http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

د. فتحي الفاضلي: كلمتي في الإرهاب

ليبيا المستقبل 0 تعليق 49 ارسل لصديق نسخة للطباعة

من الواضح أن العالم يعج بالجماعات والمنظمات والتنظيمات الإرهابية المتطرفة المتشددة، بمختلف انتماءاتها وتوجهاتها وأهدافها، بما فيها - بالطبع - بعض التنظيمات الإسلامية، ولكن مصطلح الإرهاب لا يُطلق - وللأسف - إلا على الجماعات الإسلامية التي تحمل السلاح وتتبنى في الوقت نفسه، طرحاً أو  فكراُ أو مشروعاً سياسياً، الأمر الذي دفع قطاعاً عريضاً من المسلمين إلى الإيمان بأن الإسلام هو المستهدف وليس الإرهاب.



ومما زاد المشهد سحباُ قاتمة من الشك، حول سر إصرار المجتمع الدولي على حصر مصطلح الإرهاب على الجماعات الإسلامية، هو أن المجتمع الدولي نفسه، يدرك براءة الإسلام من الإرهاب، ويدرك أيضاً براءته مما قد يترتب على هذه الصفة الممقوتة من ممارسات دموية.  

ليس ذلك فحسب، بل مما يزيد الطين طيناً، أن مصطلح "المجتمع الدولي" نفسه، هو مصطلح غامض مطاطي مائع، لا يشمل دول العالم، بل يشمل بعض الدول القوية سياسياُ واقتصاديا وعسكرياً، وربما انحصر هذا المفهوم (مفهوم المجتمع الدولي) في الدول التي تمتلك حق الفيتو، أو الدول التي تُسمى بالكبرى، أو العظمى، بالإضافة إلى من يدور في فلكها من حلفاء.

عشرات الدول - إذاُ - لا  يشملها مصطلح "المجتمع الدولي" عمليا، لكنها تقع ضمن هذا المصطلح نظرياُ، مما يؤكد أن مصطلح أو ظاهرة أو مفهوم الإرهاب، هو أمر مسيّس وموظف ومبرمج يخدم أغراض الدول المذكورة.

وهنا يكمن السر في غياب تعريف واحد موحد شامل، بالرغم من سهولة التوصل إلى مثل هذا التعريف، فبعض الدول التي أشرنا إليها، لا تريد أن تحدد مفهوما أو تعريفا أو معيارا معيناُ للإرهاب، حتى لا يمس "التعريف الغائب"، أنظمة وتنظيمات وجماعات وعصابات وأفرادا آخرين، وحتى تتمكن- هذه الدول - من إسقاط هذه التهمة على من تريد، متى ما تريد، بل حتى تستطيع هذه الدول أو القوى أن توظف أو تضغط أو تلوح بمشجب وعصاة وحجة الإرهاب، تبعاً لمصالحها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية.

وتؤكد جميع المؤشرات، على أن مصطلح الإرهاب، قد وُجد ليبقى لعقود، وأنه قد حل محل مصطلحات ومشاجب وحجج عديدة، أكل عليها الدهر وشرب، فبادت، ولم تعد تفي بالغرض، مصطلحات مثل الصهيونية والصليبية والاستعمار وإسرائيل والغرب، وغيرها من المصطلحات التي صدعت بها الأنظمة العربية رؤوسنا، واستخدمتها كمشجب علقت عليه، لأكثر من ستين عاما على الأقل، عجزها وهزائمها وفشلها وعمالتها وتخلفها وفسادها المالي والسياسي والإداري. 

وما ذُكر، حتى الآن، لا يعني على الإطلاق، خلو العالم من الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي - وللأسف -  تتبنى العنف كوسيلة لتحقيق أهداف الرسالة السمأوية السمحة، بالرغم من معارضة الإسلام لكافة أنواع الظلم والتطرف والغلو والدمار والتدمير والإرهاب.

ونؤكد، في نفس الوقت، على أن قيم الشجاعة والتضحية والإقدام، وإتقان فنون القتال، ومحاربة القتلة والطغاة والظالمين، بما في ذلك رد الصائل، والذود عن الأرض والعرض والنفس والدين والمال، هي قيم وأهداف ومهارات مقبولة في الإسلام، بل لها منزلتها وضرورتها ومكانتها الخاصة، فالإسلام، لا ينكر ولا يحرم ولا يعارض أيا منها، بل يشجع عليها، مثله في ذلك مثل غيره من الملل والأنظمة والنحل والأمم والحضارات والدول، بمختلف اتجاهاتها وأنماطها وتوجهاتها، منذ إنسان العصر الحجري، إلى يومنا هذا، بما فيها الدول التي لا تتحدث إلا عن الإرهاب ومكافحته.

إلا أن الإسلام يؤكد، في الوقت نفسه، على أن للنضال والقتال والحروب والكفاح والجهاد، ميادينه وظروفه وأسبابه وتوقيته وقواعده وأساليبه الحضارية الرائعة الراقية، التي تمنع، بكل حزم وشدة ووضوح، جرائم الحرب، وتمنع كذلك كل ما من شأنه أن يُخرج أهداف ووسائل الجهاد والقتال والكفاح، من إطاره ونظمه وأهدافه ومعاييره الإسلامية الراقية. الإسلام يمنع، بكل اختصار، كافة الجرائم ضد الإنسان والإنسانية، مهما كانت مبرراتها.

فخطف الأبرياء، المسلمين وغير المسلمين، وتغييبهم، وحجزهم كرهائن، أو قتلهم، أو ذبحهم، أو استغلالهم كوسيلة ضغط سياسية، والتفجيرات، بعيداً عن ميادين القتال، وسط الغافلين من البشر، وغيرها من الممارسات الظالمة، تعتبر في الإسلام، ظلما وجبنا وغدرا ودناءة وقذارة وغباء، ولن تخدم هذه الممارسات، رسالة الإسلام، بل ستكون وبالا عليها وعلى المسلمين، قبل أن تكون وبالا على غيرهم.

لقد تحول الإسلام في نظر غير المسلمين، وبسبب هذ الممارسات، مهما كانت نواياها وأهدافها وشعاراتها ومبرراتها، إلى كارثة، إلى دين يعادي الإنسان والإنسانية، إلى دين جاف قاحل وعر جامد متصحر، خال من قيم الخير والمودة والحب، ومن قيم الأمن والمغفرة والرحمة والتسامح والسماح والصلح والود والإصلاح والأمان، ومن كافة القيم الإنسانية الأخرى، وذلك بالرغم من أن رسالة الإسلام، ما نزلت إلا رحمة للعالمين.

لقد وُجد الكفار وأصحاب الديانات الأخرى والملحدون، معنا وبيننا، من أجل أن ندعوهم إلى الإسلام، بالحكمة والموعظة الحسنة، لا من أجل أن نسبهم، أو نذبحهم، أو نقطع رقابهم، أو نصلبهم، أو نحطم جماجمهم، أو ندعو عليهم بالويل والهلاك والسبي والدمار والثبور. 

بل أعتقد اعتقادا جازماُ، بأن من يدعو إلى ذلك، قد فشل في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، بل على الأرجح، أنه لم يكلف نفسه عناء المحأولة أصلاُ (محأولة الدعوة إلى الإسلام).

هذه الممارسات الدموية اللإنسانية، إذا، التي تتم باسم رسالة الرحمة، أبرزت الإسلام، عند غير المسلمين، كدعوة دموية قمعية فاشية تجيز الحرق والقتل والذبح والفساد والدمار، وأدخلت المسلمين أيضا، من ضحايا الجماعات الإرهابية، وعموم المسلمين بصفة عامة، في نفق مظلم ضيق مغلق من التوتر والتوجس والشك والحيرة والمعاناة والغموض والارتباك.

تعاملنا مع الكفار والملحدين والوثنيين وأصحاب الديانات الأخرى، يجب أن يختلف عن التعامل مع ما تصدره وتصنعه وتتبناه وتنفذه أنظمتهم وحكوماتهم ودولهم من قرارات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، تجاه الإسلام والمسلمين (أقر بأن أغلبها، قرارات مجحفة ظالمة متحيزة)، لكنها تظل، قرارات سياسية واقتصادية وعسكرية، لا ذنب لهم فيها، بل ربما يعارضونها، هم أنفسهم، أو يرفضونها أو لا يقرون حكوماتهم عليها، ولنا على ذلك، أمثلة عديدة قديمة ومعاصرة وحديثة.

يجب، وباختصار شديد، أن لا نخلط بين الوقائع والحوادث والملابسات والظروف والأحداث التي تتطلب جهودا دعوية، وبين تلك التي تتطلب أو تحتم التصادم، والقتال والجهاد، وإلا سيكون الإسلام والمسلمون هم أول ضحايا هذا الخلط.

كما أن من أبجديات الإسلام، أن نفرق، بين مجالات وسبل ووسائل الدعوة، ومجالات وسبل ووسائل القتال. يجب أن نحدد، وبكل وضوح، وحسب تعاليم رسالة الإسلام الخالدة، بين: متى وكيف ولماذا يقاتل المسلم؟ ومتى وكيف ولماذا يدعو المسلم، غير المسلمين إلى الإسلام؟

لابد أيضا أن نشير إلى حقيقة تفرض نفسها على الأرض والواقع والتاريخ،  حقيقة لا يهملها إلا أرعن أو أحمق أو ظالم أو غبي، وهي أن الإرهاب لا يقتصر على الجماعات والتنظيمات والأفراد، ولكنه يشمل أيضاً إرهاب الدولة، بل - أؤمن إيمانا راسخا - بأن إرهاب الدولة - وخاصة الدول العربية - بمخابراتها ومؤسساتها القمعية الأمنية الدموية، وجيوشها المتخلفة التي تحولت في العالم الثالث إلى عصا، تُستخدم لإلغاء الدساتير، وقمع الشعوب، وممارسة هواية الانقلابات، وحماية الظلمة والأنظمة الدموية والطواغيت - أؤمن بأن إرهاب الدولة - هو الرحم الذي ولد منه إرهاب الجماعات والأفراد والتنظيمات. وأن ممارسات الأنظمة القمعية وفشلها السياسي والاقتصادي، تحتل قمة الأسباب وراء تأسيس التنظيمات الإرهابية، ووراء انضمام المسلمين إليها.

الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية، وتبني العنف كوسيلة لتحقيق أهداف ما، سياسية أو ثقافية أو اقتصادية، لم يأت من فراغ، فالإنسان لا يولد إرهابيا. الأنظمة الدموية الفاسدة القمعية، العربية وغير العربية، العسكرية منها وغير العسكرية، وممارساتها ضد شعوبها، أو ضد الشعوب الأخرى، هي السبب الرئيسي لنمو وبروز وانتشار الإرهاب والإرهابيين.

ولا يمكن - تبعا لذلك- محاربة إرهاب التنظيمات والأفراد والجماعات، إلا باستئصال الرحم العفن الذي سبب في وجودها أولا، أي القضاء على إرهاب الدولة بشتى أنواعه وأنماطه وتوجهاته وممارساته القمعية من ظلم وعنصرية وعنف وقسوة وطغيان وقمع وإذلال وتعذيب واستعباد وتمييز وغدر واستبداد وتنكيل، وغيرها من ممارسات الطغاة المستبدين.

ناهيك عن الفشل الاقتصادي، والفساد المالي، والفساد السياسي، والفساد الإداري، والتضييق على الإسلام السياسي المعتدل، ورفض تطهير "قذارة السياسة" بشيء من تعاليم الإسلام، ومحاربة الملتزمين بدين الله، مع التساهل مع الإباحية والليبرالية والعلمانية والمدارس والتوجهات والمذاهب الفكرية الأخرى، وانتهاكات حقوق الإنسان بصفة عامة، وغير ذلك من الممارسات السادية لتلك الأنظمة.

ولنا فيما قامت به الأنظمة العربية الإرهابية المتطرفة التي سقطت بقيادة صدام حسين، وعبد الناصر، وحافظ الأسد، ومعمر القذافي، وزين بن علي، وغيرهم في الماضي، خير مثل على إرهاب الدولة الكامل المركز الشامل، ولنا فيما قام ويقوم به الآن السيسي في مصر،  والسبسي في تونس، وعملية الكرامة في ليبيا، وبشار في سوريا، من قتل ودمار وتدمير أمثلة معاصرة يندى لها جبين الحجر والحديد والصخر.

وما تقوم به أيضاً الأنظمة والحكومات والإمارات والعروش والمؤسسات غير العسكرية التي لم تسقط بعد، والتي تدعم ما يقوم به بشار والكرامة والسيسي من قتل وتدمير وتعذيب، لا يقل إرهابا عما تقوم به الأنظمة العسكرية.

إرهاب الدولة - إذا - أسوأ وأعنف وأكثر دمارا وقتلا وتقتيلا وإرهابا مما تقوم به الجماعات الإرهابية كافة، وكلاهما - إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات- مرفوض رفضا تاما.

لابد من التأكيد أيضا على أن  من اهم أسباب تأسيس الجماعات الإرهابية، هو الظلم الواقع على الشعوب المستضعفة، بصفة عامة، وعلى الشعوب الإسلامية، بصفة خاصة، من قبل دول وأمم أخرى، ولنا في غزو أفغانستان، واحتلال فلسطين، خير مثل على ذلك.

ناهيك عن المذابح والمجازر البشرية التي يتعرض لها المسلمون، على مسمع ومرأى العالم المتحضر، الذي يتصرف، حيال هذه المجازر، كأعمى وأبكم وأبله وغبي وأصم، ولنا في مذابح بورما خير مثال على ذلك، ناهيك عن مذابح أخرى لا أول لها ولا ىخر، لا يعتبرها هذا العالم "المتحضر" الذي يحارب "الإرهاب"، إرهابا.

أضف إلى كل ذلك الهيمنة الاقتصادية، على أغلب الدول العربية والإسلامية، والتدخل في شؤونها وفرض الإملاءات والسياسات واستنزاف الثروات والخيرات والمقدرات، والتمكين لأنظمة متخلفة عميلة تابعة هشة، مهمتها الأولى والأخيرة، قمع الشعوب، ولعق أحذية من جاء بالطغاة على رأس السلطة. تلك أحد أهم أسباب ودوافع تأسيس المنظمات الإرهابية والانضمام إليها.

بالتأكيد، هناك من  يؤمن من مؤسسي الجماعات المتطرفة وأعضائها، كفكرة ومبدأ وتوجه ووسيلة وهدف، أي ليس فقط كرد فعل لقمع الأنظمة أو بسبب الفقر أو الفساد السياسي، بل يؤمنون - بشكل أو بآخر - أن ما يقومون به لا يعارض الإسلام وتعاليم الإسلام، ويؤمنون أن ما يقومون به في مصلحة الإسلام. هم يرون ان الأمة الإسلامية ممزقة منهوبة مشتتة، ولابد من إعادة مجدها، وأن ما يتبنونه من فكر ووسائل وأهداف، هو الطريق الصحيح لإعادة هذا المجد.

كما اكتسبت هذه الشريحة، مهارات متقدمة في استقطاب ضحايا الأنظمة، وضحايا البطالة، وضحايا الاستبداد، وضحايا الفقر، وضحايا الفساد المالي، والسياسي والإداري، وفوق كل ذلك، ضحايا الفراغ الثقافي الإسلامي وضحايا الخواء الفكري الذي سببته الأنظمة العربية بدون استثناء، عبر تضييقها على كل ما له صلة بالفكر الإسلامي المعتدل، ما أنتج جيلا يفتقد إلى التأسيس الإسلامي السليم، ويفتقد إلى صمام الأمان، أمام الفكر التكفيري المتطرف.

ليس ذلك فحسب، بل أعتقد أيضاً بأن الجماعات المتطرفة - الإسلامية وغير الإسلامية - مخترقة وأنها أصبحت أداة في أيدي قوى معادية للعالم العربي والإسلامي، تسيرها وتوظفها وتستخدمها في تحقيق أهدافها وتكتيكاتها واستراتيجياتها، فمن مصلحة هذه الدول ان يستمر في بلادنا ما يسمى بالإرهاب، لتصنع منه مشجبا تستغله - عديد الدول الظالمة -  للتدخل في شؤون الوطن، من أجل تحقيق مآرب وأغراض وأهداف ثقافية وسياسية وأمنية واقتصادية عدة، عبر زعزعة الأمن والاستقرار والأمان.

الدليل على الاختراق أوضح مما قد يتصور البعض، من ذلك: توقيت العمليات، ضحايا العمليات، طرق ووسائل الإعدامات، المستهدفون (دول وأماكن وبشر)، البشاعة، استهداف المسلمين، وقتلهم، وذبحهم، وتكفيرهم، واتهامهم بالردة، استعداء واستفزاز وتأجيج الآخر، والإبداع في معاداة غيرهم، بدلاً من كسبهم بجانب قضايا الإسلام والمسلمين، جميع هذه الممارسات وغيرها، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالإسلام، أو بإعادة مجد الأمة أو الخلافة، ولا علاقة لها بتحرير الأقصى أو فلسطين أو هزيمة المعتدين والطغاة والمحتلين، أو رد المظالم، أو الدفاع عن الرسول الكريم، بل إن الأغرب من كل ذلك، هو أن البلدان والدول والشعوب الإسلامية هي المتضرر الأول  والأكبر من ممارسات هذه الجماعات.

ليس ذلك فحسب، بل إن هذه الممارسات، لا تدل على الاختراق فقط، بل ربما تدل أيضا، على أن بعض هذه الجماعات قد تم صناعتها في مطابخ ألد أعداء الإسلام، أو على أقل تقدير تم السيطرة عليها من قبلهم، بعيدا عن عيون مؤسسيها، فجميع خطوات تلك الجماعات، تناقض أسس وقيم ومباديء وأبجديات الإسلام.

لقد تم استغلال وتوظيف وتسييس الإرهاب، من قبل دول عديدة، في جميع المجالات، في الدعاية الانتخابية، في تبرير فشل الأنظمة، في تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية وثقافية، في المقارنة بين الأديان، في الإيقاع بالخصوم، في الوصول إلى السلطة، في تشويه الإسلام، في زعزعة الأمن والأمان والاستقرار، في فرض الإملاءات والضغوطات السياسية والأمنية والاقتصادية على الشعوب المغلوب على أمرها، وغير ذلك من مجالات الاستغلال والاستخدام والتوظيف.

ويزداد الأمر تعقيدا وإرباكا وغموضا، إذا تحدثنا عن مكافحة ومحاربة ومقاومة الإرهاب، فالعالم لا يحارب جذور الإرهاب، بل يحارب أعراض ومخرجات ونتاج ومظاهر وظواهر ودلائل ومؤشرات الإرهاب، وليس الإرهاب في حد ذاته.

العالم الذي يتظاهر بأنه يحارب الإرهاب، يقف صامتاً جامداً متفرجاً، إلى أن تنمو وتنتشر وتتضخم وتتوسع وتتغول الجماعات المتطرفة، ثم ينطلق لمحاربتها أمنياً وعسكرياً وقتالياً، فتزداد الأزمة تفاقماً. العالم الذي يدعي أو يظن أو يعتقد أنه يحارب الإرهاب، ما زال - إذا - متخلفا في هذه الحرب، وأظنه عمدا.

الممارسات الدموية التي تقوم بها الجماعات الإرهابية المتطرفة، هي نتاج  لقناعات ما، لفكر ما، لتوجهات ما، مرفوضة أو مقبولة، ولا يمكن محاربة  القناعات والفكر والتوجهات بالقذائف والرصاص والطائرات. الحل الأمني (القتال والقصف والدمار)، أي محاربة الإرهاب بإرهاب مثله، أو أسوأ منه، فشل - هذا التوجه - في القضاء على الإرهاب، بل تفاقم الإرهاب وانتشر ونمى وأتسعت دائرته، كلما أصرت تلك الدول على الحل الأمني. إصرار غريب على الفشل.

الإرهاب لا يُحارب بالإرهاب، ففي ذلك ترسيخ وتثبيت وغرس واستمرار للإرهاب وجذور الإرهاب. كيف يُعقل، على سبيل المثال، أن يقبل المجتمع الدولي، أن تحارب أنظمة عربية دموية قمعية إرهابية كنظام السيسي، وهو في حد ذاته، كما رأى - هذا المجتمع الدولي - ما فعله ويفعله السيسي في مواطنيه.

كيف يقبل المجتمع الدولي، جرائم الكرامة النذالة، وما تقوم به، من أعمال إرهابية، تحت حجة مكافحة الإرهاب. أعمال إرهابية شملت ما شملته من انتهاكات صارخة جلية واضحة لأبسط حقوق وأمن وكرامة الإنسان، ناهيك عن التهجير وحرق وتدمير البيوت، وانتهاك حرماتها، والعقوبات الجماعية، والاعتقال التعسفي، والاستيلاء على أرزاق وممتلكات الناس، وقتل الأئمة والشيوخ والعلماء، والإعدام والتعذيب والتمثيل بالجثث والقتل على الهوية وعلى الخلفية الفكرية والسياسية والثقافية والقبلية والجهوية، وتدمير المساجد والكتاتيب ودور العلم ومؤسساته، وما سببته هذه الحرب - أيضاً - من نزوح وتشويه وتمزيق للنسيج الاجتماعي، وإحياء للنعرات الجهوية والعصبية والقبلية، وزرع بذور الفتنة والتصادم والقتال مستقبلا، وزعزعة الاستقرار، وغير ذلك مما جادت به قريحة الدمويين المفسدة الفاسدة. ألا تعتبر كل هذه الممارسات إرهابا؟ وإن لم تكن هذه الممارسات، وأمثالها، إرهابا، فما الإرهاب؟ ما يعني العودة بنا إلى المربع الأول.

محاربة الإرهاب إذا، يجب أن تتم بالفكر، لا بالرصاص، وعلى المدى الطويل، وضمن خطة إستراتيجية تشارك فيها الدولة بجميع مكوناتها، وخاصة التعليم بكل مكوناته (المعلمين، وأعضاء هيئة التدريس، والمناهج، إلخ)، والإعلام بجميع أدواته (الفضائيات، الإذاعات المسموعة، الصحف.. إلخ)، والمساجد والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والأندية، وبالتأكيد العلماء والفقهاء والأئمة والشيوخ ودار الإفتاء، والجامعات وخاصة الجامعات والكليات الإسلامية منها، والكُتاب والمثقفين والنخب، ومراكز البحوث، وبالطبع لا يمكن الاستغناء عن مؤسسات الدولة الأمنية، كجهات داعمة مساندة للقطاع المدني، وخاصة وزارة الداخلية، والمباحث والمخابرات والبحث الجنائي، ولكن في مجال التقصي وجمع وتحليل المعلومات، وليس في مجال القمع والسحل والتعذيب والقتل، بل التعامل مع هذا الملف، بدقة وحضارة ومهنية، أي مع حفظ حقوق المواطن وكرامته وإنسانيته. وفي ذلك تفصيل كثير لا يتسع له المقام.

وعلى أن لا يكون البديل لفكر التطرف والتشدد والإرهاب، فكرا آخر يخالف أو يعادي الإنسان وحقوق الإنسان، أو أن يكون البديل انظمة فاسدة قمعية مفسدة،  لمجرد أنها تمارس العنف ضد الجماعات الإرهابية، أو فكر آخر معاد أو مناقض أو مضاد للفكر الإسلامي أو لعادات وتقاليد وثقافة الشعوب.

وهكذا...

إذا قمنا بتسييس الإرهاب، وتركناه دون تعريف موحد، وحصرناه في فئة أو طائفة أو دين ما، وتركناه ينمو، ثم حاربنا ظواهره دون جوهره، وحاربناه بإرهاب أشد منه، واستنكرنا إرهابا وتغاضينا عن إرهاب آخر، ودعمنا أنظمة طاغوتية إرهابية فاسدة دموية، وتعاونّا معها في محاربة الإرهاب، وتغاضينا عن ممارساتها الإرهابية، وتغاضينا أيضا عن إرهاب الدولة، وتغاضينا عن احتلال دول لأخرى، وتجاهلنا المذابح ضد المسلمين، وطرحنا بدائل عن الإرهاب، مضادة لعقائد وثقافات الشعوب، واكتفينا بالحلول القتالية، وهمشنا الحلول الفكرية المدنية، وواصلنا السخرية من المقدسات والشعائر والمعتقدات والأنبياء - إذا قمنا بذلك - فليبشر العالم بدوام الإرهاب إلى أبد الآبدين، فالعالم يحصد ما زرعه من أخطاء قاتلة في معالجة ومواجهة ومحاربة ومكافحة الإرهاب والإرهابيين. 

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
طرابلس - 25 يناير 2016م

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com