http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

د. عبدالبارئ تربل: الوصية الواجبة بين اجتهاد التضييق واجتهاد التوسعة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 122 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الوصية الواجبة بين اجتهاد التضييق واجتهاد التوسعة



 

قراءة في نصوص القانون رقم "12 لسنة 2015م" بإلغاء 
عض أحكام القانون رقم  7 لسنة 1423 م بشأن أحكام الوصايا.

 

عندما سمعت بعضا من الأساتذة المحامين في قاعة المحامين بمحكمة الزاوية الابتدائية يتحدثون على إلغاء الوصية الواجبة لم أصدق أذني لكنني عندما تحصلت على صورة من هذا القانون صدمت لما سمعت واندهشت لما قرأت وفي ظل الاجتهاد المذكور سأحاول قراءة هذا القانون موجها خطابي لمن أصدر هذا القانون الذي نراه ظالما.

 

وبدءا أتساءل لماذا هذا الإلغاء؟ وما سنده؟ وما الضرورة التي دعت إليه إن كانت هناك ضرورة؟ وما المصلحة المبتغاة من إصداره إن كانت هناك مصلحة؟ وما الضير في إبقاء العمل باجتهاد مختَلف عليه لكنه يتماشى ومقاصد الشريعة ويحقق مصلحة للعباد ويبعد الغل والحسد والحقد من القلوب؟ وهل القانون الملغى لا يتماشى ومقاصد الشريعة والقانون الحالي يتماشى معها؟ وإذا كان لا يتماشى فما الدليل القطعي على ذلك وما الدليل الذي لا يقبل النقض على تماشي هذا القانون معها.  قطعا لا يمكن القول بذلك اللهم إلا إذا كانت الرغبة في إفقار أبناء الابن تعتبر ضرورة وأن حرمانهم من الخير والتضييق عليهم وزرع بذور الشر بينهم وبين أمامهم باجتهاد مشكوك في صحته ومخالف لاجتهاد سابق صحيح فيه مصلحة وأنه يتفق ومقاصد الشريعة؟ وعلى أي أساس بنيتم قناعتكم في أن هذا الجد لا يرغب في أن يرثه أبناء ابنه أيضا مع أن السير الطبيعي للأمور يقول بغير ذلك؟ ثم من قال بأن هذا "الجد" ونعني الذي لديه رغبة في التنزيل على الأقل إلا أن القدر باغته على حين غفلة يريد حرمان أبناء ابنه الذي قد يكون هو الابن المدلل لديه بل ربما يكون لهذا الابن الدور الأكبر في بناء تلك الثروة فحرمتم بهذا القانون المبني على الظن فقمتهم نيابة عنه بحرمان أبناء هذا الابن بعد وفاة جدهم دون أن تستشيروه أو تتعرفوا رغبته في توريثهم أو حرمانهم وعلى أي أساس اخترتم الحرمان وهو الأبعد في التصور أخذا من واقع الحياة وعرف البلاد؟.

 

الواقع يقول بأن عدم تنزيله لهم هذا إن أعطته المنية وقتا قد يكون من باب النسيان أو السهو أو الغفلة والانشغال بالدنيا عن فجائية الأجل ومصيبة الموت وذلك لا يعطيكم الحق في استنتاج ما ذهبتم إليه؟ فمن أين إذن تأكدتم من رغبته في حرمانهم؟ ثم ما العمل لو توفي الجد عقب الابن مباشرة أم أن من يتوفى أباه بعده مباشرة مستثنى من حكم هذا القانون؟ وإذا كان ذلك كذلك فهذا بالضرورة يعني وجوب تحديد مدة محددة لفرق الموت بينهما وإلا كان القانون عبثا لا حاجة إليه؟ وهل تعتمدون مدة محددة للموت أم لا؟ وما هي تلك المدة إن وجدت؟ وعلى أي سند حددت؟ أم أن المقصود هو الموت المطلق قبل الأب طال الزمن أم قصر؟ وإذا كان الأمر كذلك فما ذنب من يمت قبل أباه بوقت قصير؟ ثم ما ذا لو مات الاثنين معا في حادث واحد - وما أكثر حوادث الموت في بلادنا -؟ فكيف يتم التصرف وعلى أي أساس أو سند نقول بالحرمان أو بالتوريث والحال أنه لا يعرف من مات أولا ليورث هذا أو يمنع ذاك؟ إن الكليات في القرآن الكريم والسنة المطهرة لا تقول بذلك بل إن عمل الصحابة رضوان الله عليهم ليس فيه ما ذهب إليه القانون وحتى إن كان فيه فذاك خلاف والخلاف من المفترض أن يكون رحمة.

 

ولذلك فإن السؤال المهم بل الأكثر أهمية هنا هو:

 

أليست البنوة والنسب هما أول أسباب الإرث وشرطا للوصول إلى التركة؟ أم أن البقاء على قيد الحياة والموت بعد الوالد هو سبب الإرث وشرط الوصول إلى التركة؟ فإذا كانت البنوة والنسب هما سبب الإرث والوصول إلى التركة فهما متحققتين منذ ولادة الابن وبتحققهما تحقق سبب الوصول إلى التركة؟.

 

أما إذا كان البقاء على قيد الحياة بعد الأب شرطا لاستحقاق الابن للتركة وليست بنوته وصحة نسبه للمتوفى وهو ما لم يقل به أحد على حد علمنا فذلك يحتاج إلى منكم إلى دليل مقنع لتحرموا أبناءه من بعده في أخذ نصيب أبيهم في تركة أبيه؟ فوق أن فيه مخالفة لسنة كونية بدهية ثم ما هي المدة التي تعتبر مانعة من الإرث في تلك الوفاة؟ وإذا كان الأمر كما نذهب فإن أبناء الابن يرثون في جدهم منذ تحقق حملهم نسب أبيهم وهو يرث في تركة أبيه منذ ولادته وحمله النسب إلا إذا نُفي هذا النسب أو حدث مانع من موانع الإرث والقول بغير ذلك بشكل أو بآخر فيه معنى أنكم تعاقبونهم على وفاة أبيهم قبل أبيه وتعتبرونه ارتكبا جرما ليمنعهم من الإرث وتلومونه على هذا السبق الذي لم يختاره وأمِرنا بعدم طلبه.

 

ودليل صحة الاتجاه الذي نؤيد أن سيدنا عمر رضي الله عنه قد استحدث مسألة "العمرية" أو الحجرية أو إن شئتم الحمارية وهي لم تكن موجودة في الكتاب أو السنة المطهرة ولا في عمل الصحابة من قبله أليست "الحجرية" اجتهادا من قِبَل " إخوة لأم " في تلك الحادثة رأوا فيها حقهم في زوج أمهم قبِله الفاروق رضي الله عنه وعمل به والأمة الإسلامية من بعده؟ ثم وهذا الأكثر أهمية هل تقبل الشريعة الغراء وهي التي تأمر بالعدل والإحسان وتحض عليهما أن يعاقب أبناء الابن الذي قال فيه "عمر" رضي الله عنهم "أبناء أبنائنا هم أبنائنا وأبناء أبنائنا أبنائنا وأبناء بناتنا هم أبناء أصلاب الرجال"؟ وكيف تقبلون أن نفقر أبناءنا لمجرد وفاة أبيهم في حياة أبيه أم أن موت الابن قبل أبيه معصية ارتكبها ذلك الابن فمنعت خلفه من الإرث وأوجبت حرمانهم من حقه في التركة حتى لو كان بارا ومطيعا لوالديه؟ وهل من العدل أن نٌثري أخيه وأبناءه الذين لم يتوفى أباهم حال حياة أبيه من تركة ذات الأصل وقد يكون والد هؤلاء غير بار بأبيه ليعيشوا في بحبوحة ورغد عيش وأباهم عاق لوالده ونعطيهم مبالغ قد تصل إلى الملايين إن لم تزد ونفقر أبناء شقيقه وندعهم فقراء يتكففون الناس رغم "برُّ" أباهم بوالديه لمجرد أن الله سبحانه وتعالى قد اختار والدهم  قبل أبيه؟ أليس هذا في القياس عجيب؟ ألا ترون أن فيما ذهبتم إليه - ولا نريد أن نذهب بعيدا - من الأخذ دون مبرر باجتهاد التضييق نوعا من العقاب لهؤلاء الأبناء المساكين الذين نقول بأنهم في مرتبة أبنائنا على "مصيبة" لم يتسببوا فيها وذنب لم يرتكبوه؟ ألم يضعهم هذا القانون وكأنهم مسئولين عن وفاة والدهم قبل أبيه التي قد تكون بيوم أو حتى بساعات "فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"[1]؟ ألم يكن الأخذ باجتهاد التوسعة أولى وأفضل وأقرب لمعاني الإسلام وروحه؟ أليس العقل والمنطق يقولان بل ويؤكدان على صحة اجتهاد الوصية الواجبة لأنه إذا كانت البنوة والنسب هما سببا للإرث فهذا يعنى استحقاق أبناء الابن لنصيب أباهم في تركة جدهم دون حاجة من تنزيل ونحوه أما إن كان هذين السببين لا يكفيان أو أن تلك الوفاة سببا للحرمان رغم أن هذا يعني أن هذا الفريق يجعل من بقاء الابن على قيد الحياة بعد الأب شرطا لاستحقاق التركة كما قلنا وهو ما لم يقل به أحد بل ويخالف الدين الإسلامي برمته فتلك مسألة أخرى تحتاج إلى دليل؟ ثم لماذا الأخذ برأي "عمر" رضي الله عنه في موضع وتركه في موضع آخر. أليس "عمر" هو من ورَّث الإخوة لأم في العمرية ولم يكونوا من الورثة في عهد الحبيب عليه السلام ولا عهد "الصديق أبو بكر"؟ أم أن الإخوة لأم وهم في معنى "أصلاب الرجال" أولى من أبناء الابن وهم من "الصلب" كما قضى سيدنا عند "عمر"؟ "مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"[2] ثم أليس "عمر" هذا الذي لم يأخذ برأيه في هذا القانون هو ذاته "عمر" الذي وضع قاعدة "تنزيل أبناء الأبناء بمنزلة أبائهم وإن نزلوا"؟ ألا يتعارض ما ذهبتم إليه مع ما ذهب إليه "الفاروق رضي الله عنه"؟ والسؤال الذي تتعين إجابته إذا كانت هذه القاعدة صحيحة وعلى أساسها أُعطوا النسب وما ترتب عليه من حقوق فما هو سند الابتعاد عن رأي "الفاروق"؟ ثم أليس أبناء الابن أحق بتركة جدهم في نصيب أباهم لو مات بعد أبيه أولى من الإرث بالتعصيب لمن لا يتحقق فيهم شرط البنوة أو حتى النسب؟ أليس التعصيب وهو توريث الأقارب وذوي الأرحام هو نتاج اجتهاد في حينه من فقهاء الأمة في حينه؟ أم تُرى أن الأقارب من الرحم أولى من الصلب في الوصول إلى التركة؟ ألا ترون أن اجتهادكم هذا كان اجتهادا إلى الخلف ونكوصا على الأعقاب؟ إن أبسط البديهيات في العدالة الإنسانية ناهيك بها العدالة الإسلامية وكليات تطبيقها تقول بأن هؤلاء يجب أن يرثوا حتى لو تعمد جدهم حرمانهم فهم أولى من الأقارب بالرحم وذوي القربى ناهيك به لم يفعل ذلك ربما غفلة عن الموت الذي يأت بغتة وأن علينا أن نرحب بهذا الاجتهاد وأن نقدره ونأخذ به لا أن نحرِّمه لنجعل وفاة أبيهم في حياة جدهم لعنة عليهم وأنها كما لو كانت برغبة أو طلب منه أو كما لو أنه ارتكب جرما يرقى لمرتبة "الرق أو القتل أو اختلاف الدين"؟ ثم أليس من الممكن أنكم بحرمانكم لهم من هذا النصيب قد تدفعونهم للكره والحقد والبغض على عمهم وأبنائه وهم يرونهم يرفلون في نصيب أباهم وما قد يترتب على ذلك من تداعيات قد لا يحمد عقباها؟ ألم تفكروا في أن ذلك قد يدفعهم للضياع والانحراف عن الجادة؟ ألم يكن للتداعيات الاجتماعية والنفسية السيئة الناتجة عما ذهبتم إليه وما قد يترتب عليها تجاه الأسرة والقبيلة والمجتمع لديكم اعتبارا؟ ألم يدر بخلدكم أن هذا الاتجاه قد يحرمهم وهم أهل لكل خير ويثري عمهم وأبناءه بمجرد اجتهاد هو على الأصح اجتهادا خاطئا وقد لا يكونون أهلا لذلك ألا تعلمون أن هناك بعض الأثرياء المسلمين تصل ثرواتهم إلى مليارات الدولارات وليس الدينارات؟ 

 

والسؤال الذي يبرز وبقوة هنا ترى لو أن واحدا من هؤلاء له ولدان مات أحدهما في حياة أبيه فهل من العدل أن نحرم أبناءه من ثروة هي أكثر من ميزانيات نصف الدول الأفريقية مجتمعة؟ أغاب عنكم ذلك أم لم يغب؟ وإن كان قد غاب وهو الأرجح عندنا ألا ترون أن عدم التنزيل قد يكون بسبب غياب الفكرة أو حتى عدم العلم بمسألة التنزيل من أساسها لدى هذا الأب - وهذا مسئوليته على دار الإفتاء - هو سبب كاف للإبقاء على الوصية الواجبة.

 

إنني هنا أدع كل من كان سببا في إصدار هذا القانون الظالم لمراجعة هذا القانون في ضوء كليات العدالة في الإسلام وفي ضوء الافتراضات التي نقول بها واعتبارها دعوة لمراجعة القانون وإلغاء التعديل. أما إذا كنتم فعلا تريدون مراجعة القوانين وإلغاء ما يخالف الشريعة منها فهناك من التشريعات ما توجب الوظيفة قبل العدالة سرعة إلغائه أو تعديله على الأقل: من ذلك على سبيل المثال لا الحصر التعاقد بطريق التكليف المباشر الذي نهبت وتنهب بواسطته على رؤوس الأشهاد أموال الشعب الليبي الذي اؤتمنتم على مصالحه. كذلك قانون المرتبات لتضييق الهوة بين المواطنين التي صنعت أمامكم دون أن تقولوا فيها رأيا ففي تعديل أو إلغاء مثل تلك القوانين فعلا هناك مصلحة بل وضرورة ملحة وعاجلة أما أن نحرم من الإرث من هم من أصلابنا وهم أولى من ذوي الأرحام ومن العصبة مخالفين اجتهادا هو أولى بالإتباع وأكثر تماشيا مع مقاصد الشريعة فلا نعتقد أن مصلحة حتى مستقبلية فيه ناهيك بها آنية أو أن هناك فعلا ضرورة قد دعت إليه.

 

قبل الختام 

 

أ) أتساءل عن سر الاتجاه لاجتهاد التضييق عن العباد والابتعاد عن اجتهادا التوسعة في ظل دين يفرض على أتباعه "الزكاة" ويعاقبهم على الامتناع على إخراجها ويدعوهم لفعل الخيرات ويدعو للتكافل الاجتماعي.

 

ب) ثم ما هو الموقف في المسألة بين الحلة والحرمة؟ وبمعنى أكثر وضوحا إذا كانت الوصية الواجبة حلالا فلماذا يحرم المواطن من نيل أجرها وإذا كانت حراما فلماذا ترك يحمل وزرها كل تلك السنين والحال أنه بالإمكان تبيين الموقف وتوضيحه منذ صدر ذلك القانون.

 

ج) إذا كانت القاعدة أن الاجتهاد مباح ما لم يحرم حلالا أو يحلل حراما فما هو مبرر السكوت على العمل بقانون الوصية الواجبة في ضل مرور كل تلك المساحة الزمنية بين قانون الحلة وقانون التحريم وما هو سر السكوت كل هذه المدة علما بأن القانون قد صدر سنة 1994م أما إذا كانت حراما فإن القول بالتحريم في ضل العمل بهذا الوصية في معظم الدول الإسلامية هو أمر يحتاج لدليل مقنع.

 

د) وإذا كان الحبيب المصطفى ما خُيِّر بين أمرين إلا واختار أيسرهما رفقا بالأمة وتسهيلا عليها فلماذا اللجوء لاجتهاد الشدة ألم يكن بين أيديكم اجتهاد توسعة مؤيد من أغلب الفقهاء ومعمول به في معظم البلاد الإسلامية يوجب الوصية وآخر يتبعه قلة من الفقهاء والبلدان يمنعها. والسؤال هنا هو: لماذا اعتمدتم اجتهاد التضييق وابتعدتم على اجتهاد التوسعة رغم أن الأخذ بالأيسر من الأمور هو سنة من سنن الحبيب المصطفى عليه السلام كما ورد عن السيدة "عائشة" رضي الله عنها والحال أن المسألة تتعلق بشرع الله وحسن تنفيذ أحكامه.

 

هـ) ثم إذا كانت الوصية الواجبة حراما لا يجوز فرضها على المسلم لفرعه الذي قد يكون له الفضل في تلك الثروة فكيف يكون حكم ما نفِّذ من الوصايا لأنه ببساطة تامة بناء على هذا القانون يمكن ببساطة أن تلغي كل تلك الوصايا لعدم دستوريتها وقبل ذلك لمخالفتها لأحكام الشريعة الغراء.

 

و) افتراض لا بد طرحة طلبا للفائدة وروما للعدالة وتتعين الإجابة عليه: لو فرضنا - وهذا يحدث كثيرا - أن شخصا ما ورث عن أحد ابنيه كل تركته ثم مات هذا الأب بعد يوم أو يومين وخلف ابنا وأبناء ذلك الابن فهل يقبل عقلا ومنطقا وقبلهما شريعة أن نحرم أبناء ذلك الابن من مال هو في الأصل مال أبيهم لمجرد وفاته في حياة أبيه؟ هل يكفى هذا السبب شرعا للمنع؟ سؤال برسم كل أولئك الذين يرون عدم التوريث؟ نعتقد جازمين بأن المسألة قد بحثت في غير الانتباه لهذه الافتراضات.

 

س) لقد كان المأمول أن تصلحوا الخطأ الذي وقع فيه المشرع الليبي بقصر التوريث على الذكور دون الإناث لا أن تمنعوا حتى الذكور؟  

 

آخر القول

 

إننا ندعوكم بهذه الكلمات للتأمل والتحقق والتفكر في الأمور التالية:

 

1/ لو سلمنا جدلا بما ذهبتم إليه ونحن بالطبع لا نسلم بذلك فإن دار الإفتاء لم تقم بواجبها في توعية الناس بالتنزيل قبل صدور هذا القانون وهذا يعني أنه كان يتوجب عليكم على الأقل إعطاء الفرصة لمن يرد التنزيل بأن يقوم بالتنزيل وإلا فإن ما قمتم به يأتي في إطار التقصير في القيام بواجبات الوظيفة والحنث بقسم الوظيفة وهذا ترفضه الشريعة الإسلامية.

 

2/ الواقع يشهد بأن هناك من أبناء الأخ من دفع بأبناء أخيه إلى الفقر والعوز لا لشيء إلا لأنه شاركهم نصيب جدهم أو جدتهم في تركة أبيهم الذي حرمهم هذا القانون من نصيبه في ثروته.

 

3/ هل يقبل الإسلام فعلا أن يحرم الأبناء الذين كان لوالدهم الدور الأكبر في بناء تلك الثروة وتضخيمها أن يحرموا باسمه من عرق أبيهم لمجرد وفاته بدقائق قبل أبيه وأصول تركته لا زالت باسمه وتوقيعه في المصارف لا زال معتمدا بل وإعلام وراثته لم يستخرج بعد ومعاملته كما لو كان قد ارتكب معصية حرمت أبناءه من نصيبه في تركت أبيه؟. هل يقبل الإسلام ذلك فعلا باجتهاد لا تراه أغلبية الأمة صحيحا أيعقل أن يكون ذلك كذلك في ضل ما ذكرنا من حجم الثروات اليوم أم لا زلنا نرى الثروات دراهم معدودة وثمن بخس؟ ثم ألا ترون أن هذا القانون يمكن أن يكون سببا في قتل الأعمام أو ورثتهم؟ ألا نعامل ذلك الذي وافته "مصيبة الموت" قبل أبيه رغم أنه كان مصدر ثروة أبيه فنجعل لأبنائه حقا في تلك التركة من بعده كما لو كان أباهم شريكا فيها أو حتى مجرد عامل فتعطيهم أجره على الأقل؟.

 

4/ هل تعتقدون فعلا أن الإسلام يرضى بذلك وأن ما قمتم به يحقق مقاصد الشريعة؟ ألا ترون أنكم بهذا إنما تدفعون في اتجاه "اجتهاد التضييق" وأنكم عن قصد أو عن غير قصد تعاضدون الفكر المتشدد وتشجعونه.

 

5/ إذا كانت القاعدة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وأن المؤمن أولى بالحكمة أنى وجدها أخذها فلماذا نأخذ باجتهاد كان في زمانه لزمانه وفي ظروف غير الظروف ومعطيات غير المعطيات ولا نأخذ باجتهاد فيه مصلحة ظاهرة بل ولما ذا لا نجتهد في زماننا لزماننا خاصة في ظل هذا التطور الرهيب للعلم والآلة والتضخم في الثروات وتنوع مصادرها ألا يعتبر اجترارنا للفتاوى التاريخية دون تطابق أو حتى تقارب وقائعها مع واقع الحال فيه تجميد للإسلام وقيد على صلاحيته لكل زمان ومكان؟ ثم لماذا لا نفهم هذه القاعدة على أنها طلب للاجتهاد في ظل ظروف الزمان والمكان وأن قيده الوحيد أن يكون في إطار الشريعة السمحاء بدلا من قلب هذه القاعدة وتصويرها كما لو كانت قيدا على فهم الإسلام وحجرا على العقول المعاصرة ونكتفي فقط باجترار الأحكام التاريخية حتى مع تغير الظروف والأوضاع والأزمنة دون أن نعمل عقولنا في وقتنا لوقتنا ونجد لقولنا هذا سندا فيما ورد عن ابن تيمية من قوله "إن الرسالة ضرورة لإصلاح أمر العباد وهديهم لما فيه نفعهم وخيرهم فإذا توقفت الرسالة خربت المعمورة وحتى تستمر الرسالة يلزم استمرار العمل لاستنباط الحلول وملاءمتها مع الأوضاع السائدة"[2] وفيما نقل أيضا عن"ابن عابدين" في رسالته "نشر العرف" حيث جاء فيها قوله "كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو لفساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمانه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قاموا به من قواعد مذهبه"[4] وهو عين ما نقول به ثم أيعقل أن يعمل بكل هذا الخير اليهود والنصارى ولا نعمل بها ونحن أتباع الرحمة المهداة.

 

6/ ثم لو فرضنا أن رجلا مات وترك ثروة هائلة من الأموال وخلف ابنا وأبناء ابن وكان هؤلاء الأبناء على علم ومعرفة بدور وجهد أبيهم في تلك الثروة أتراهم سيسكتون على حرمانهم من جهد أبيهم وربما هم أيضا بشكل أو بآخر قد شاركوا فيه؟ وهل من الدين حرمانهم وتركهم يتكففون الناس وبجهد أباهم وعرقه وكده وجهدهم أيضا جاءت تلك الملايين؟ أيعقل ونحن في القرن الحادي والعشرين أننا لا زلنا نرى التجارة قافلة من الإبل تحتاج الأشهر للتنقل والثروة دراهم معدودة أو عددا من رؤوس الإبل والعالم اليوم يبع ويشتري على شبكة المعلومات بالملايين؟ ألا زال تفكيرنا فعلا بهذه البساطة وهذه المحدودية؟.

 

7/  هل يقبل عاقل أو ذو منطق سليم أن تكون الآيات القرآنية الكريمة أو الأحاديث الشريفة أو عمل الصحابة حجر عثرة أمام نشر الخير والمحبة والأخوَّةِ بين كافة الناس ناهيك به بين أفراد الأسرة المسلمة مع كل تلك الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تحض على نشر المحبة بين أفرادها؟ ألم يحجب الحبيب المصطفى صفة الإيمان عن من ينام وجاره جائع؟ إن هذا القانون والأساس الذي استند عليه أيها السادة الأفاضل هو عين القول بذلك.

 

8/ ثم وهذا من الأهمية بمكان كيف يكون لأُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ نصيب في التركة لمجرد حضورهم القسمة[5] ولا يكون لأبناء الابن نصيب وهم أصل ووالدهم صاحب فرض؟.

 

9/ لماذا لا نفهم النص الكريم والحال أنه لم ينص أن الموت سببا للحرمان على أنهم يستحقون نصيب أباهم الذي استحقه هو بنسبه لأبيه فهذا أكثر تماشيا مع الدين خاصة وأن الموت تقطع الحياة لكنها لا تقطع النسب ومن ثم يكون بقاء الأصل على الأصل من باب أولى دون حاجة لتفضل من غرس أو تنزيل أو وصية واجبة.

 

10/ أيعقل أن يكون الإخوة لأم وكل ما يربطهم بالمتوفى أنه كان زوجا لأمهم يوما وهي التي لو لم تنجب مع المتوفي لما كانت هذه الأخوة من أساسها فيكونوا وهم الغرباء عن النسب أكثر حضا من أبناء الابن وهم من الأساس؟ أليس هذا القانون ومثله تنفيرا من الدين ونحن مأمورين بالتبشير للدين والترغيب فيه.

 

11/ أما إذا كان ما قلناه من افتراضات لا يكفي لتعودوا عما ارتكبتم من خطأ فإنني أطرح عليك الافتراض التالي: رجل يقيم هو وابنيه وأسرتيهما في مسكنه الوحيد ومات أحد ولديه مخلفا زوجة وعددا من البنات دون الذكور ثم توفى هذا الرجل فهل نبقي بناته في بيت جدهم أقله في الجزء الذي كانوا يسكنون فيه من البيت أم نلقي بهذه الأرملة وبناتها إلى الشارع أنمسكهم على هون أم ندسهم في التراب؟ قد تكون الإجابة على هذا السؤال تكفي لمن أراد أن يعتبر أو أراد دليلا على ما نقول به.

 

ختامــا

 

أيها السادة الأفاضل اتقوا الله فيمن سيتضرر بهذا القانون وما أكثرهم وأعيدوا قراءة المسألة من جديد في ضوء ما ذكرنا من اعتبارات وافتراضات أصلحنا الله وإياكم واعدلوا عن هذا القانون فذلك أقرب للتقوى وأفوض أمر كل من حُرِم ومن قد سيحرَم نتيجة لتطبيق هذا القانون إلى الله سبحانه وتعالى فهو نعم المولى ونعم النصير"اللهم قد بلغت اللهم فاشهد".

 

المحامي/ د. عبدالبارئ عبدالله تربل

21/01/2016م

 

[1] يونس، 35 يونس، 35.

[2] القلم، 35.

[3] لوامع الأنوار البهية، محمد بن أحمد السفاريني، ج 2.

[4] مجموعة رسائل ابن عابدين، 2 / 125.

[5] النساء، 8.

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com