http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

د. أحمد ابراهيم الفقيه: ما حدث لبلدة مزدة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 47 ارسل لصديق نسخة للطباعة

 



جزء من بلدة مزدة القديمة التي تميزت بنسقهاالخاص في البناءوالمعمار

واعرف ما حدث لها باكثر مما اعرف عن مدن وبلدات اخرى داخل القطر الليبي، لانها البلدة التي انتمي اليها، اسرة ومولدا، والتي قضيت بها اول مراحل العمر، ولم تنقطع صلتي بها بعد ذلك الى هذا اليوم، لوجود عدد من افراد عائلتي يقيمون اقامة دائمة بها، ورغم هذه المعرفة فقد اجد صعوبة في الالمام بكل ما حدث لها في العهد الانقلابي، لتعدد الحلقات والمواقف ونوع الصراع الذي حكم العلاقة بينها وبين النظام في مختلف اطواره ومراحله، وهو نظام كان يفخر بسجله التنموي في الارياف دون المدن، ومناطق العمق الصحراوي دون مدن الشريط الساحلي، باعتبارها مناطق عانت من الاهمال والتخلف قبل مجيء الانقلاب، الا ان بلدة مزدة تنفع دليلا على كذب هذا الادعاء، او على الاقل ان هذا الادعاء اذا صدق مع منطقة من المناطق، لاعتبارات جهوية وعشائرية، فانه لا يصدق مع مناطق اخرى، استهدفها النظام بالاهمال والتهميش مع سبق اصرار وترصد، هذه العلاقة المرتبكة المشوبة بالحقد والعداء، بدأت ربما منذ اليوم الاول لانقلاب سبتمبر عام69، فقد نقلت اخبار العالم في نشراته المرئية والمسموعة وصحافته ووكالات انبائه خبر الانقلاب العسكرى في ليبيا الذي خضعت له البلاد، دون مقاومة، ما عدا، كما جاء في الاخبار، بلدة صغيرة جنوب طرابلس هي مزدة، التي خرج اهلها يرفضون الانقلاب، ويعلنون الولاء للعرش السنوسي، وكنت اثناء الانقلاب موجودا في طرابلس، التي عدت اليها لقضاء اجازة الصيف، قادما من مقر الدراسة في لندن، وكنت احد الذين فوجئوا بالانقلاب، الذي جاء دون توقع، الا انه كان موضع ترحيب من اغلب الليبيين، ولم تكن بلدة مزدة استثناء من هذا الترحيب، لان النظام الملكي ارتكب من الحماقات والموبقات في الجانب السياسي، ماجعل اهل البلاد ينفرون منه، ويغضبون من ممارساته، ويتطلعون الى تغييره، بنظام افضل واكثر احتراما لارادة الشعب، وكان ما اذيع عن مقاومة الانقلاب في مزدة، خبرا كاذبا، مدسوسا، من جهة ما، لاحراج النظام الجديد، واختار بلدة مزدة باعتباره بلدة نائية، على تخوم الصحراء، قد يطول الوقت قبل التحقق مما حدث فيها، خاصة وان السلطة الدينية فيها، في ايدي عائلة السني التي تدين بالولاء للملك، وللطريقة السنوسية، وكان مؤسس العائلة، هو من عهد اليه محمد على السنوسي بانشاء زاوية مزدة التي كانت احدى اولى الزوايا السنوسية التي تاسست في البلاد.

هذه محطة اولى، ربما اعطت انطباعا سلبيا عن البلدة لقائد الانقلاب،  والمحطة الثانية وهي ذات التأثير الاساسي، تبدأ مع بداية انفراده بالسلطة، ورغبته في توطيد اركان الحكم لصالحه وصالح المجموعة الخاصة من اهله واعوانه وابناء قبيلته، بعد ان باشر في تهميش شركائه في الانقلاب، والاستعانة باهل الريف والبادية، واستخدامهم في مواجهة القوى المدنية والطلائع المستنيرة التي تسكن المدن، وارسل مبعوثيه الى الواحات ومناطق التجمع السكاني في البادية، للفوز بتأييدهم ومناصرتهم، وجاء كبير مندوبيه القبليين، الى مزده، ليبحث مع اهلها الاواصر المشتركة، التي تؤسس لعلاقة الدعم والمناصرة والتاييد لصاحب النظام، من قبل الحراك العشائري في منطقة مزدة، وقد وجد من اهلها ما كان متوقعا من ترحيب وقبول، وتعهد اهل مزدة المركز، للسيد خليفة حنيش، بتقديم كل ما ينشده رئيسه من ولاء ومناصرة وتأييد.

الا ان السيد المندوب، اراد ترجمةعملية لهذا الكلام، وهو توجيه كل شبابهم ممن يدرسون في المرحلة الثانوية، الى الكليات العسكرية، ليتخرجوا ضباطا وضباط صف، بل حتى من وصل الجامعة، اراد اعادة توجيهه، الى الدراسة العسكرية، فلابد، كما قال لهم، لتحصين الثورة وتحصين القيادة الثورية لها، ان يكون الجيش من ابناء العشائر الموالية، وهنا ابدى اهل مزدة المركز قليلا من التحفظ على هذا الكلام، قائلين بانهم مثلهم مثل بقية الشعب الليبي، عاشوا لاجيال واجيال محرومين من التعليم، فلا يريدون اليوم، وقد اتاحت الظروف فرص التعليم لابنائهم، ان تغلق الابواب فلا يبقى الا الباب العسكري، فهناك مجالات يطمح الجيل الجديد الى دخولها مثل الطب والهندسة والحقوق والتربية والادارة والاقتصاد،  ولهذا فهم يعبرون عن ولائهم للثورة ورئيسها، وخدمة النظام الثوري، في كل هذه المجالات، وليس فقط في المجال العسكري.

عقب هذا الاجتماع، الذي لم يصل الى نتائج ترضي رأس النظام،  جاء الى زيارة البلدة محافظ منطقة الجبل الغربي، وكان اسمه عمار ضو، ليقول لاهلها بان يستعدوا للنزوح منها، وتهجيرهم الى منطقة ذات جدوى اقتصادية، اكثر من هذه المنطقة التي نضبت مواردها ولم تعد صالحة للمعيشة، وهي منطقة في وادي الهيرة، حيث تتوفر ارض للرعي والزراعة، وستقدم لهم الحكومة هناك تسهيلات لاعادة توطينهم وبناء مساكنهم. ووضعهم امام خيارين لا ثالث لهما، الاول هو التهجير، اما اذا اختاروا البقاء وهذا شأنهم، فان بلدة مزدة سيتم اخراجها من خطة التنمية، ومعنى ذلك لن تبنى فيها المدارس ولا مشاريع الاسكان ولا شق الطرق وتعبيدها ولا مشاريع الانارة ولا انشاء المشاريع الصناعية ولا استصلاح الاراضي.

كان واضحا انه عقاب انزله بهم عقيد الانقلاب، بسبب الامتناع عن ارسال شباب البلدة الى الجيش، وكان الاقتراح الذي قدمه احد شيوخ البلدة، هو استدعاء السيد خليفة حنيش، وابلاغه برضوخهم الى طلبه الخاص بتوجيه الاولاد الي الجيش، ولكن ليس لخدمة النظام، وانما لتكوين تنظيم داخل الجيش مناويء للنظام يسعى لتحقيق انتقام البلدة منه، والعمل ضده لا معه، الا ان صوتا اكثر عقلا عارض ما قاله الشيخ، بحجة ان الرجل الذي جاء الى الحكم بالانقلاب، سوف لن يسمح اطلاقا بحصول انقلاب ضده حتى لو ادى الى ذبح كل انسان يرتدي البزة العسكرية.

ووصلت الرغبة في الانتقام، انه عندما اخترع الفانتازيا المائية الصناعية المسماة النهر الصناعي العظيم، جعل انابيبه تمتد عبر كل ليبيا، باستثناء بلدة مزدة، ورغم وجود خريطة للانابيت تقضى ان تكون مزدة محطة عبور الى الشمال، تدخل لالغاء عبور اي انبوب منها، انتقاما وحقدا.

ولم يكن غريبا بعد ذلك، ان تكون بلدة مزدة في طليعة البلدات التي انتفضت ضد حكمه الجائر منذ اول يوم لقيام ثورة 17 فبراير، والتحمت مع الزنتان لتتصدر  الثورة التي وضعت نقطة النهاية للنظام ورئيسه.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com