذمته المالية.. وراجت هذه الشائعات في المجتمع وترددت في ألسنة الناس دونما دليل معلن صريح مما حذا بالملك إدريس رحمه الله الى تكريمه بوسام بعد تقديم إستقالته من رئاسة الوزراء في سابقة هي الأولى حينذاك… وإشارة لا تخفى دلالتها.

خلاصة القول أنني كنت أحمل هذه الصورة المشوهة حين قابلت الرجل.. وحين إستقر بي المقام في (الرباط) حيث يقطن هو.. اقتربت منه وازدادت علاقتي به.. لأكتشف جوانب مضيئة في هذه الشخصية.. وسمعتُ منه شخصياً ومن غيره ما عاناه وقاساه في غربته من العوز والفاقة.. وهوالعائل لعشرة أطفال لا يملك ما يعولهم.. هذا الواقع كشف زيف ما كان يشاع عن ثروته في الخارج وتهريبه للأموال وغير ذلك من الترهات!

لمستُ كرمه الحاتمي وخيريته ومبادرته لمساعدة الآخرين ومدّ يد العون لهم.. لمستُ ذلك بشكل شخصي وعن طريق من كانوا يتوافدون عليه من الليبيين الذين دفعهم عسف النظام وملاحقته الى اللجوء الى المغرب الشقيق.. كان يحظى بإحترام السلطات المغربية وتقدير المرحوم الملك الحسن الثاني.. عمل على توظيفها لخدمة أبناء بلده الذين لحقوا به في عالم الغربة والمنفى.. كان أباً للمجموعة الليبية التي استقرت في المغرب.. أعيادنا كانت في بيته.. لقاءاتنا تلتئم عنده.. نستمع الى تجاربه ورؤاه ونظرته لما جرى ويجري في بلادنا.. يحدثنا بوقار وهدوء.. لم أره يوماً طوال علاقتي به منفعلاً أوثائراً أونماماً.. حتى مع الذين أساؤوا له قبلاً أوبعداً.

كنت أقتنص الفرص.. لأذهب اليه مستمعاً لتجربته وهويروي الأحداث السياسية الكبرى التي عاصرها قبل وبعد الإستقلال منذ أن أختير في لجنة (الواحد والعشرين) ضمن السبعة الذين كانوا يمثلون فزان.. مروراً بعضويته في لجنة الستين ثم توليه لوزارة الصحة في أول وزارة (إنتقالية) برئاسة المرحوم محمود المنتصر.. ثم شغله لمنصب وزاري في كلّ الحكومات اللاحقة.. إلى أن تولى الوزارة بعد إستقالة السيد عبد المجيد كعبار على إثر ما أثير في مجلس النواب حول طريق فزان وشركة عبد الله عابد السنوسي (ساسكو).

كان حديثه يتدفق سلساً ونبراته هادئة واثقة وذاكرته صافية لا تخون.. مما شجعني على أن أطلب منه كتابة مذكراته.. لرواية ورصد مرحلة مفصلية من تاريخنا السياسي.. وأذكر أنه ابدى تردداً في ذلك فاقترحت عليه أن يقوم بتسجيل هذه المذكرات وأن يقوم شخص أخر بتحريرها وصياغتها.. راقت له الفكرة.. فأشرت عليه بأن يلتقي بأحد الصحفيين من (أصدقائي من السودان وكان مديراً لمكتب الشرق الأوسط في المغرب) وهوالأستاذ طلحة جبريل ويبحث معه الأمر.

بالفعل زرته برفقة طلحة في منزله وتم التعارف بينهما.. وبعد مغادرتي للمغرب.. تم إنجاز هذا الأمر وصدرت المذكرات كأول عمل لسياسي ليبي أنذاك وصارت اليوم أحد مراجع تاريخ تلك المرحلة.

وفي إطار رغبتي في التزود والمعرفة حول احداث تلك الفترة.. سألته عن خلفيات النظام الإتحادي.. فأجاب بأن الملك الصالح محمد ادريس السنوسي (هكذا كان يشير اليه بتوقير وإجلال!!) كان منذ بداية الإستقلال.. يعتبر أن النظام الإتحادي ليس سوى خطوة أولى نحصل بها على الإستقلال.. وأن هدفه منذ البداية  (ليبيا الواحدة الموحّدة!!).

وعن دور شركات النفط في هذا الخصوص.. أجاب "كانت شركات النفط أيام الولايات إبناً مدللاً يتزلّف اليها الولاة بالإمتيازات ويعرضون التسهيلات كسباً لودّها وعطائها.. ونحن إجتهدنا بتوجيهات الملك لما رأيناه يخدم مصلحة البلاد".

روى لي بتفاصيل دقيقة قصة خوضه لمعركة رئاسة مجلس النواب بعد إستقالته (من رئاسة الحكومة) ضد مرشح الحكومة مفتاح عريقيب.. الذي يدعمه بقوة رئيس الوزراء (محي الدين فكيني) وكيف ظهرت النتيجة بفارق صوت (واحد).. ووسط إحتجاج مؤيديه وتشكيكهم في عملية الفرز.. قام هومن مقعده متجهاً للسيد عريقيب مهنئاً بالفوز.. ليحسم الأمر.. في إشارة تدلّ على تماسكه وقوة شخصيته.. وقبوله للنتائج.

أعود الى المغرب.. متذكراً واقعة طريفة تدلّ على دقته وحساباته وحذره.. بعد قدوم الدكتور محمد المقريف الى المغرب وإستقباله له وإهتمامه به, إستقر المقريف في الرباط.. وفي إحدى الفترات كان الحاج غيث سيف النصر - ينزل ضيفاً عند الحاج محمد عثمان الصيد في منزله -… وحيث انني كنت اتردد لزيارته طلب مني الدكتور المقريف إبلاغ الحاج غيث برغبته في لقائه وإستضافته في منزله.. فأبلغت الحاج غيث الذي رحب.. وأتفقت أن احضر اليه في اليوم التالي للذهاب للمقريف.. وحين قدومي في الموعد.. أُبلغت بأن الحاج غيث قد غادر صحبة (المرحوم عبد السلام) إبن الحاج الصيد.. فلحقت بهم في منزل المقريف وحين دخلت داعبتهم في لهجة تتراوح بين السخرية والعتاب: (عملتوها يا فزازنة!!!) ضحك الجميع.. وحين إلتقيت الحاج الصيد بعدها.. وجدته يضحك ويردد العبارة فيما يشبه الإعتذار عما حدث!! ومازال الحاج غيث عبد المجيد سيف النصر أطال الله عمره يتندر بهذه الواقعة كلما التقيته حتى الآن.

غادرت المغرب.. وإستمرت علاقتي به.. عبر مهاتفات قليلة وتحيات ترسل عبر الأصدقاء الذين يزورونه هناك.. وفي سنة 2006 زرت المغرب قادماً من ليبيا فزرته في بيته صحبة الأستاذ محمد الغيراني الدبلوماسي بالسفارة الليبية آنذاك.. فوجدته وقد أنهكته السنون والمرض.. رحب كعادته بحرارة ودفء وقال لي بصوت مجهد (أنا أسأل عنك دائماً وخايف عليك من القذافي).. قال ذلك ليسبقني عن مواساتي له في فقد ثلاثة من أبنائه وزوجته الفاضلة.. فوجدته صابراً محتسباً.

رحل بعد ذلك ليدفن في المغرب التي أوته وحمته وأجارته.. رحمه الله أباً مؤسساً من مؤسسي دولة الإستقلال .. وعلماً من أعلامها.

د. جمعة أحمد عتيقة

ــــــــــــــــ
إقرأ أيضا:

جمعة أحمد عتيقة: عن محمد حمّي أحدثكم
د. جمعة أحمد عتيقة: عن عبد الحميد البكوش أحدثكم


فقيد الوطن المرحوم محمد عثمان الصيد بعدسة عمر الهوني


 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com