http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

ثَقَـافَةُ الجَـوْدَةِ

ليبيا المستقبل 0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة

                                      ثَقَـافَةُ الجَـوْدَةِ
بقلم: خـالـد خـميس السحـاتي
 khalidasshati@yahoo.com



يُعْتَبَرُ الاهْتِمَامُ بِجَوْدَةِ التَّعْلِيمِ أَحَدَ أَهَمِّ مُؤَشِّرَاتِ تَقَدُّمِ أيِّ دَولَةٍ؛ عَلَى اعْتِبَارِ أنَّ التَّعْليِمَ هُـوَ المِحْوَرُ الأَسَاسِيُّ فِي بِنَاءِ وَتَأْهِيلِ كُلِّ الكَوَادِرِ العَامِلَةِ فِي قِطَاعَاتِ الدَّولَةِ المُختَلِفَةِ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى الحُقبَةِ الخَاصَّةِ بِالعِشْرِينَ سَنَة المَاضِيَةِ "العقدُ الخَاصُّ بِالجَوْدَةِ"، وَحَسَبَ بَعْضِ الخُبَرَاءِ فَإِنَّ: "البَحْثَ عَنِ الجَوْدَةِ مَا يَزَالُ مَسْأَلَةً مَرْكَزِيَّةً تَتَمَتَّعُ بِالصَّدَارَةِ، فِيمَا نَحْنُ نَدْخُلُ القّرْنَ الحَادِي وَالعِشْرِينَ"، بِمَعْنَى أَنَّ مَوضُوعَ البَحْثِ عَنِ الجَوْدَةِ، وَخُصُوصاً فِي قِطَاعِ التَّعْلِيمِ، مَا يَزَالُ يَحْتَلُّ أَهَمِّيَّةً بَارِزَةً فِي ظِلِّ التَّطَوُّرَاتِ التِي يَشْهَدُهَا العَالَمُ كُلَّ يَوْمٍ، سَـوَاءٌ عَلَى صَعِيدِ تِكنُولُوجيَا المَعْلُـومَاتِ وَثَوْرَةِ الاتِّصَالاَتِ، أَوِ التَّنَافُسِ الشَّدِيدِ بَيْنَ المُؤَسَّسَـاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ عَـبْرَ العَالَـمِ فِي تَقْدِيمِ مُخرَجَاتِهَا التَّعْلِيمِيَّةِ وِفْـقَ أَحْدَثِ الأَسَالِيبِ، وَاعْتِمَادِ مُؤَهِّلاَتِهَا مِنْ مُؤَسَّسَـاتِ اعتْمَادٍ دَوْلِيَّةٍ مَرْمُوقَـةٍ. فَالجَوْدَةُ فِي مَجَالِ التَّعْلِيمِ تَرْتَكِزُ عَلَى تَشْخِيصِ البِيئَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ الحَالِيَّةِ؛ لِمَعْرِفَةِ مُمَيِّزَاتِهَا وَعِيُوبِهَا، ثُمَّ تَهْيِّئَتِهَا بِالشَّكْلِ الذِي يُلاَئِمُ تَطْبِيقَ الجَوْدَةِ، بِالمُوَاصَفَـاتِ وَالمَعَايِيرِ المَطْلُوبَةِ لِقِطَـاعِ التَّعْلِيـمِ.
وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الجَوْدَةِ مِنْ مَنْظُورِ دِينِنَا الحَنِيفِ سَنَجِدُ أَنَّهَا أَسَاسٌ مِنْ أَسَاسِيَّاتِهِ، إِذْ جَاءَ التَّأْكِيدُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيز: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِـمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ".{سُـورَةُ التَّوْبَةِ، الآيـَةُ:106}، وَيَقُـولُ رَسُـولُنَا الكَرِيـمُ عَـلَيْهِ الصَّـلاَةُ والسَّـلاَمُ: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَـانَ عَلَى كُـلِّ شَيْءٍ". (رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِم)، وَوَرَدَ أَيْضاً التَّأْكِيدُ عَلَى إِتْقَانِ العَمَـلِ في السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ وَمِن ذَلِكَ: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ". (رَوَاهُ البَيهَـقِيُّ والطَّبَرَانِيُّ وأبُو يَعـلى). وَهَـذِهِ الأَمْثِلَةُ تُشِيرُ بِوُضُوحٍ إِلَى أَنَّ الجَوْدَةَ تَرْتَكِزُ فِي الإِسْلاَمِ عَلَى: إِحْسَـانِ العَـمَلِ وَإِجَـادَتِهِ وَإِتْقَانِهِ، فَالإِحْسَـانُ فِي اللغَةِ العَـرَبِيَّةِ: بَذْلُ المَنْفَعَةِ وَالخَيْرِ، وَشَـرْعاً يُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ: إِيصَالُ النَّفْـعِ إِلَى الآخَرِينَ، وَإِتْمَامُ العِبَادَةِ وَإِتْقَانِهَا. فَهُـوَ يَشْمَلُ الإِحْسَـانَ فِي حَقِّ اللهِ وَالإِحْسَـانِ فِي حَقِّ الخَلْقِ، وَذَلِكَ خَـوْفاً مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى، وَاسْتِشْعَـاراً لِمُـرَاقَبَتِهِ لِعِبَادِهِ فِي سَـائِرِ أَحْـوَالِهِـمْ، فَهُـوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِـمْ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى كُـلِّ أَعْمَالِهِـمْ. 
وَرُغْمَ أَنَّ مَفْهُـومَ الجَوْدَةِ (Quality) يَرْتَبِطُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ بِالمَدْرَسَةِ الإِدَارِيَّةِ اليَابَانِيَّـةِ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا المَفْهُومَ يَعُودُ إِلَى أَفْكَارِ مَجْمُوعَةٍ مِنْ مُنَظِّرِي الإِدَارَةِ الأَمْرِيكِيينَ، وَمِنْهُمْ: جوزيف جوران، وإدوارد ديمنغ، وفيليب كروسبي. وَتُعَـرَّفُ جَوْدَةُ التَّعْلِيمِ حَسَبَ (إي. جريدي بوج) و(كيمبرلي بنجهام هول) بِأَنَّهَا: "الانسِجَامُ مَعَ المُهِـمَّةِ، وَتَحْقِيقُ الهَدَفِ دَاخِـلَ مَعَايِيرَ مَقْبُولَةٍ بِشَكْلٍ عَلَنِيٍّ لِلْمَسْؤُولِيَّةِ وَالكَمَالِ"، وَهَذَا التَّعْرِيفُ - حَسَبَ رَأْيِّ وَاضِعَيْهِ- يُـؤَكِّـدُ فِكْـرَةَ أَنَّهُ يُوجَـدُ تَنَوُّعَـاتٌ مِنَ التَّمَيُّزِ فِي الأَدَاءِ الفَرْدِيِّ وَالمُؤَسَّسَاتِيِّ فِي آنٍ وَاحِدٍ مَعـاً. وَيَعُـودُ انتِقَالُ مَفْهُومِ الجَوْدَةِ الشَّامِلَةِ (Total Quality) إِلَى مَجَالِ التَّعْلِيمِ العَالِي فِي الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ إِلَى مالكوم بالدريج، الذِي ظَلَّ يُنَادِي بِتَطْبِيقِ هَذَا المَفْهُـومِ حَتَّى عَامِ 1987، حَيْثُ أَصْبَحَ تَطْبِيقُ الجَوْدَةِ الشَّامِلَةِ فِي التَّعْلِيمِ حَقِيقَـةً وَاقِعَـةً، حِينَمَا أُعْلِنَ عَامَ 1993 أَنَّ جَائِزَةَ مالكوم بالدريج (جَائِزَةٌ لِلجَوْدَةِ فِي مُؤَسَّسَاتِ الأَعْمَالِ فِي الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ) قَدْ امْتَـدَّتْ لِتَشْمَـلَ قِـطَـاعَ التَّعْلِيـمِ.
وَلِكَيْ تَنْجَحَ أَيُّ تَجْرِبَةٍ فِي تَطْبِيقِ الجَوْدَةِ بِأَيِّ مَجَالٍ لاَبُدَّ مِنْ وُجُودِ "ثَقَافَةِ الجَوْدَةِ"، التِي تَدْعَمُ وَتُعَزِّزُ هَذَا التَّوَجُّهَ، وَيُعَـرِّفُGoetsch and Stanley) ) ثَقَافَةَ الجَوْدَةِ بأنَّهَا: "نِظَامُ القِيَمِ التَّنْظِيمِيَّةِ، وَالتِي تَشْمَلُ القِيَمَ وَالتَّقَالِيدَ وَالاجْرَاءَاتِ والتَّوَقُّعَاتِ النَّاتِجَةِ مِنْ مُحِيطِ المُشَارَكَةِ، وَالتِي تُؤَدِّي إِلَى التَّحْسِينِ المُسْتَمِرِّ وَالارْتِقَاءِ بِمُسْتَوَى الجَوْدَةِ"، بِمَعْنَى أَنَّهَا نِظَامٌ قِيَمِيٌّ تَنْظِيمِيٌّ، يَحْتَوِي عَلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ القِيَمِ وَالتَّقَالِيدِ التِي يَتَبَنَّاهَا المُوَظَّفُونَ، وَالتِي يَنْتُجُ عَنْهَا التَّحْسِينُ وَالتَّطَوُّرُ وَالارْتِقَاءُ المُسْتَمِرُّ بِمُسْتَوَى الجَوْدَةِ فِي مَجَالِ العَمَلِ. 
وَعَلَى صَعِيدِ التَّجْرِبَةِ المَحَلِّيَّةِ فِي مَجَالِ تَبَنِّي مَفْهُومِ الجَوْدَةِ خُصُوصاً فِي قِطَاعِ التَّعْلِيمِ العَالِي نُلاَحِظُ أَنَّهَا مَا تَزَالُ مُتَوَاضِعَةً، رُغْمَ الجُهُودِ الكَبِيرَةِ التِي تُبْذَلُ، وَالخُطَطِ الطَّمُوحَةِ التِي تُوضَعُ؛ وَفِي اعْتِقَادِي أَنَّ السَّبَبَ الرَّئِيسِيَّ وَرَاءَ ذَلِكَ هُوَ: وُجُودُ الكَثِيرِ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ وَالمُعَوِّقَاتِ فِي البِيئَةِ الأَكَادِيمِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ (وَنَحْنُ مَا زِلْنَا فِي المَرْحَلَةِ الانتِقَالِيَّةِ)، حَيْثُ أَنَّ الجَوْدَةَ وَتَطْوِيرَ الأَدَاءِ يَجِبُ أَنْ تَنْطَلِقَ مِنَ التَّرْكِيزِ عَلَى كُلِّ عَنَاصِرِ العَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، وَتَذْلِيلِ كَافَّةِ الصُّعُوبَاتِ التِي تَقِفُ عَائِقاً أَمَامَ تَطْبِيقِ بَرَامِجِ الجَوْدَةِ الشَّامِلَةِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى ضَرُورَةِ تَبَنِّي الإِدَارَاتِ العُلْيَا لِمَوْضُوعِ الجَوْدَةِ، وَتَشْجِيعِهَا لَهُ، وَتَوْفِيرِ كُلِّ الإِمْكَانِيَّاتِ المَادِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ لِتَحْقِيقِهَا، وَالاسْتِفَادَةِ مِنَ التَّجَارِبِ الرَّائِدَةِ فِي هَذَا المَجَالِ عَرَبِيّاً وَإِقْلِيمِيّاً وَدَوْلِيّاً، مِنْ أَجْلِ السَّيْرِ قُدُماً بِمُؤَسَّسَاتِنَا التَّعْلِيمِيَّةِ العُلْيَا نَحْوَ التَّطْوِيرِ وَالتَّقَدُّمِ وَالرُّقِيِّ، وَلِيَكُونَ لَهَا مَكَانٌ لاَئِقٌ فِي التَّصْنِيفَاتِ الدَّوْلِيَّةِ لِمِثْلِ  هَذِهِ المُؤَسَّسَاتِ، وَهَذِهِ الأُمُورُ بِطَبِيعَـةِ الحَالِ تَحْتَاجُ بِاسْتِمْرَارٍ إِلَى تَكَاتُفِ الجَمِيعِ فِي الجَامِعَاتِ وَالمَعَاهِدِ العُلْيَا وَغَيْرِهِمَا، وَإِدْرَاكِ أَهَمِّيَّةِ الجَوْدَةِ فِي الحَيَاةِ الأَكَادِيمِيَّةِ، وَدَوْرِهَا المُهِمِّ فِي التَّقْييمِ وَالتَّطْوِيرِ، كَمَا تَتَطَلَّبُ أَيْضاً العَمَلَ عَلَى "نَشْرِ ثَقَافَةِ" الجَوْدَةِ بَيْنَ الطُّلاَّبِ وَأَعْضَاءِ هَيْئَةِ التَّدْرِيسِ وَالمُوَظَّفِينِ بَلْ وَحَتَّى القِيَادَاِت المُخْتَلِفَةِ فِي مَجَالِ التَّعْلِيمِ العَالِي؛ (لِتُصْبِحَ لَدَيْنَا قِيَادَةٌ مُتَكَامِلَةُ الجَوْدَةِ تَرْتَكِزُ عَلَى نِظَامِ إِدَارَةٍ استراتِيجِيٍّ مُدْمَجٍ أَوْ مُتَكَامِلٍ لِتَحْقِيقِ مَا يُرْضِي مُتَلَقِّي الخِدْمَةِ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ المُدَرَاءِ وَالمُوَظَّفُـونَ)، وَذَلِكَ يَكُونُ عَبْرَ كُلِّ الوَسَائِلِ الإِعْلاَمِيَّةِ وَالتَّثْقِيفِيَّةِ المُتَاحَةِ، لِتَكُونَ مُؤَسَّسَاتُنَا العُلْيَا كَمَا نَطْمَحُ لَهَا دَوْماً رَائِدَةً وَمُتَمَيِّزَةً فِي مَجَالاَتِهَا، وَكُلُّ الأَفْكَـارِ وَالخُطَطِ المُهِـمَّةِ فِي هَـذَا المَجَـالِ يُمْكِـنُ تَحْقِيقُهَـا عَلَى أَرْضِ الوَاقِـعِ إِذَا اجْتَمَعَتِ الجُهُـودُ، وَتَوَحَّـدَتِ الأَهْـدَافُ، فِمِشْـوَارُ الأَلْـفِ مَيْــل يَبْـدَأُ بِخُطْــوَةٍ..  
خالد خميس السحاتي/ كاتب وباحث وقاص ليبي   




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com