http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

د. أحمد ابراهيم الفقيه: ما حدث لنابغة الرسم الساخر المرحوم محمد الزواوي

ليبيا المستقبل 0 تعليق 59 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ما حدث لنابغة الرسم الساخر المرحوم محمد الزواوي
 



 


كان ذلك في مطلع الثمانينيات، لعله عام 1982، وكنت في طرابلس، عائدا منها لاستكمال دراسة عليا في بريطانيا، وبسبب اعتزامنا تنظيم عدد من الفعاليات الثقافية في لندن، اتفقت مع الصديق العزيز الراحل الاستاذ محمد الزواوي، تقديم معرض برسومه الساخرة ضمن الايام الليبية في ذلك المهرجان، وتم تحديد المواعيد بناء على ارتباطاته هو، لانه كان في ذلك الوقت منهمكا في الاعداد لمعرض يقام له في عاصمة تونس، وفي افخر فنادقها فندق الهيلتون، واتفقنا انه فور انتهاء المعرض في تونس ياخذ لوحاته ويوافيني بها في لندن، وقمنا بترتيب الفعاليات الخاصة بنا على هذا الموعد، وكان يشرف معي على هذه الفعالية الرسام الليبي العالمي الذي اقام في لندن وحقق اعترافا من المجتمع الفني بمكانته السامقة، الاستاذ على عمر ارميص، الذي  كان له معرض يتجاور مع معرض الفنان الزواوي، وكان قد تم افتتاح معرض الرسوم الساخرة للفنان الزواوي في تونس، وقبل موعد مجيئه كما حددناه، باشرت الاتصال به لاعرف موعد الوصول، لنكون في استقباله، وكنت اتصل بفندق الهيلتون حيث يقيم وحيث يقام المعرض الخاص به، فلا اجده هناك، ولم يكن هناك مجال غير الاتصال بالسفارة الليبية في تونس، لافادتي بكيف احصل عليه، فلم استطع ان اتلقى غير ردود غامضة، مثل سوف نتصل به، او سوف نعاود الاتصال بكم، وياخذون رقم هاتفي دون ان ياتي اي اتصال، او اعرف عن طريقهم اية معلومة، وكنا فعلا قد حددنا المواعيد وحجزنا صالة العرض، ولم يعد هناك اي مجال للتراجع، وعرفت ان هناك مشكلة في وصول الفنان الزواوي في موعده الى لندن، دون ان اعرف طبيعة المشكلة التي تعيقه عن هذا الحضور، فتلمست الحل في الكتب التي كان قد اصدرها الفنان الزواوي مثل الوجه الاخر ونواقيس، وعهدت بالكتابين الى فني اطارات صنع منها لوحات قابلة للعرض، وقدمنا معرض الزواوي بدون وجوده، وبدون اعتماد على الاصول، وانما على النسخ المنشورة في كتابيه.

تكشفت فيما بعد الاحداث الغريبة، التي حصلت لهذا الفنان اثناء وجوده في العاصمة التونسية، فقد حصل اعتقاله من قبل السلطات التونسية، وسط ضجيج الاحتفال بمعرضه وموهبته، والاشادة التي لقاها المعرض في الصحافة والاعلام المرئي والمسموع،  وقضى في السجن مدة لم اعد اذكرها ولعلها وصلت الى قرابة العامين.

وكان اعتقال فنان في نبوغ وسماحة وتهذيب المرحوم محمد الزواوي، امرا في غاية الغرابة، خاصة ان الاعتقال يحدث في عهد رئيس وزراء اديب وكاتب ورئيس سابق لاتحاد الادباء التونسيين الاستاذ محمد مزالي، فهو ما مازاد الامر غرابة، دون ان نسمع او نقرأ تفسيرا لهذا الموضوع، وعدت الى ليبيا واتفقت مع زملاء في رابطة الادباء، وكنت قد توليت امانتها، على القيام بمسيرة الى السفارة التونسية، وكتبنا مذكرة تلوناها امام السفارة، وقدمناها الى السفير، موجهة الى رئيس مجلس الوزراء السيد محمد مزالي، وتلقيت مباشرة بعد المسيرة، استدعاء لمقابلة المرحوم الرائد الخويلدي الحميدي، وكانت تربطني به  علاقة طيبة، يلومني لانني لم استشره في هذه المسيرة، ولم اجد داعيا كما قلت له لاخذ اذن بها، لانها تاتي في اطار الجهود المبذولة لاطلاق سراح الفنان الكبير، فقال انه يقوم بجهود مع السلطات التونسية، للافراج عنه، ولم يكن يريد تشويشا على المساعي التي يقوم بها، متأملا ان تاتي بنتائج قريبة طيبة، ولم افهم منه في ذلك اللقاء عن السبب في هذا الاعتقال، لان الامر كان يمثل عارا وشنارا وسبة في وجه النظام واساليبه الخسيسة في التعامل مع البشر والاقطار على السواء.

وامضى الفنان المدة التي امضاها، والتي ارجو لاحد افراد اسرته ان يذكرنا بها، وخرج وقد طرات عليه تحولات  مؤسفة، لانه خرج هزيلا، شاحب الوجه، فقد كثيرا من وزنه ونضارة وجهه، واقول صادقا ان نظرته للحياة نفسها حصل لها تحول مؤسف هي الاخرى،  باتجاه السوداوية والتشاؤم والنظرة المتوجسة المتشككة للحياة وللمستقبل، وهو الرجل الذي كان يتميز بفطرة الانسان البسيط المؤمن الصادق الشفاف الجميل، المتفائل، المحب للحياة، والمحب للبشر، والذي يثق في الناس جميعا  ويستقبل الحياة بفرح وبشاشة وتفاؤل.

امتنع بعد هذه الحادثة عن المشاركة في اي معرض بالخارج، او تلبية اية دعوة للسفر، وهو الذي كان يلبي دعوات من مشارق الارض ومغاربها لاقامة المعارض، وتلقي اكاليل النجاح وحفلات التكريم، فصار ينفر من كل هذا، متوجسا من اي رحلة الى الخارج، منكفئا على نفسه، مقيما في بيته يلازمه لا يكاد يخرج منه، لايتحرك الا بداخله باتجاه مرسمه يؤدي الواجبات المطلوبة منه للصحافة الوطنية.

وساروي هنا قصة ما حصل له كما سمعتها منه شخصيا، وليس نقلا عن مصدر آخر.

فقال انه كان سعيدا باقبال الناس على المعرض، والمحبة التي يحيطه بها التونسيون، من اهل المجال الفني والادبي، الى ان كان في يوم يجلس في السفارة الليبية في تونس، في مكتب السفير، ومعهما عنصر قيادي في المخابرات، واخبراه بان هناك شنطة يد سامسونايت، تخص صديق لهما، تأخر في الحضور، ولاهمية الشنطة وحاجة الصديق اليها، فانهما يرجوانه ان يتفضل باخذها معه الى الفندق، لكي يستطيع اذا جاء ان ياخذها منه هناك، لان السفارة ستكون قد اقفلت ولن يجد احدا يستلمها منه،  ولم ير الفنان  غضاضة في ان يفعل ما يريدانه منه، الا انهما لم يقدما له الحقيبة، وانما مبالغة في اكرامه وتوفير اي تعب عليه، قاما باستدعاء السائق، وامراه ان يضعها في السيارة التي ستقل الفنان الى الفندق، وعندما اوصلته السيارة الى هناك، استلم الشنطة واتجه بها الى غرفته، واثناء نقلها الى الغرفة لاحظ الثقل غير الطبيعي للحقيبة، فاثار ذلك شكوكه، لماهية المادة التي تحتويها مثل هذه الشنطة، وبدلا من ان يفتح الغرفة ليضعها هناك، راى ان يعيد الشنطة الى اهلها في السفارة، ويعتذر عن القيام بهذه المهمة، وفعلا اخذ المصعد عائدا الى الطابق الارضي، واتجه الى اول سيارة اجرة وجدها في باب الفندق، واعاد الشنطة الى السفارة، وفوجيء به القيادي الامني الليبي  يعيد الشنطة، فاستشاط غضبا وثورة، كما قال لي الفنان الزواوي، الى حد استغرب معه سر هذه الثورة التي نسى فيها الرجل نفسه، ونسى الرجل الذي يخاطبه، وتفوه بعبارات اغضبت الفنان الذي لم يشأ ان يدخل في مشادة معه، وكل ما فعله ان تركه في حمى الغضب والفوران، وخرج مسرعا من السفارة، وعاد في سيارة اجرة الى الفندق، وجلس لحظة وصوله منهارا فوق اول مقعد صادفه في البهو، واخرج علبة سجائره واشعل سيجارة، يريد ان يهديء بها اعصابه التي اثارها هذا الموقف التعيس.

وانتبه وهو في هذه الحالة الى رجل تونسي، لا يعرفه، يقترب منه في خفوت، وينحني امامه هامسا، يرجو الفنان الكبير ان ياتي معه لحظة الى الباب، وبقى الفنان لحظة  صامتا ينظر في حيرة الى هذا الرجل ويلتفت متطلعا نحو الباب، وارضاء للفضول الذي انتابه، نهض وتبع الرجل الذي اتجه الى باب الفندق، ووقف امام الباب يريد ان يعرف اذا كان هناك احد يريد ان يراه، فلم يجد الا سيارة وقفت امامه مباشرة، وفتح بابها، واحس باكثر من يد تدفعه للدخول اليها عنوة، وجلس في الكرسي الخلفي محاصرا باثنين احدهما على يساره والثاني على شماله، فعرف انها مسألة اعتقال تمت بطريقة اشبه بالخطف، وازداد يقينا عندما وجدهما يضعان عصابة سوداء ويحكمان ربطها حول عينيه، وبعد نصف ساعة او اكثر وقفت به السيارة تحت بناية، وصعد سلما، ودخل مكانا حيث رفعت عن عينيه العصابة فاذا به في مكتب فخم، وصاحب المكتب يقف يمد له يده ويرحب به، وفوقه صورة الرئيس ابورقيبة،  فهو في مكتب رسمي، ورجل له موقع قيادي في الدولة، خمن انه قيادي امني، رغم انه يرتدي ملابس مدنية، وساله ان يتفضل بالجلوس، واستفسر منه عما يشربه، فطلب لنفسه قهوة يزيل بها رهبة الموقف، وعرض عليه علبة السجاير فاخذ منها سيجارة، واحس الفنان بشيء من الطمأنينة، بسبب هذا الاستقبال المهذب، الذي كان يتناقض مع طريقة خطفه واحضاره عنوة الى هذا المكان.

ودخل الموظف الامني مباشرة في الموضوع، قائلا للفنان الزواوي، انه استلم حقيبة من السفارة الليبية، وانه احضرها في سيارة السفارة الى الفندق، وصعد بها الى غرفته، ثم   اختفت، فاين اختفت ولمن قام بتسليم هذه الحقيبة؟

وادرك الفنان ان هناك حلقة مفقودة لدى الرجل، هي عودته بالحقيبة الى السفارة، فقد ظن الامن انه اخذها الى غرفته، دون رصده وهو يعيدها في سيارة اجرة الى السفارة.

وبدلا من ان يرضى فضول القيادي الامني بالرد على سؤاله، ويخبره بحقيقة ما حصل، وانتهاء علاقته بالشنطة، ظن ان الانكار اكثر مدعاة للنجاة، وهنا كما يقول الفنان، ارتكب الغلطة التي ندم عليها فيما بعد، لانها هي سبب المأساة التي حصلت له، وهي انه بدلا من اخباره بالحقيقة، رد مستنكرا ومستفسرا من الرجل الامني عن اية شنطة يتكلم، لانه لا يعرف بامر هذه الشنطة، ولم يستلمها، ولم يعرف عنها شيئا.

ولم تنفع توسلات الضابط القيادي معه، ان يقول الحقيقة، وانهم يعرفون معرفة يقينية بوجود الحقيبة، وانها سلمت اليه، وانها تحمل متفجرات،  لا يعلم الا الله اين ستنفجر، ومن سيكون ضحية هذه المتفجرات، وهو فنان وانسان مرهف حساس، لا يرضى بان يذهب ضحايا ابرياء لعمل ارهابي جنوني، اراد بعض الاشرار توريطه فيه، وعليه بسرعة ان يخبرهم بحقيقة الموقف، وبالرجل الذي وصلت اليه الشنطة، لانه كرجل امن في  سباق مع الزمن، يريد انقاذ الارواح، ودرء الكارثة، والحيلولة دون حصول المأساة، وسفك الدماء البرئية، والوصول الى الحقيبة، قبل ان تنفجر في سوق، وفي حافلة، او في مكتب حكومي، واعتبر المرحوم الزواوي انه كلام يريد به الرجل استدراجه الى قول الحقيقة فواصل نكرانه، وراى الرجل، كما قال لي، يخرج من مكتبه، ويقف امامه، ووقف وهو لا يزال يحمل فنجان القهوة، ولتعذرني روحه الطاهرة وانا ابوح بما قاله لي، لان الرجل الامني تحول من التهذيب والمجاملة، الى العنف والشراسة، وحصل ما جعل فنجان القهوة يطير من يد الفنان الزواوي في الهواء، والسيجارة تقفز الى السقف، وهو يسقط فوق الارض، فيصرخ رجل الامن  في اعوانه ليدخل اولئك الجلاوزة، ياخذونه يواصلون معه رحلة التحقيق والتعذيب التي استمرت عدة اشهر.

واتضح فيما بعد، مما نشر وتم التصريح به، وقاله رئيس الوزراء محمد مزالي في وقت لاحق، ان القيادة الليبية كانت تريد استهداف اجتماع للجامعة العربي، وتفجير هذا الاجتماع بقنبلة، التي بدا واضحا انها لم تصل الى صاحبها المكلف بالتفجير، في الوقت المناسب، ولعله تم ارجاء العملية، وعندما حان موعد القيام بها كان الامن التونسي اكثر يقظة وحال دون ذلك، لان هناك  اكثر من مناسبة تم فيها الاعلان عن ضبط ارهابي مبعوث من ليبيا للقيام بعملية ارهابية تم الحيلولة دون ارتكابها.

المهم هو هذا الاستخدام الاجرامي القبيح لفنان من عباقرة فناني البلاد، كان يجب ان يحاط بالاحترام والتقدير والتبجيل، لا ان يتم وضعه في مثل هذا الموقف الخسيس الحقير. وفي حين كان العالم يراه رمزا من رموز الابداع والحضارة، لم ير فيه نظام الشر والاجرام الا وسيلة يستطيع استخدامها غطاء لما يريد ارتكابه من شر وارهاب. رحم الله عبقري الرسم الساخر والصديق الاعز الفنان محمد الزوي، واكرم مثواه.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاريكاتير محمد الزواوي: الوجه الأخر 
* كاريكاتير محمد الزواوي: أنتــــــــم !!

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com