http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

أحمد الفيتوري: بورتريه الترهوني

ليبيا المستقبل 0 تعليق 59 ارسل لصديق نسخة للطباعة

بورتريه الترهوني
 



 


آه، الدول الصغرى. في إطار هذه الحميمية الدافئة، كلنا يحسد الآخر، كلنا يراقب الآخر. "أسرتي، إني أكرهك" ولا زال مقطع آخر لجيد: "ليس هناك ما هو أشد خطرا عليك من أسرتك ذاتها، من حجرتك الخاصة، من ماضيك.. عليك أن تهجر ذلك كله وللأبد. * ميلان كونديرا – الطفل المنبوذ.

[كذلك الجرنال الفرنساوي متوقف على اذن السيادة، لان مواده حاضرة اليوم مدة شهر لم يطبع والخدمة الذين بالمطبعة، معاشهم متوقف]: حسونة الدغيس في رسالة إلى الصدر الأعظم في الأستانة عام 1826م، كان حسونة مؤسس للصحافة باللغة الفرنسية في الإمبراطورية العثمانية، في هذه الرسالة يشتكي حسونة، الذي كان أول رئيس لتحرير لأول صحيفة بالفرنسية في الدول الإسلامية، من عدم توفر الإمكانيات، وقد ترجم إلى الفرنسية كتاب "المرآة" لمؤلفه الجزائري حمدان الخوجة، ويعد هذا الكتاب بمثابة الكتاب الأبيض في المسألة الجزائرية. كذلك ترجم عن الفرنسية للغة العربية السائدة آنذاك - كما يظهر ذلك في الشذرة التي اخترناها من رسالة حسونة أعلاه - كتاب فتل VATTEL وهو ليس فقط بحث في حقوق الإنسان بل أيضا دائرة معارف للحقوق المدنية كما يشير الدكتور عبد الجليل التميمي.

وهكذا فإني أعد حسونة الدغيس أول مترجم ليبي معروف ذكرته بعض الكتب المتخصصة في تاريخ شمال أفريقيا. ثم توالت عملية الترجمة خاصة مع صدور أول صحيفة ليبية في طرابلس الغرب عام 1866م، حتى نجد في النصف الأول من القرن العشرين العديد من المترجمين الذين ترجموا - خاصة عن الإيطالية بعض من الآداب الإيطالية كالكوميديا الإلهية لدانتى التي ترجم منها الكثير ونشر بالصحف. أما القاص وهبي البوري فقد ترجم في ثلاثينات القرن المنصرم، لأول مرة إلى اللغة العربية أعمال قصصية إيطالية مختلفة وقصص للويجى بيرانديللو الذي سوف يترجم له الناقد والباحث خليفة التليسي - مطلع الخمسينات -بعض قصصه ومسرحياته كما ترجم للبرتومورافيا.. وغيره، وسوف يكون التليسي من المترجمين العرب الذين اهتموا بترجمة الآداب حيث ترجم أعمال لوركا وطاغور الشعرية الكاملة ومختارات من الشعر العالمي، أما يوسف الشريف فقد ترجم من أدب الأطفال عند شعوب العالم. وقد توالت الترجمة الليبية في هذا المجال وغيره في كترجمة نجيب الحصادي في فلسفة العلوم وترجمته للموسوعة الفلسفية / أكسفورد، ترجمة محمد الوافي للحوليات التونسية، وزخرت الصحف والمجلات منذ صدور أول صحيفة ثم أول مجلة عن لغات عدة خاصة التركية التي ترجم عنها محمد الأسطى.

لكن الترجمة إلى اللغة العربية لم تزخر رغم ذلك بالاهتمام الضروري، فقد عدت من لزوم ما لا يلزم، ويذكر "تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002م": أن الكتب المترجمة أرقامها هزيلة للغاية، فالعالم العربي يترجم سنويا ما يقرب من 330 كتابا، وهو خمس ما تترجمه اليونان، والإجمالي التراكمي للكتب المترجمة منذ عصر المأمون حتى الآن يبلغ 100000 كتاب وهو ما يوازي تقريبا ما تترجمه أسبانيا في عام واحد.

وكذلك فإن تاريخ الترجمة إلى العربية حافل بالطرائف التي توكد أن مهمة الترجمة ليست من المهام الأولى في عصر النهضة الحديث. وفي هذا فإن ترجمات لطفي المنفلوطي الشهيرة قد تمت وهذا الكاتب لا يعرف أية لغة غير العربية ؛ تفسير ذلك أن المنفلوطي كان يطلب ممن يعرف اللغة الفرنسية أن يحكى له محتوى الرواية ثم يقوم المنفلوطي بصياغتها عربيا ؛ إن مجدولين هي من بنات المنفلوطي غير الشرعيات. وقد قمت والصديق عبد الحميد البشتي بشيء من هذا: أتيح لنا في السجن الحصول على كتب بالإيطالية، كان عبد الحميد يجيد الإيطالية فيقوم بالترجمة الشفهية إلى العامية والفصحى معا، مدققا في المعنى لا في الأسلوب حيث أقوم بعد ذلك بصياغة هذه الترجمة، وبهذه الطريقة أصدرنا أكثر من كتاب - في ظروف السجن - عن النهضة الإيطالية وغير ذلك، مما اتاح للزملاء الإطلاع والمعرفة وإشغال الوقت الجم في النافع.

‍من هذه التجربة، من غيرها من القراءات، توكد لي أن الترجمة إعادة تأليف للنص المترجم النص الذي يصبح من حق المترجم في النهاية، انه ملكه وليس ملك مؤلفه. إن اختلاف المترجمين للنص الواحد قد جاء من أن: كل مترجم يعيد كتابة النص المترجم، مستندا على مرجعية هي نتاج تمكنه من اللغتين المترجم منها والمترجم إليها، نتاج ثقافته في اللغتين وفي الموضوع المترجم فيه، معرفته بإسرار اللغتين وذائقته فيهما.

إن المثل الإيطالي الذي يقول: "الترجمة غش الحبر بالماء، صائب. لأنه يعنى أن الماء هو ذات المترجم وأن الغش قائم في عملية النقل ذاتها؛ المترجم الفلاح الذي يلقم نوعين مختلفين من الفاكهة فينتج نوعا يجمع بين خصائص النوعين، لكنه مختلف عن أي نوع مما لقم. يرى هيدجر: أن اللغة منزلة الوجود، لهذا فإن أرى منزلة الترجمة بين منزلتين فالترجمة فيها شيء ما حي من الأصل تنقله في النص المترجم، لكن ثمة جزء يستأصل في هذه العملية، بيد أنه ثمة إضافة حية للنص من اللغة المنقول إليها، فيكون النص المترجم بذا النص الحي / الميت. ولهذا السبب فإن كل نص يشتكي من مترجمه كما يذيع ميلان كونديرا دون أي سخرية: إن موقف المترجم دقيق للغاية؛ إنه يجب أن يكون مخلصا للمؤلف وفي نفس الوقت لشخصيته كمترجم؛ فما العمل؟. إنه يريد - بوعي أو بغير وعى - أن يمنح النص أو يغلفه بحسه الإبداعي الخاص؛ وكأنه سيعطيه كل مشاعره، إنه يختار كلمة لا تخون المؤلف بشكل واضح ولكنها لا تزال تنبثق من مبادرته الشخصية.. أوه أيها المترجمون لا تمارسون فينا..". 

هذا الحوار الدائم بيني وبين الصديق فرج الترهوني الذي ترك وظيفته مؤخرا واتخذ الترجمة طريقه الذي لا يكل في حفره، و لا نكل في مناقشته، وقد وجد فرج في الترجمة القماشة التي تروى عطش الروح، وفي الآداب هذه الروح، وإنه وان لم يتخذ من الكتابة سبيلا فقد كانت قراءة الإبداع شغفه، هو الذي يشده عراك الصعب. أعتقد أن فرج الترهوني أول مترجم ليبي للرواية على الأقل فيما هو منشور، وأول مترجم ليبي يحضى بالنشر لسلسلة من الكتب في فترة قصيرة نسبيا، وقد نشر أول رواية من ترجمته في سلسلة إبداعات عالمية الكويتية وله رواية ثانية تصدر عن هذه السلسلة. 

وقد شدني من البدء هذا العمل الدءوب والذي لا يكل للترجمة إلى العربية عن الإنجليزية اللغة التي يجيدها فرج الترهوني، ومحاولاته المستميتة لدراسة فن الترجمة والقلق المكثف لتجويد ترجمته. ومن أجل توضيح مهمته كمترجم فإنه كتب مقدمة ضافية لترجمة رواية "كثبان النمل في السفانا " لتشنوا أشيبي الكاتب النيجيري الشهير: يجرنا موضوع اللغة هنا إلى نمط الكتابة عند أشيبي، فهو لا يلتزم بأسلوب روائي واحد، ويبدو بعض مقاطع من روايته مزيجا سرياليا غريبا، يحوى رؤى وأخيلة، وينحو في هذا العمل إلى الدخول في تأملات فلسفية، لها علاقة أكيدة بالموضوع ولكنها مليئة بالأساطير والحكايات الشعبية للوصول بها إلى المعنى الذي ينشده، و لا يخفي ولعه بالأمثال والحكم الأفريقية الشعبية، التي لا يأنف من ترديدها في كافة أعماله، بل قد يكررها في العمل نفسه أكثر من مرة في مواضع مختلفة، ويبين غرامه الشديد باستعمال المترادفات والتلاعب اللفظي لإحداث تأثير معين لدى المتلقي، وقد لا يكون من السهولة ترجمة جملة فيها مثل تلك المترادفات، لتحدث التأثير المنشود نفسه لدى قارئ العربية، الذي تحدثه لدى القارئ بلغة الأصل، وحيث لم يكن منسبا وضع هوامش لتفسير بعضها فقد حاولنا إضافة التعبير باللغة الأجنبية أحيانا.. الخ ". 

وقد أطلت هذا الاستدلال كي أبين أسلوب فرج الترهوني، وأيضا الحس النقدي لفرج الترهوني الذي يجعله يتمكن من تقديم وجهة نظر فيما يترجم، وبالتالي يقدم فكرة ضافية للقارئ حول المؤلف وحول النص هذا التقليد الذي أتمنى أن يتبعه في كل أعماله. 

فقد كنت كثيرا ما أقرأ نصوصا دون معرفة بمؤلفيها أو بوجهة نظر نقدية تضئ لي ما أتلقي. وفي هذه المقدمة يشير الترهوني إلى طريقته في تذليل صعاب ترجمة العامية الإنجليزية الإفريقية، حيث استعان ببعض العمال الذين بحث عنهم في شوارع مدينته بنغازي الزاخرة بمثل هؤلاء، وعند ترجمته لرواية هندية دعي لبيته طبيبا هنديا ليناقشه في بعض ما غمض عليه من تقاليد هندية احتوتها الرواية، ولم يكتف في ذلك بما تقوله القواميس الميتة. 

فهل هو بهكذا أسلوب عمل يوافق كونديرا - أم العكس -؟؛ من أنه: "بالنسبة للمترجم، المرجع الأعلى يكون الأسلوب الشخصي للمؤلف، ولكن معظم المترجمين يخضعون لمرجع آخر؛ إنهم يخضعون للنموذج الحرفي لـ الفرنسية الجيدة، الألمانية الجيدة.. الخ، بالتحديد، الفرنسية، الألمانية تلك التي نتعلمها في الفصول الدراسية. إن المترجم يعتبر نفسه سفيرا من ذلك المرجع إلى المؤلف الأجنبي؛ هذا هو الخطاء، إن زى مؤلف له بعض القيمة لا بد أن يتجاوز ذلك الأسلوب الجيد وفي هذا الانتهاك تكمن أصالته؛ ومن ثمة علة وجود فنه. إن جهد المترجم الأساسي يجب أن يوجه لفهم ذلك الانتهاك". 

يبدو واضحا أن كونديرا يعتبر أن انتهاك مقدس اللغة هو أساس الترجمة، كما هو أساس التأليف فالترجمة تالية لانتهاك المبدع للغة، وبالتالي من تحصيل الحاصل أن تتخذ الترجمة من أسلوب المؤلف لغة ؛ التأليف هنا هو اللغة، التي لا تكمن في القواميس والقواعد إلا باعتبارها علامات متفق عليها وسلوك سائد. تحضرني هنا قصة طريفة: أحد مترجمي فيكتور هيجو؛ صادفته كلمة في قصيدة لهيجو لم يعرف لها معنى ولم يجدها في القواميس فاتصل مستعينا بهيجو الذي قال: إذا كانت هذه الكلمة لا توجد في الفرنسية، فقد وجدت منذ وضعتها. هذا حال المفردة فما بالك بالأسلوب الذي يشير له كونديرا. 

ومن جهة أخرى لقد خلط الترهوني بين ترجمة الآداب والسياسة وبعض المقالات العلمية، هذا يمكن أن يوسع تمكنه من عملية الترجمة؛ خصوصا على مستوى المصطلحات والمفردات، غير أن التخصص سيكون في تقديري أكثر أهمية على مستوى الأسلوب ؛ حيث أن ظلال الشعرية في العمل الأدبي تحتاج لجهد مكثف وأكثر خصوصية. وفي غير هذا فإننا نجد المكتبة الليبية ينقصها الكثير من التراجم ؛ لعدم اهتمام المترجمين العرب ما يخص ليبيا لأنه غير مطلوب من الناشرين من جهة، ولأن ليبيا تبدو من أخر اهتمامهم، هناك في المكتبات الأوربية الكثير من الكتب التي من الضرورة بما كان ترجمتها إلى العربية. 

أخيرا لقد كتب الشاعر والناثر والمترجم الشفاف بسام الحجار كتابا في مديح الخيانة، وانه من أجمل الخيانات ؛ خيانة المترجم التي لولاها للفنا صقيع مبدعي اللغة الواحدة الأحد، وقدسية اللغة الأم التي لو لم نخنها لما كانت البشرية، لما وضعت قدمنا الحديدية الأولى على المريخ هذه الأيام وأنا أكتب هذا. 

أحمد الفيتوري

ـــــــــــــ
هوامش:

كتبت هذه الرسالة عام 1836 م قبيل وفاته في 17 ديسمبر من نفس العام، بعد أن عاش حسونة الدغيس حياة من الصراع الثقافي والسياسي، وبعد أن عاش هاربا بين باريس ولندن والآستانة. حدث ذلك اثر مؤامرة لعزله من منصبه كوزير للخارجية، ولبث الشقاق بينه وبين حاكم البلاد صهره يوسف باشا. ساهم في هذه المؤامرة السفير الإنجليزي ورنجتن - زوج البنت غير الشرعية للملك جورج الرابع - في إيالة طرابلس. هذا السفير اتهم حسونة الدغيس بالتآمر، مع قنصل فرنسا العام بطرابلس ومراسل المجمع العلمي الفرنسي البارون روسو، في قتل الرحالة الإنجليزي الميجر لاين، وأن حسونة سلم وثائق الميجر لاين للبارون روسو. وقد كان والد حسونة الدغيس وزيرا للخارجية لحكومة يوسف باشا القره مانلى بايالة طرابلس الغرب، وقد شجع هذا الوالد ابنه حسونة على دراسة ومعرفة الحضارة الأوربية ؛ وأقام لأجل ذلك زمنا طويلا بأوروبا لدراسة لغاتها، قوانينها، وعادات شعوبها، كما ساح في بلادها خاصة فرنسا وانجلترا، وقد عده سفير للسويد بأنه: نادرة زمانه في المعرفة والعلم.

أقام حسونة الدغيس بفرنسا أكثر من سنتين، وأصبح يتكلم اللغة الفرنسية بطلاقة، وتمكن من الكتابة بالفرنسية كما تبين الكثير من الرسائل التي وجهها إلى المسئولين بخصوص قضية الميجر لاين. كذلك فإن علاقته بالبارون روسو كانت علاقة علمية كما تبين الحوليات الليبية، إلى جانب إصداره للصحيفة الفرنسية بالآستانة.

نشر كتاب "المرآة" لحمدان بن عثمان خوجة مترجما من العربية إلى الفرنسية بقلم: ح، د.. الشرقي وهي الحروف الأولى لحسونة الدغيس.

المرجع الوحيد الذي بين يدي فيما يخص حسونة الدغيس هو كتاب الباحث ومؤسس مركز البحوث التاريخية في زغوان بتونس الدكتور عبد الجليل التميمي. وهناك مخطوط يخص حسونة الدغيس للمؤرخ الليبي محمد بازامه، الذي توفى دون أن يتمكن من نشره هو وغيره من المخطوطات. كم نأمل من أصحاب المال ورجال الفكر والمهتمين من الليبيين أو من غيرهم - حيث ليس لليبيين اهتمام يذكر بتاريخ بلدهم - العمل على نشر هذا المخطوط، والبحث في هذه الشخصية والدعم المادي لمن يرى أهمية القيام بمثل هذا. وان الرجاء لازال منصبا على الدكتور عبد الجليل التميمي الذي أزال الغبار عن مثل هذه الشخصية الهامة تاريخيا، في تبيين العلاقة بين الشرق والغرب منذ أكثر من قرنين تقريبا.

نشر فرج الترهوني العديد من القصص القصيرة المترجمة في المجلات الليبية والعربية، كذلك ترجم ونشر مقالات علمية في مجلة الثقافة العالمية الكويتية.

كثبان النمل في السافانا - رواية - تشنو أشيبي - ترجمة فرج الترهوني - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - إبداعات عالمية – العدد 339 – ديسمبر 2002م.

الحرب في زمن السلم، بوش، كلنتون، والجنرالات - ديفيد هالبرستام - ترجمة فرج الترهوني - الهيئة القومية للبحث العلمي - طرابلس - الطبعة الأولى: 2002م.

قصص افريقية - ترجمة فرج الترهوني - مجلس تنمية الإبداع الثقافي - بنغازي - الطبعة الأولى 2003م.

موت فيشنو - رواية - للكاتب الهندي مانيل سوري - ترجمة فرج الترهوني - تحت الطبع - سلسلة إبداعات عالمية - الكويت.

• وغير ذلك من الكتب والمقالات والقصص القصيرة لفرج الترهوني التي اطلعت عليها منشورة أو مخطوطة.

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com