http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

مفتاح الأربش: التحول من الاقتصاد الريعي الهش إلى الاقتصاد الانتاجي الصلب...

ليبيا المستقبل 0 تعليق 31 ارسل لصديق نسخة للطباعة

التحول من الاقتصاد الريعي الهش إلى الاقتصاد الانتاجي الصلب...



هل تستطيع الجامعة بناء جسر العبور؟

الجامعات هي المحطة الاساسية ومنصة الاطلاق التي منها تنطلق الدول إلى افاق التقدم وفضاء الحضارة، خاصة إذا اعتمدت منهج التحديث في توصيل المعلومة لتابعيها من طلبة وهيئات تدريس. نتناول في هذا المقال كيف يمكن للجامعة بناء قواعد جسر العبور للانطلاق إلى الاقتصاد الانتاجي المباشر وذلك بتحويل العلوم التطبيقية إلى تكنولوجيا مفيدة سهلة التداول والاستعمال. وكذلك، توطين المعرفة والتكنولوجيا، وتنمية الموارد البشرية - وهو المحور الجوهري في عملية التنمية الشاملة. يتم بناء الجسر من خلال خطةٍ لبناء القدرات التكنولوجية تنفذ عبر مراحل متتالية واحياننا متوازية لربح الوقت ان توفرت الارادة والامكانيات. تبدأ الخطة ببناء القدرات التخصصية اولا؛ ومن خلال تأسيس إدارة للتكوين بالجامعة يتم بواسطتها نقل المعرفة والتكنولوجيا بسلاسة، ومن ثم ترويضهما للتطبيق بليبيا.

وينبغي ان يكون من ضمن اهداف الخطة تحسين التعليم بالجامعة وتطوير مدخلاته ومخرجاته لتأهيل وتخريج طواقم تكون لها قدرة الدخول لسوق العمل بمهارة فائقة ومهنية عالية واحترافيــة اكتسبتها إثناء فترات التدريب العملي، وكذلك من جهة العمل التي تلتحق بها فور التخرج. ينبغي ان تتأهل هذه الطواقم لتنمية الخبرة اللازمة كي تبني هي كياناتها المستقلة ان شأت، وتوفير مزيدا من فرص العمل للخريجين الجدد.

كما ينبغي ان تحدد خطة بناء القدرات غايات اولية واهداف واضحة خلال مرحلة الابتداء، ومن ضمنها  بناء القدرات نفسها، وتكوين كوادر قادرة على خلق مواطن شغل، وبناء اقتصاد انتاجي قوي مستقل عن الاقتصاد الريعي الهش - اقتصاد النفط - الذي تعتمد عليه الدولة حاليا، ليكون الاقتصاد الجديد هذا هو المصدر الأساس لدخلها القومي.

وينبغي ان تشمل الخطة ايضا تنمية مكانية مستدامة، مع توطين المعرفة والتكنولوجيا، وبث ثقافة الانضباط والالتزام خلال النشاط الاقتصادي. وتستطيع الجامعة تأسيس كيان اول وهو كيان التكنولوجيا  كجزء من كيان الهندسة والعلوم. ويمكن في مرحلة لاحقة تعميم هذا التوجه على كيانات الجامعة الثلاثة الاخرى - الزراعة والبيطرة، الطب والصيدلة، والعلوم الانسانية.

عند تبنّي هذه الخطة وتنفيذها ستظهر نتائجها للعيان مباشرة بعد تخرج الدفعة الاولى من الطلبة المنتمين للخطة، والذين انخرطوا في مشروع تحويل العلوم التطبيقية إلى تكنولوجيا، وطوروا تقنيات يمكن لهم إقامة مشاريع عليها. ستكون النتائج المباشرة لهذا النشاط هي تكوين سوق عمل يتنامى بسرعة تكون مخرجاته الاولى هي تكوين مواطن شغل، وتنمية مكانية مستدامة، وبث ثقافة الالتزام بين المنخرطين في العملية الانتاجية.

ويمكن تأسيس إدارة في الجامعة متخصصة في بناء القدرات. هذه القدرات عند إطلاقها وانطلاقها ستعود بمنافع كثيرة على المجتمع والدولة منها توفير مصادر دخل مستدامة، وفتح ابواب كثيرة للبحث والتطوير امام المؤسسات العلمية. كما ستتحول هذه المؤسسات - مؤسسات البحث والتطوير - إلى مرجعيات تراجعها المؤسسات الخاصة والحكومية وبنك معلومات تستفيد منه هذه المؤسسات في تطوير هياكلها وانتاجها، وبنا مؤسسات جديدة لتتسع قاعدة الانتاج والتصنيع، وليغطي الاقتصاد الجديد رقعة اوسع تساعده في نقل اقتصاد الريع إلى صندوق سيادي والاعتماد بدل منه على الاقتصاد الانتاجي المُطوّر.

تنفذ الخطط المعلنة تباعا لتحقيق الهدف الاهم وهو تمكين الجامعة من إحداث تغيير سريع بالطبيعة الاقتصادية للبلد وذلك بمزج التعليم النظري بكثير من التطبيقات التكنولوجية الفعلية بغرض بلوغ الغايات المنشودة، وتحديد الآلية اللازمة لوضع خطة البناء المذكورة على طريق التنفيذ والتحقيق.

ويمكن للجامعة ان تبدأ هذه المسيرة بتحويل تقنيات قائمة إلى الانتاج الفوري من خلال تكوين خطوط تجميع تنشأ بالمجمعات السكنية المجاورة للجامعة. لقد حققت هذه التجربة - تجربة خطوط الانتاج المنزلي - نجاحا كبيرا بعدما تم تطوير تكنولوجيا معينة خلال النصف الثاني من عقد ثمانينات القرن الماضي حيث اُسِّست خطوط انتاج في قرية نائية في الريف الليبي  لتحويل هذه التكنولوجيا الى منتج وتصنيعه بالجملة. شكّل عدد من البيوت بهذه القرية حلقات خطوط التجميع والتصنيع تلك، وحقق الانتاج دخلا وفيرا للمساهمين في هذه الخطوط.

تسبب ذلك النشاط في تحولات نوعية في اجتماعيات سكان المنطقة تلك الذين وجدوا انفسهم فجأة في نظام يقودهم ولا يقودونه. وتغيرت حياتهم فحققوا مستويات عالية من الانتاجية درت عليهم دخلا غزيرا. غيّر التحول المادي والسلوكي شكل قريتهم التي ظهر عليها الرفاه والانضباطية. دحضت هذه التجربة نظرية الاعراق التي سادت بيننا لننسب اسباب نجاح بلدان معينة مثل اليابان والمانيا إلى سلالتهم. سبب النجاح في الحقيقة هو وجود نظام يقودهم لا يقودونه. فعندما تواجدَ هذا النظام صدفة في تلك القرية الليبية، وجد المساهمون في خطوط الانتاج انفسهم رهائن لذلك النظام الذي بنيت عليه تلك الخطوط؛ ولم يستطيعوا الافلات من قبضته بل كل حلقة في الخط فُرِض عليها بان تستلم المعدة المنتجة جزئيا من الحلقة السابقة لها وتسلمها بعد اكمال المهام المنوطة بها إلى الحلقة اللاحقة، التي هي بدورها تراقب مدى صحة وجودة التنفيذ من قبل الحلقة التي سبقتها؛ وان لاحظت عدم مطابقة المواصفات رفضت استلامها ودونت بواصل التسليم والاستلام السبب، الامر الذي سيعكس في نهاية الشهر خسارة مالية كبيرة للمُخِل بالموصفات.

اختفت كثير من الامراض الاجتماعية  بتلك القرية باختفاء البيئة الحاضنة لها. وعندما يصبح التعامل فيما بين القطاع الخاص - طرف اول وثاني، تنتفي الحاجة للفساد.

الجامعات والمعاهد العليا ومراكز الابحاث هي في الحقيقة العصب الذي يحدد هوية الدولة والمستوى الثقافي والحضاري الذي يمكن ان يرتقي إليه المجتمع. تبنى المجتمعات التي تطمح الى التقدم نفسها بالبحث ثم التطوير. برامج البحث والتطوير كاسبة في كل الاحوال ولا تخسر ابدا. والمجتمعات المتقدمة تبني اقتصاداتها على هاتين الركيزتين المتينتين- البحث والتطوير.

مفتاح الأربش

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com