http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

غابة الرموز "عبر الصحراء الليبية" .. بقلم / منصور يوشناف

ايوان ليبيا 0 تعليق 41 ارسل لصديق نسخة للطباعة

غابة الرموز "عبر الصحراء الليبية" .. بقلم / منصور يوشناف



 

بقلم / منصور يوشناف

بالأكاكوس وليس بعيداً عن كهف "صالون الحلاقة" كما يسميه أدلاء السواح، حيث لوحة صباغة الشعر التي يزيد عمرها على الثمانية آلاف عام، كنت أقف أمام حقيقة جعلها البروفيسور موري وفريق العمل العامل معه تلتمع ساطعة واضحة، كان فريق الجيولوجيا قد حفر حفرة عند مدخل كهف ملأه الرمل، كانت الحفرة تتكون من طبقات عديدة صفراء وسوداء.
أشار موري إلى أن الطبقات الصفراء تدل على عصر تصحر أما السوداء فتدل على عصر مطير، كانت الطبقات متعاقبة، صفراء ثم سوداء ثم صفراء من جديد ويضيف موري: هذا يدل على أن الصحراء لم تمر بالتصحر لمرة واحدة بل مرت عليها عصور مطيرة وأخرى جافة كالتيي نعيشها الآن، كنا قد قرأنا في المدارس أن الصحراء كانت غابات خضراء وأن وديانها كانت أنهاراً تتدفق وأن شعابها كتنت روافد لتلك الأنهار ثم غزاها الجفاف وتصحرت. موري وفريقه يصفها أي الصحراء الكبرى وهو يتكئ على الجدار الداخلي للكهف "صالون الحلاقة" بأنها كالرئة تشهق تشهق عند عصورها المطيرة فتجذب البشر والكائنات الحية الأخرى وتزفر إثر عطش عصورها الجافة فتطرد البشر والكائنات الحية الأخرى بعيداً عنها.. على هذا النحو غزاها الزنوج والشقر في فترات مختلفة من عصورها المطيرة وعلى هذا النحو أيضاً زفر سكانها باتجاه منابع المياه شرقا وغرباً حاملين معهم بالطبع عاداتهم وتقاليدهم.. ببساطة حاملين معهم ثقافتهم ومعتقداتهم.. موري يشير بأصبعه الطويل إلى رسمة على جدار الكهف لقد سبق الليبيون اليونانيين في تصوير الآلهة على شكل بشر كذلك كانوا.. يضيف قائلا: أول من اكتشف الأصباغ والتلوين.
(ايتالو كالفينو) الكاتب الإيطالي قال لموري وهو يشاهد صوراً للأكاكوس: يا إلهي لقد اكتشفت يافابريتسيو إطلنطا الغارقة.. يتذكر موري كلام كالفينو ويسرح بعيداً.. وأنا أدخل الأكاكوس ليلاً لم ينتابني إلا إحساس واحد، لقد كنت أدخل مدينة حديثة للغاية بعماراتها الشاهقة وأقواس نصرها، وأقواس زينتها بل وبإيقاعات موسيقى فنانيها الساهرين فقط كانت مدينة تغرق في الظلام وتنتظر عودة النور إليها، فجأة تبدو مصابيح صغيرة وسط ذلك الفضاء الهائل (وصلنا معسكر موري) يقول دليلنا، كانت مصابيح معسكر موري والباحثين الإيطاليين والليبيين تحاول أن تعيد للمدينة الغارقة ملامحها.. كانت الأكاكوس تعود للحياة عبر هؤلاء الباحثين وتقدم للعالم ولنا كنوز الصحراء المذهلة.
كرومنتيكي ضال كنت أفتش عن معنى غنائي لهذا الوجود الفقير البائس.. كنت أبحث عن ضوء وظل وإن كانا بلا معنى.. كان التاريخ والأسطورة ضوءاً وظلاً من سراب. كانا مقاومة للنسيان.. بعيداً عن صالون الحلاقة وفي ميدان آخر من أكاكوس وفي ميدان آخر من ميادين الأكاكوس كانت رقوش للزرافة والفيلة ووحيد القرن وقافلة للقرود تتشبت بالمكان رغم التصحر والعطش.. كان فنان ما قبل التاريخ قد رصد وثبت تلك الكائنات منذ عشرة آلاف عام مقاومة للتصحر والنسيان.. كان الحفر والرقش على الصخر أداة الإنسان السحرية الأولى.. كانت رغبة السيطرة على الكائن الآخر الذي شارك الإنسان في هذا الفضاء الهائل بفهم مواطن القوة والضعف فيه تتم هنا في الأكاكوس رقشاً ورسماً.. كان الرقش والرسم كتب الإنسان الأولى في علم الحيوان وعلم التشريح وأيضاً في فن السحر.
الإنسان هنا بالأكاكوس رقش أو ثبت على الصخور في هذه الفترة التي يسميها المختصون (مرحلة الحيوانات المتوحشة) رقش حيوانات بيئته إذْ ذاك دون أن يرقش نفسه لتخلو رقوش تلك الفترة من أية صورة للإنسان، لقد كان الإنسان منشغلاً عن ذاته بمخاطر ما حوله.. البقر يتسلل إلى الرقوش خجلاً قليلاً في البداية ولكنه يدخل مصحوباً بالإنسان، إن الإنسان هنا بالأكاكوس يدخل الرقوش وكأنه يعود من رحلة صيد طويلة مصحوباً بكائنات ستغير حياته ونمط معيشته ليتحول من الصياد إلى الراعي.. لم يتوقف عن الصيد كما يظهر في لوحات الأكاكوس ولكنه بدأ يظهر مزوداً بالرمح والفأس.. لقد صار الصياد الذي يدجن الحيوانات القابلة لذلك.. ليتحول الحيوان ليس إلى فريسة بل إلى شريك حقيقي للإنسان في رحلته، ليسم مراحل من تاريخه كما سنجد في مرحلة الرعي ومرحلة الجمل لاحقاً.
لوحة (الحلابة) وهي عبارة عن رقش في غاية الإتقان لإمرأة تحلب بقرة تمثل أعلى ما وصل إليه فن الرقش حيث الخطوط الواثقة المتقنة وحيث يبدو فنان ما قبل التاريخ يستعد لدخول مرحلة أخرى من مراحل سيرته الحضارية.
الرقش لانجده داخل الكهوف إنه بالفضاء المقتوح لقد كان يجري أو يتم إستعداداً للصيد لقد كان الرقش على ما يبدو مناورة الإنسان التي تسبق الهجوم مباشرة.
مع البقر والتدجين والرعي يدخل فن الكهف.. ينتقل إلى الرسم بدل الرقش إن طوراً آخر كما أسلفنا يبدأ مع ظهور البقر والإنسان (الرسم بدل الرقش ذلك هو الطور الجديد .. إن ما استغرقنا في الحديث عنه سطوراً الإنتقال من الرقش إلى الرسم) يأخذ من فنان ما قبل التاريخ ما يزيد عن ألفي عام.
الرومانتيكيون الضالون من أمثالي يقولون ألفي عام هكذا سبهللاً ولكن تخيلوا ألفي عام من الحفر بالصخر من أجل خطوة الى الأمام .. (موري وهو رومانتيكي قيده العلم قال حين سألته عن عمر كتابه بالعربية على جدار كهف .. أوه إنها حديثة لا تزيد عن الخمسمائة عام).




شاهد الخبر في المصدر ايوان ليبيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com