http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

عبدالله صالح الزائدي: لماذا نجح بالبو وفشل الليبيون؟

ليبيا المستقبل 0 تعليق 32 ارسل لصديق نسخة للطباعة

إيتالو بالبو وبطموح المستعمر تمكن من ارساء نهضة زراعية لافتة في تاريخ ليبيا الحديث لازالت شواهدها ناطقة الى اليوم، وعندما اقرا مراجع التاريخ واستمع الى روايات من عاشوا الفترة اتساءل لماذا لم ينتفع الليبيون بنواتج تلك المرحلة ولماذا تحولت تلك المشاريع اطلالا وفي احسن الاحوال توقفت الى الحد الذي توقف عنده مشروع بالبو؟ لماذا لم يستمر الليبيون في فلاحة ارضهم كما اصر وأنتج المحتلون الايطاليون منها محاصيل استراتيجية؟ لماذا ينصرف اهل الارض عن فلاحتها؟



دخل بالبو ارض ليبيا حاكما للمستعمرة الايطالية مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين  حاملا  تحدي اقصاءه عن دائرة حكم موسيليني مادا بصره الى ارض جديدة يحتاج فيها للنجاح الذي يجعله بطلا ايطاليا خلاف ما كان يريد له الزعيم  الفاشستي مجرد حاكم  ينفذ الاوامر بانضباط  في المستعمرة الجديدة  لكن ذكاء الرجل جعله يستفيد من وجوده في تحقيق نجاح يحسب له حيث كان عليه ان يجعل من ليبيا اكثر من مجرد ارض يحتلها الايطاليون ويتخذون منها عمقا استراتيجيا عسكريا وسياسيا ويسمونها شاطئا رابعا لهم و ذلك لن يكون إلا  بجعلها موردا اقتصاديا مهما ولم يكن للنفط آن ذاك  ذكر في هذه الارض ولا مناجم  وكان على بالبو أن يوجد مصدرا يحقق هذا الطموح فاتجه الى فلاحة الارض حيث مساحة ليبيا وتنوع تربتها ووجود اليد العاملة كانت المعادلة  المناسبة لتحقيق غايته وهكذا بدأ بالبو مشروعه الكبير فانطلق برفع مستوى الاستصلاح الزراعي من مجرد عمليات بعلية بدائية كان الليبيون يقومون بها لمواجهة الجوع فقط الى صناعة حقيقية فجلب عشرين الف مزارع إيطالي للاستيطان في ليبيا ذلك أنه يدرك جيدا التأثير الايجابي لهذا  التوطين على شعبيته في ايطاليا ويعلم ان المزارعين الايطاليين سيستثمرون الارض الليبية بشكل علمي ومجد ويحقق مكاسب ضخمة ولذا لم يكتفي بجلبهم فقط بل أنشأ ستة وعشرين  قرية زراعية لهم غالبيتها في برقة وبالفعل دخلت ليبيا في ورشة اعمار زراعي عمل فيها الليبيون تحت المحتل الايطالي ودخلت زراعات جديدة ومتطورة من الحمضيات والمكسرات والكروم والحبوب والخضر والفواكه بل وحتى النباتات ذات الاستخدام الصناعي كالحلفاء وامتد طموح الحاكم الايطالي فأنشأ  ولأول مرة وعلى نحو اقتصادي الصناعات الغذائية وهو ما جلب الانتشار العمراني بطريقة هائلة في المدن وربط البلاد بمشروع ضخم من الطرق المعبدة والسكك الحديدية ونجح بالبو في احداث نهضة تحسب لايطاليا من خلال الزراعة، وربما كان ذلك من اسباب وفاته الغامضة في اطلاق نيران من المدفعية الايطالية لتصيب طائرته في مطار طبرق. 

دخلت ايطاليا في حرب مع الانجليز وتحالفت مع المانيا وانتهت الحرب بخروج الطليان كمستعمرين تاركين تركة ضخمة من المشاريع الزراعية ولم يكن للانجليز اهتمام بتنميتها بينما بقي عدد لا باس به من الاقطاعيين الايطاليين حتى تم اجلائهم نهائيا عام 1970 لكن الليبيين وبعد عقود من العمل في حقول كانت ملكا للايطاليين لم يستمروا بذات الفاعلية  وكان القطاع الحكومي ربما لوجود النفط  يطلق حملات غير جادة تماما في تطوير البلاد زراعيا رغم اطلاق الدولة في سنوات السبعينات والثمانينات وما بعدها مشاريع زراعية  حتى في الصحراء والتى لا يرى فيها البعض إلا مساحات شاسعة من الرمال لا يمكنها ان تكون حقولا  لكن تلك الحقول نجحت زراعيا بالفعل وحققت انتاجا  كمشروع الكفرة الزراعي الانتاجي ومشروع السرير الانتاجي الزراعي ومشروع حزام الجفرة الغربي ومشروع سوكنة  ومشاريع عديدة في منطقة يتخيل الكثيرون أنها بحر من الرمال القاحلة بينما انتجت مشاريعها الزراعية ثمارا على رأسها طماطم جالو الشهير وفاكهة المنجا من الكفرة غير أن قطاع الزراعة بقي قطاعا ثانويا امام السحر النقدي لقطاع النفط الذي  جذب الليبيين بعيدا عن  فلاحة ارضهم.

لقد انشغل القطاع الحكومي عن مكافحة الجراد الذي يفتك سنويا بمساحات خضراء ولم يتجهوا الى اتقان مكافحة الافات الزراعية وتوفير اسطول من الطيران الزراعي ورصد الافات ومحاصرتها وهذا رغم أنه ووفق احصاء عام 2007  بلغ عدد الحائزين للأراضي الزراعية في ليبيا ستة عشر الفا وثلاثمائة وأربعة وأربعون حائزا ثلاثة وعشرون بالمائة منهم تعتبر الزراعة مهنته الرئيسية يستصلحون من الاراضي الليبية ما إجماليه مليون ومائة وخمسة الالف وثلاثمائة وسبعة وخمسون هكتارا. 

ومع ذلك فان هذا الاستصلاح بالمقارنة بالمساحة ذات الجدوى الزراعية في ليبيا اقل من قدرتها الحقيقية بل ان مزارع تقوم الزراعة فيها على عمالة وافدة غير ذات خبرة ولا دراية بمهنة الزراعة عدا الاعتماد على زراعة الصوبات واستخدام المبيدات بطرق غير مرشدة   وغياب الاتجاه الى استثمار التنوع الطبيعي للبلاد ففي كثير من مناطق الحمادة والمناطق الصحراوية قرب الواحات يمكن زراعة ما يزيد عن الستين مليون نخلة خاصة وان في ليبيا ما يقدر بأربعمائة صنف من النخيل وهناك مساحات ساحلية شاسعة يمكن تحويلها الى  غابات من شجرة الزيتون ذات الجدوى الاقتصادية الكبيرة وهناك مساحات كبيرة في الجبل الاخضر والغربي يمكنها ان تكون  مصدرا للأعشاب الطبية.

اليوم يتصارع الليبيون على موارد النفط تاركين الثروة الحقيقية وغير الناضبة، تاركين استثمار جهودهم وقواهم في بناء البلاد وفلاحتها  في مشهد بائس وخطير.

عبدالله صالح الزائدي
alzidybenghazi@gmail.com
 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com