http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

عبير الورد: الجزء الباقي من ظلي

ليبيا المستقبل 0 تعليق 29 ارسل لصديق نسخة للطباعة

رســائل عبير الورد (الجزء الثاني)
 



 


(1) الجزء الباقي من ظلي 


كل الحب لحانةٍ تنجبُ بطلاً في الحرب، أو فناناً يرسم بريشته أوجاع بلاده، أو موسيقار يعزف ألحان الألم على سلم  صول، فيترجم سيفمونية إبداعه طرباً، أو مخترعاً لمصباح أضاء بنوره العالم.

 الحانات تاريخ مجاهد في سيرة الشعوب الذاتية، إنها تبعث من رحم الفقر نوراً للكون، ترسل شارات عبور لشعوبها نحو مسيرة الشمس، الحانةُ أمٌ بطلة، أذاقتْ أطفالها لوعة الوحدة، ونكاية الوجع، وقذارة المجتمعات، حين تلفظ أنفاس أبناءها لطاحونة البكاء اليومي، لميقاتٍ غير معلوم من مستقبل مجهول، الحانةُ عجوزٌ شمطاء، حكيمة بالقدر الذي يجعل رحم المعاناة يُلقي بأطفال التجربة، إلى معترك لابد منه، لم تتخل الحانة عن واجبها الوطني تجاه البلاد، لم تخذلِ التاريخ في صناعة قرار!

 للحانة فلسفة لحزنٍ ما، قد تكتبه عاهرة تمنح سعادتها لغيرها، لكنها لا تمنح الموت المجاني كالذي يأتي إلينا من كل حدب وصوب، فالفرح ينتج أبجدياته من رحم البكاء، وليس له طريقة أخرى كي يكون وليداً، حياً، ناضجاً، إلا أن يمر عبر أيقونة الفقد، والوحدة، والعزلة، وشيء من الإنكســار ,و ضنك العيش. 

 في فلسفة ريكور ثمة ما يدلي به ذلك الرجل المختبيء من ألم الناس، البعيد عن سلطة الانكشاف، الباقي تلقاء السكون، وقبالة النوافذ المقفلة، الفاهم لحكاية الظل، يقولون أنني وحيدة، أو لعلي مريضة مثله، أبتسمُ حين تدعي رفيقاتي ذلك، ريكور كان يستمع لصوت العتمة، يطلقُ عنان مخيلته للريح، يُسابق كلمات هيجل، ويعيد ترتيب الحياة وفق سؤال دريدا، لكنه حين يكتب يترك للإجابة حرية إطلاق ساقيها للريح، تهربُ في الاتجاهات الأربعة، تطيرُ فوق أرض خياله ـ وخصوبة فكره، ثم تجعل حبل أفكاره يتدلى فوق مقصلة العقل البشري، يعيدُ قراءة الوجع، يجعلُ شعوره باليتم، بالفقد، بالوحدة، بالعزلة، ينجب زهرة، أو يقوده إلى زرع زيتونة في بستانه المهجور، أو صبَّارة تتسلق لأسوار الخارج.

 لم أسألْ مرة على منهج ريكور "كيف، ولماذا ؟ الجواب دائماً كان حاضراً يتقمص سبابة السؤال، يؤشر على جهوزية الإجابات، والحياة دائماً كنافذة مشرعةٍ، على نوافذ الإجابة،  عندما يقتلنا ورع الإجابة، وصدام الواقع، السياسة أفسدتْ العالم، وأبناء القصور استطاعوا إنجاب كمٍ هائلٍ، من الأمراء البشر، لكنهم لم ينجبوا إنســاناً له قلب، انتشل الإنسانية من مستنقع الدم، ووحل الإقصاء، وفداحة تبادل وجهات النظر الرمادية، وبشاعة الوجه الآخر للأنظمة العالمية، إنها مجتمعات سياسية آسنة، راكدة في الدم الأحمر، شرهة للأنا، متعطشة للسيطرة والسلطة.

 دعوني أنا والجزء الباقي من ظلي، كوردة ٍ أعيش في حصوني، وقلاعي العتيدة، ترون أشواكي، وتطالكم سلاطة لساني، ولكن ثقوا أنني ابنة حانة، وفتاة الحي البنغازي، المتوسط، الحي الذي صمد تحت راجمات السياسة الليبية القاتلة، التي تعيش إلى حد الانغماس في حالة العمى المعرفيّ والفكريّ وجهة نظر واحدة، إما أن تكون أو لا تكون.

 سأظل أسأل مثل ريكور، عن (كيفنا، ولماذانا ) نحن هكذا، لم نستطع أن نطلق سراح طفل إلى حقول الأمل، أو نجعل فلاحاً يسعد لأنَّ أسنان منجله تتهيأ لطمر بذور القمح في رحم الأرض، أو نجعل طالباً جامعياً يمضي إلى كليته، وهو يتمنى أن يقدم شيئاً عظيماً، يختلفُ عن أطفال الحانات العظماء، بعد أن ثار وأزاح من طريقه عقبة أحلام الحياة، أو نجعل حالمة مثلي تكتب روايتها بشكل متصل ـ دون أن تضيع في سرد فصول طويلة من الأسى المتجدد كل صباح بنغازي!

 لقد زاد عددنا نحن سكان المدارس، و نزلاء الفصول المدرسية، أصبحنا كلنا رواد المقاهي الماضية في طرح السؤال، عشاق لرواية البؤساء، الباقية بقاء الاختلاف في الحوار، السائرة نحو مجلدات من أسماء الشهداء، الواقفة على ركام المباني، والأحلام الزائلة، كلما طالها وجع القذائف العمياء، كم تبدو هذه السياسة امرأة ساقطة، أو عاهرة، تمنح الكل آمال البقاء على ذمة حنكتها، ثم ترمي بهم في قاع قذارتها. 

 كيف أحافظ على السؤالين الفتاكين لريكور، دون أن يخذلني وجهي، حين أطرحهما عليه،  وأنا ممتلئة بوجعي، نازفة من شريان الفقد، إلى وريد الوحدة، أنكفيء في رحلتي، وأرى كل شيء كيف يمضي، وإلى أين يَُفضي، يُبقيني هول الإجابات مُسمّرة مكاني، مشدوهة من عيون السؤال المفتوحة على مصراعيها، وبلا سيناتي، وتسويفاتي أظل أنتظر في حانتي المُظلمة، بانتظار ضوء الصباح، يروقني خبز أيامي، وقناعتي بأن الإنسان ينتصر... حتما ينتصر.

عبير الورد
ذات تجريد للظل
2016/1/23  

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com