http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

عاشور مفتاح الإمام: النمسا... كمـا عرفتهــا

ليبيا المستقبل 0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عندما تم تعيينى بالنمسا كوزير مفوض عام 2000 ضمن طاقم منظمة اليونيدو التابعه للامم المتحدة  كانت لدى فكرة عن تعصب النمساويين للغتهم الالمانية ولا ادرى لماذا ربطت فى حينه بين هذا التعصب وتوقع تعصبهم الدينى وكانت هذه الافكار ربما قد ترسبت فى مخيلتى من  خلال تجربتى فى الاقامة باليونان فترة طويلة  والتى لمست فيها تعصبا كبيرا على كل المستويات ضد الديانة الاسلامية الى درجة اننى كنت أجبر - رغما عن عدم تعصبى - الى الدخول فى مناقشات ومجادلات مع عدد من عامة الشعب وعدد من المثقفين وحتى رجال الدين الارثذوكس، وكانت الصحف ووسائل الاعلام  مشبعه بهذه الكراهية  للديانة الاسلامية، بل  تصدمك هذه الكراهية فى كل مكان تقودك قدماك اليه الى درجة ان وسائل الاعلام اليونانية بمختلف صورها وتواجهاتها عندما تقوم بنشر اى خبر عن أى يونانى مسلم يرتكب جريمة ايا كان نوعها او يقوم باى فعل فاحش تركز على التشهير بديانته وتضع امام اسمه كلمة (المسلم)  بينما اذا ارتكب اى يونانى مسيحى اى جريمة مماثلة لا تذكر ديانته، وكنت اتضايق من هذا التحيز واقوم بالرد فى بعض الاحيان على بعض الصحف وذلك بلفت نظرها الى هذا التحيز الممقوت ولكن للاسف جلها  كانت تتجاهل هذه الردود. واذكر أن التلفزيون اليونانى خلال الثمانينات  كان فى احد اللقاءات يسخر من أحد المسنين المسلمين لتمسكه  بتطبيق الشريعة الاسلامية على افراد اسرته.



والحقيقة فـإن بعض القساوسة العرب واليونانيين العائدين من البلاد العربية من مصر ولبنان وسوريا والسودان وكذلك عدد من مسيحى البلاد العربية ساهموا بدور مؤسف فى تأجيج روح هذه الكراهية فى الوقـت الـذى لا أنكـر تواجـد  نفـر منهم كان لهـم دورهـم الايجابى فى تبصير المجتمع اليونانى بأن الاضطهاد والمعاناة التى واجهها الشعب اليونانى على يد الاتراك العثمانيين لا علاقة لها بالاسلام  وان المسلمين فى البلاد العربية  كانت لهم ايضا معاناتهم مع الاستعمار العثمانى  والذى لا يختلف عن اى استعمار غربى مسيحى  للبلاد الاسلامية.

على اى حـال كان توقعى عندما قدمت للنمسا، كما أسلت، أن اواجه نفس ما واجهته باليونان من تحيز ضد المسلمين، إلا أننى  فوجئت بما لـم أكـن أتوقعـه وهو إنتفـاء وجـود هذا التعصب الدينى بين مختلف طوائـف المجتمع النمساوى.

وعندما قادتنى قدماى لأول مرة  فى جولة فى احـدى الحدائق القريبة من سكنى برفقة اسرتى خلال الاسبوع الاول من استقرارنا فى العاصمة "فيينا" التى تتربع على شاطىء نهـر الدانوب لم ألمس بين  زوار تلك الحديقة من يكره هذا الاسـم (الإسلام)... او يتعصب ضده بل على العكس من ذلك  قادنى مرافـقى النمساوى فى تلك الحديقة الى نافـورة كبيرة  جميلة من الرخام تتوسط الحديقة تتحـدر منها المياه العذبة عبر حنفيات رخاميه كتب تحتها بالخـط العريض باللغة العربية "وجعلنا  من الماء كل شىء حى"... وضحـك مرافـقى النمساوى المسيحى وهو يشاهدنى أقـرأهـذه الآية الكريمة بتمعـن واستغـراب... وقال لى: أنا أعـرف معنى هذه الآية ونحن نقوم بشرحها حتى لطلبة المدارس او السواح الذين يزورون هذه الحديقة... ولذلك فنحن نعتز بهذه النافورة  كما نعتز بالآية القرآنية التى نحتت  فوقها... حيث انه جزء من تاريخنا... ففى هذه الحديقة توقـف زحـف الأتـراك عـن مواصلة غزوهم لعاصمتنا  فيينا وتركوا لنا  بعد انسحابهم هذا الاثر الجميل الذى نعتز به ونحافظ عليه الآن. وتذكرت حينها كيف اننا بجهلنا وغبائنا  كنا قد حطمنا ودمرنا كل الاثار الجميلة التى كانت خير شاهد على تاريخ فترة الاستعمار فى بلادنا.

وتعتبر فيينا،النقطة الأكثرعمقـاً،التي بلغتها حركة الفتوحات العثمانية في أوروبا،عام 1683، حيث  دارت على مشارف العاصمة فيينا، رحى أهـم الحـروب الأوروبية، التى كسرت الحصار الطويل على فيينا والتى انتهت بهزيمة العثمانيين وانسحابهم وأفـول امبراطوريتهـم.

وتحتفـظ العاصمة النمساوية، بالاضافة الى هذه النافورة الجميلة  بالعـديد من الآثار،التي تخلد ذكرى مرحلة الحصار العثماني لها، مثل تمثـال الفـارس التركي المغـوار، الذى يقـال أنه تمكن من إختراق كافة التحصينات الأوروبية الكثيفة والتسلل منفـرداً ممتطيا صهـوة جـواده العربى إلى قلب العاصمة فيينـا.

وقد وضعت زيارتى للحديقة التركية فى فيينا وارتوائى من مائها العـذب المتدفـق من نافورتها المزينه بتلك الكلمات الربانية المقدسة نهاية لتخوفى من ان اجـد فى النمسا ما وجـدته فى اليونان من تعصب ضـد الاسلام والمسلمين، كما شجعتنى تلك الزيارة على دراسة تاريخ هـذا البلد ومتابعة سلوكيات سكانه على مختلف طوائفهم ومعتقداتهم خاصة وان النمسا قدمـت للعالم الاسلامى أعظم هدية وهو المستشرق النمساوي الشهيـر باسم (محمـد أسـد) الذى ولـد يهوديـا في النمسا عـام 1900، تحـت أسـم "ليوبولـد فايـس" ودفــن مسلما في غرناطه بإسبانيا عـام 1992 تحت أسـم "محمـد أسـد"، وهو كاتب وصحفي ورحالة ومفكر ومصلح اجتماعى ودبلوماسي، درس الفلسفة في جامعة فيينا؛ وعمل مراسلاً صحفياً وطاف  العديد من دول العالم الاسلامى، بما فى ذلك حجه الى بيت الله الحرام بمكة المكرمة  وشارك ايضا في الجهاد مع الشهيد عمر المختار، اثناء مقارعته للاستعمار الايطالى  واصدر بعدها كتابه المعروف تحت عنوان ( الطريق إلى عمر المختار) اضافة الى عدد من المؤلفات الاسلامية الاخرى منها على سبيل المثال لا الحصر:

- منهاج الإسلام في الحكم.
- الإسلام على مفترق الطرق.
- الطريق إلى الإسلام.
- رسالة القرآن
- الطريق إلى مكة.
- ترجمة وتعليقات على صحيح البخاري.

كما ترجـم القـرآن الكريم الى اللغة الإنجليزية، وهو الذى قـال عن اليهـود (الذى هو منهم  أنهـم حرفـوا معاني التـوراه وأن البشـارة بمحمـد - رغما عن هذا التحريف - ما زالت موجـودة في بعـض النسـخ الحالية منهـا.

ورغمــاعـن أن دولة اليونـان لا تعامل مسلميها بطريقة ودية وعادلة كما أسلفـت القـول  نتيجة لبعض الترسبات العدائية بينها وبين تركيا العثمانية، فـإن "النمسا" لا تحكمها أى عقـد دينية او تحيـزات عنصرية  ضـد مسلميها وهى على العكـس من ذلك، يعامل المسلمون النمساويون فيها على قـدم المساواة كمواطنين من الدرجة الاولى. وحتى المتجنسين من المسلمين بالجنسية النمساوية لا تفـرض عليهم الدولـة تغييـر ديانتهـم او اسمائهـم كما يحـدث فى بعض الدول الاوربية التى تشترط تغيير الديانة  الإسلامية للحصول على الجنسية.
ومن المعروف أن الإسلام دخـل الى النمسا في العصور الوسطى عن طريق التجارة. ولقى المسلمون فيها ترحـاباً واسعـاً، واستقـروا فيها فى مستوطنات  فى جنوب المملكة وعملوا بها كجنود، أو مستشارين ماليين أو فنيين أو عمال في البلاط الملكي، وفي  الربع الاول من عام 1782، أصدر القيصر "جوزيف الثاني" مرسوم التسامح، وتم بموجبه إنشاء اول مقبرة للمسلمين في فيينا.

وفي عام 1878 عندما تم تسليم منطقتي البوسنة والهرسك إلى مملكة "النمسا - المجر"  بناءً على قرار اجتماع برلين كان المسلمون يشكلون ثاني أقوى مجموعة قومية في المملكة التي كانت تضم العديد من القوميات. وبعد تجاوز صعوبات البداية، تعلم المسلمون الذين عاشوا هناك حب النمسا، والتحق كثير منهم بالعمل في الجيش القيصري؛ حتى أن القيصر "جوزيف الأول" أنشأ مسجدين للصلاة في الثكنات العسكرية بمدينة فيينا وكلف  وعين إماما ومفتى  للاشراف على هذين المسجدين.

وبنهاية عهد الملكية وإنفصال إقليم البوسنة والهرسك، تقلص عدد المسلمين في النمسا بشكل متسارع، الا ان هذا لم يمنع عدد من المسلمين النمساويين عام 1963 من تأسيس جمعية خيرية اجتماعية اسلامية وكذلك بناء مسجد كبير بالقرب من جامعة فيينا، ثم فى 1979 أصدرت وزارة التعليم والفنون الاتحادية النمساوية قرارا بالموافقة على إنشاء هيئة دينية رسمية إسلامية  تهـدف الى:

- تقديم الرعاية الروحية للمسلمين النمساويين، وخصوصًا الرعاية المدرسية لأطفالهم في حصة التربية الدينية، وتأهيل مدرسي ومدرسات التربية الدينية من أجل الإهتمام بحصص التربية الإسلامية في المدرسة.

- تمثيل المسلمين النمساويين على مستوى الدولة في الإتحاد، الولايات والمقاطعات وأيضًا في الأحداث الدولية، الاهتمام العام بشئون أماكن الصلاة والدفن الخاصة بالمسلمين.

- دمج العمال الزائرين واللاجئين المسلمين في المجتمع النمساوي، وحثهم على التسامح المتبادل والتفاهم بين أهل البلد والأجانب.

يتجاوز عدد المسلمين في النمسا طبقًا لآخر التقديرات  500.000 نسمة، يقيم منهم في فيينا وحدها قرابة 130000 شخص. و يمثلون حوالى 7% من سكان النمسا ويتمتعون بإعتراف فريد من نوعه في أوروبا، ومن خلال هذا الاعتراف، أمكن تأسيس الهيئة الدينية الإسلامية كمرجعية للقانون العام تمثل المسلمين أمام الهيئات والمجتمع النمساوى، وتحرص على رعاية مصالحهم وتنقل آراءهم ورغباتهم.

وعن طريق هذه الهيئة تمكن المسلمون من تدريس حصة التربية الدينية لحوالي 40 ألف تلميذ وتلميذة مسلمة خلال العام الدراسي، بل أمكن أيضًا تنظيم الرعاية الدينية للمرضى المسلمين في المستشفيات النمساوية.

وتتميز النمسا في تعاملها مع الإسلام والجالية الإسلامية بموقف إيجابي فريد من نوعه. فقد جرت العادة على أن يدعو الرئيس النمساوي وأيضًا رئيس البرلمان وعمدة فيينا المسلمين لحضور حفل الإفطار الجماعي الذي يقيمونه في شهر رمضان المبارك من كل عام  كبرهان على احترام وتقدير المسؤولين في النمسا للجالية الإسلامية.

ويقام هذا الحفل في "الهوفبورج" مقر اقامة الرئيس النمساوي، وفي البرلمان النمساوي ومبنى بلدية فيينا. ويمكن للضيوف المدعوين إقامة صلاة المغرب هناك أيضًا. ويعد هذا الأمر نموذجا واضحاً على قيام النمسا ومدينة فيينا بشكل خاص بمبادرات إيجابية تجاه الاسلام والمسلمين.

وتعد مدينة فيينا نموذجًا مثاليًا على احترام الإسلام والمسلمين؛ حيث نفذت المدينة العديد من الأعمال والإجراءات التي تظهر "حسن نيتها" تجاه المسلمين على مستوى أوروبا، مثـل:

1-  تخصيص قطعة ارض بمساحة 34 ألف متر مربع للهيئة الدينية الإسلامية وبنـاء المقبرة الإسلامية  بها في حي " ليسينج " بفيينا.

2- تسمية المدخـل الرئيسي لمبنى الأمم المتحدة في فيينا بإسـم (ميدان محمد أسـد) تخليدا لذكرى المستشرق المسلم النمساوي الشهير "ليوبولـد فايـس" الذي أسلم وأطلق على نفسه إسـم "محمد أسـد" في بداية العشرينات.

3- كما نفـذت النمسا على الصعيـد الإتحادى العـديد من المشاريع والإجـراءات المختلفة مثل تعيين الأئمة في الجيش الإتحادي النمساوي وإنشاء المساجـد في الثكنات العسكرية للمجندين المسلمين في فيينا. فضلاً عـن توفيرالطعـام "الحلال" لهم والذي يتم إعـداده وفقـاً للشريعة الاسلامية وغير ذلك من مقومات الحياة الإسلامية.

4- تسهيل احتفالات المسلمين بالأعياد الإسلامية والاشتراك في إقامة الشعائر الدينية. وتجدرالإشارة هنا أيضًا إلى أن النمسا كانت ولا زالت ضـد سياسة حظـر ارتـداء الحجاب في المدراس النمساوية.

وأخيرا  بعـد هذه الجولة  بكم  داخـل  خبايا الإسلام فى النمسا، فإنه حـرى بنا أن نعتبر النمسا (التى يوجد بها حاليا  قرابة 87 مسجدا  منها حوالى 27 مسجدا فى فيينا العاصمة) جنة المسلمين في أوروبـا، فـلا اضطهـاد من قبل الدولة ولا تمييز تمارسه الأغلبية المسيحية ضـد الأقليـة المسلمة فيها، بخلاف الأقليات الإسلامية، في العـديد من دول القـارة الاوروبية العجـوز، كاليونـان وفرنسـا وهولنـدا وإيطاليـا. التى يعانى المسلمون فيها من سياسة التمييز والإضطهاد العنصرى والدينى.

http://libya-al-mostakbal.org/archive/author/2497

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com