http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

بنغازي المخبوطة

الوسط 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يكتب المؤرخ اللبناني، نقولا زيادة، في إحدى رسائله الموجهة إلى زوجته، بتاريخ 10 يوليو 1949 والمنشورة بكتابه (رسائل من برقة):



"مساء الخير أيتها العزيزة. بنغازي اليوم(مخبوطة)، وقد يسرت لها الفرصة حديثاً لذيذاً شهياً.

ذلك أن ثلاثة من مصريين، من أعضاء جمعية الإخوان المسلمين المنحلة، ومن الإرهابيين، ومن المتهمين بإلقاء القنابل على رئيس مجلس النواب المصري، ومن قبله النقراشي باشا، هؤلاء الثلاثة هربوا من مصر قبل بضعة أيام، ودخلوا برقة، ولم يكن أحد يعرف مقرهم.

لكنهم أول أمس صباحاً وصلوا بنغازي وألقوا بأنفسهم في رحاب الأمير إدريس، وطلبوا حمايته. وكان البوليس المصري قد لحقهم بالطائرة، فكان هنا اليوم نحو عشرة من ضباط البوليس والجيش المصري. أما الأمير فقد رفض تسليمهم، وأما الوالي فقد أجاب بأن هؤلاء في عهدة الأمير. وبنغازي"مخبوطة" في الحديث عن هؤلاء الناس".

والثلاثة المعنيون هم: عزالدين إبراهيم، محمود الشربيني، وجلال سعده، الذين دخلوا عن طريق البر برفقة المرحوم عبدالرحمن الكيخيا، بعد حادثة اغتيال الحاكم العسكري، النقراشي، عبر إطلاق ثلاث رصاصات عليه وهو في مصعد وزارة الداخلية من طرف طالب في كلية الطب البيطري مموها بملابس ضابط من الداخلية ويدعى، عبد المجيد أحمد، أحد أعضاء تنظيم الأخوان المسلمين.

لا أعرف بالضبط ماذا تعني مفردة "مخبوطة" في اللهجة اللبنانية لكن معناها في الليبية أدق وأقرب إلى ما حدث قبل 65 عاما وما يحدث الآن

شكلت حادثة هروب الثلاثة إلى إمارة برقة، آنذاك، بداية انتشار فكر جماعة الأخوان في ليبيا، والذي ارتبط بتحول هذه الجماعة من المهمة الدعوية إلى الطموح السياسي، وكان قد مضى على تأسيسها 20 عاما منذ دعمت الشركة الإنجليزية المنفذة لقناة السويس مشروع تأسيسيها بمبلغ وقدره 500 جنيه استرليني، وشكل ارتباطها بالسياسة البريطانية في المنطقة النهج الرئيسي لعملها، فكان دور بريطانيا مهما، وهي التي تتمتع بنفوذ قوي آنذاك في ليبيا وعلى أمير برقة خاصة، في رفض تسليم هذه المجموعة بعد أن لحق بهم ضباط من الاستخبارات المصرية لاستلامهم، وتم توفير إقامة لهم بقصر المنار، حيث استقروا في حمى الأمير وعملوا على نشر الفكر بين بعض الشباب، وهي الغاية التي سعى إليها الانجليز منذ مجيئهم وحمايتهم .

لتتحول فيما بعد إلى حركة داعية ومنظمة عبر الطلاب الليبيين العائدين من الجامعات المصرية ومن جامعة الأزهر خصوصا، إضافة إلى المعلمين الذين تم استقدامهم إلى المدارس الليبية والكثير من أئمة المساجد.

ورغم هذا الانتشار لم يعرف على الجماعة الليبية أن شكلت تنظيما معارضاً في ليبيا إبان الملكية، لكن كما يبدو كانت في طور الحشد والاستقطاب وفي انتظار اللحظة السياسية المهمة التي ستدرجهم في سياق مصالح السياسة الليبية، خصوصا مع التناقض الواضح بين شعارات الثورة المصرية الصادحة آنذاك والمعادية للغرب وبين النظام الملكي في ليبيا المرتبط بالغرب، وجاءت هذه الفرصة بعد هزيمة عام 1967، ورغبة النظام في ليبيا في الحد من انتشار التيار القومي النشط في ليبيا والمعادي لسياسات الدولة التي تعتبر الكثير من النخب أن لها دورا في تلك الهزيمة، وانتهز جماعة الأخوان في ليبيا، والذين لم يشكلوا أية نواة للمعارضة حتى ذلك الوقت، الفرصة التاريخية للإعلان عن وجودهم وبشكل رسمي ومقبول من مديري السياسة الليبية، فدارت الاتصالات بين بعض قياداتهم والأجهزة الأمنية والسياسية الملكية برعاية السفير الإنجليزي، لتتمخض عن تأسيس"تنظيم بطرابلس له لجنة قيادية ضمت، كما يذكر د. محمد المفتي في كتابه، زمن المملكة: الشيخ فاتح احواص رئيسا، ومحمد رمضان هويسة للعلاقات الخارجية، ومحمود محمد الناكوع مسؤولاً عن شؤون التنظيم، وعمرو خليفة النامي مسؤولا عن النشاط الجامعي، ومختار ناصف للمالية.... كما شكل نشطاء الأخوان في بنغازي تنظيما مشابهاً ضمت قيادته عبدالكريم الجهاني وإدريس ماضي ومصطفى الجهاني ومحمد الصلابي وصالح الغول وآخرين".

لا أعرف بالضبط ماذا تعني مفردة"مخبوطة" في اللهجة اللبنانية، لكن معناها في الليبية أدق وأقرب إلى ما حدث قبل 65 عاما وما يحدث الآن، ففرسان الأخوان الثلاثة الذين حطوا في حمى بنغازي هروبا من السلطات المصرية، تركوا سلالتهم في ليبيا، التي عاشت حالات مد وجزر مع النظام السابق حتى جاءت الفرصة المناسبة للانقضاض على السلطة وفق سياسة التمكين التي طبقت لأول مرة في دول الربيع العربي، وعندما كان الحراك شعبيا وعفويا كانوا يتسربون في داخله دون الإعلان عن هويتهم أو بالأحرى نكرانها من باب التقية، فمنذ الأسبوع الأول من بداية الانتفاضة قاموا بدور الوسيط بين النظام والمتظاهرين، محاولين إجهاض الحراك مقابل امتيازات في التغيير الذي كان يخطط له من قبل النظام نفسه، حيث كان الشارع الليبي يتحدث عن نية تغيير حكومة البغدادي بحكومة نصفها تقريبا من الأخوان، وهي المقايضة نفسها التي حدثت في ثورة يناير بمصر طيلة أيامها الأولى سعيا لتفريغ ميدان التحرير مقابل إدماجهم في المرحلة اللاحقة كقوة ملحقة ببرنامج التوريث في مصر وليبيا.

وكما حدث سابقا انتظروا الوقت المناسب ليعلنوا عن هويتهم عبر تأسيس حزب العدالة والبناء، رغم نفي بعضهم لتبعيته للجماعة، لكنه أصبح الذراع السياسي للتنظيم والذي عمل بدوره على تأسيس ذراع مسلحة فيما يسمى بقوات الدروع التي تتشكل من عدة ميليشيات كبديل لتأسيس الجيش الوطني الذي عرقل بناؤه كتلتهم المتسلطة على المؤتمر الوطني، وليشنوا حربا على مدينة بنغازي التي احتضنت مؤسسي الجماعة قبل 65 عاما وحمتهم من ملاحقة البوليس المصري لهم. ومازالت بنغازي حتى الآن وليبيا كلها"مخبوطة في الحديث عن هؤلاء الناس".




شاهد الخبر في المصدر الوسط




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com