http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

ضجيج الناقرة الصامتة

الوسط 0 تعليق 18 ارسل لصديق نسخة للطباعة
 

حتى سبعينيات القرن الماضي، كانت وظيفة (طباع) حاضرة في كوادر المصالح الحكومية الليبية، وبسبب هذه الوظيفة انتشرت في بنغازي محلات، صفت بها مناضد، وعلى كل منضدة آلة كاتبة وصارت معاهد لتعليم الطباعة على الآلة الكاتبة، وبمجرد أن يتحصل الطالب على شهادة تثبت أنه طباع باللمس، يجد طريقه نحو مصلحة من مصالح دولة المملكة الليبية ويصير طباعا.



الأديب الراحل خليفه الفاخري، ابتدأ حياته الوظيفية طباعا بمجلس الشيوخ، ثم انتقل إلى السجل العقاري، ولم ينتقل إلى وزارة الشباب والرياضة إلاّ في السبعينيات. في ستينيات القرن الماضي، غادر بنغازي المفكر صادق النيهوم إلى القاهرة ثم أوربا. وفي رسالة من رسائله إلى الفاخري، نجد فقرة يخبره فيها أنه اشترى آلة كاتبة، وأنه أسماها ساخرا "نقارة". قال له: "صار عندي آلة ناقرة" وأنه يجيد استعمالها، وإن كان قد تخلى عن هذا النقر، لأن رسائله إلى أصدقائه تواصلت، بعد ذلك ولكنها مكتوبة بخط اليد، وإلى الآن أعرف عددا من الكتاب يستخدمون الكومبيوتر، ولكنهم يكتبون إنتاجهم بالقلم قبل طباعته.

وتعلمت أنا أيضا الطباعة، بعدما رقيت، سنة 1961م من قاريء عدادات الكهرباء والمياه، إلى سكرتير المستر آدم، كبير مهندسي المياه بنظارة الأشغال، كانت بمكتبه آلة تعلمت النقر عليها، وصرت طباعا بأصبع واحد ولكنه، حتى الآن، يفي بالغرض واستمرت سطوة الآلات الكاتبة، حتي ثمانينيات القرن الماضي، بعدها أرسل الكومبيوتر الآت الكاتبة إلى مخازن المصالح الحكومية ومنها إلى أسواق الخردة.

فرض الكومبيوتر سطوته على الناس، بدون استثناء، أطفالا كانوا أم رجالا أو نساء. كلهم صاروا على نحو ما، طباعين، أو نقارين، ولكن بخفوت، فلا صوت يصدر من نقر الكومبيوتر، بل وقلت الأخطاء الإملائية، فهذه الوسيلة الجهنمية تقوم تقريبا بكل شيء، وزادت هذه السطوة، بانتشار (الشبكة العنكبوتية) حتى أنها صارت اللعبة المفضلة لشقيقتي زكية التي صارت جدة لحوالي دستة من الأطفال، فتجدها من بعد صلاة الفجر وقراءة ما تيسر من قرآنها اليومي تنقلب نحو" الفيس بوك " تتابع أخبار الدنيا، ووصفات الطهي، و قيادة أحوال أبنائها، وكنائنها، ومحاولة اكتشاف هفوة، أو اثنتين في كتاباتي.

لم يعد الكاتب يمسك قلمه بيده اليمني، ولفافة التبغ ما بين السبابة والوسطى، فيما يعصر بإبهامه حنكه أسفل أذنه اليسرى مباشرة، والبنصر عند صدغه، في محاولة شاقة لإيجاد كلمة، أو جملة ترضيه.

وصار لكتاب الأعمدة الأسبوعية، وحتى اليومية فرص كثيرة لإيجاد مواضيع لهم بمجرد تصفحهم الصباحي لتعليقات أصدقائهم في (الفيس والتويتر). أعترف أني كثيرا ما وجدت مواضيع مسلية، وأخرى مفيدة، وثالثة ساخرة بمجرد الانتهاء من تصفحي الصباحي!، والحقيقة أنه بسبب هذه السهولة، انكمش كثيرا حجم الإبداع الأدبي، خصوصا العربي، ذلك لأن الغرب، منذ ثورته الصناعية، اتجه إلى مقالة المعلومة، والمقالة التحليلية للاقتصاد والسياسة.

البارحة كتبت مذيعة راديو القسم العربي بإذاعة هولندا العربية، المتألقة كريمة الإدريسي على صفحتها، نص ربورتاج قصير عن التلفزيون الهولندي، فقالت: "في مكان ما في هولندا مطعمان للفلافل واحد فلسطيني والآخر إسرائيلي. يقول صاحب المحل الإسرائيلي: "الفلافل من ضروريات المائدة الإسرائيلية، وجبة وطنية.. نتناولها في كل أوقات النهار". ويقول الفلسطيني: "الفلافل فلافلنا.. سرقوا منا كل شيء: الأرض والموسيقى والدبكة والفلافل". يقول الإسرائيلي: "بل فلافلنا.. سرقناها وأصبحت ملكاً لنا نحن"، فعقب أحد أصدقاء صفحتها يقول: "الفلاَفلُ شهيَّةٌ، والمُجتمعُ الإسرائيلِي تعدُّديٌّ والفلافلُ تنتمي إلى اليهُودِ الشرقيينَ أيضاً، مثْلُ الطَّاجين والكُسكُسي في البيتِ اليهُودي المغربي، في القُدسِ أو ديمُونة أو نتانيَا".

ثم عقبت الأخت بسمة خليفة "عندي صديقة من إسرائيل تقول نفس الكلام، إن الحمّص والفلافل آكلات شعبية بالنسبة لهم، أعتقد أن الأكل مرتبط بالمكان والجغرافيا ليس له علاقة بدين أو عِرق.. ولطالما عاش العرب وغير العرب المسلمون واليهود والمسيحيون في فلسطين فبالتالي تشاركوا أصناف الطعام".

ثم تدخل صديقي محمود الفيتوري من بريطانيا ليؤكد، بإصرار ليبي حقيقي: "أن الفلافل، أو بالأصح الطعمية.. هي مصرية 100% لا فلسطينية ولا إسرائيلية!" . ثم تدخلت أنا عقبتُ، مؤكدا أن:
"الغذاء، كالهواء، ليس بمقدور أحد أن يقول أنه له وحده مكونات الطعمية غذاء للناس جميعا، منهم من يضيف إليها بهارا معينا ومنهم من لا يضيفه. المكرونة، مثلا، وجبة أساسية في ليبيا، والعالم يتفق أنها ابتكار إيطالي غير أن مجلة ليبية قديمة، من أيام الاستعمار الإيطالي، أسمها (ليبيا المصورة) تقول : أن قراصنة خطفوا صائدي سمك من سواحل المقرون- وهي قرية صغيرة تقع غرب مدينة بنغازي بحوالي 80 كيلومتر- وأخذوهما إلى إيطاليا، وهناك باعوهما! لم يعرفا ماذا يأكلان؟ فصنعا (مقطع) وهو، لمن لا يعرف، طبق ليبي، عبارة عن شكل من أشكال(الباستا) يعني سباقتي، ولكنها طرية تعد وتطهى في حينه، في صلصة طماطم مبهرة، بالخضار، أو باللحم سواء أكان طازجا أم مقددا. وعندما سألهم الطليان عن اسم الطبق، قالوا لهم أنه طبق معروف عندهم في (المقرون) وهكذا حرفت المقرون إلى مكرونة! ولو قبلنا بهذه القصة، من يقبل أن السباقتي طبق ليبي وليس إيطاليا؟ وعلى ذلك فإن الفلافل هي طبق مصري، وفلسطيني، وشامي .. والليبيون يعدون أيضا، الطعمية، ومنهم من يضف إليها (الهريسة الحارة) أو قرن فلفل خضر أو أمبطبط! الغذاء والهواء والماء جعله الله لمخلوقاته كافة.. والإنسان هو الإنسان في كل مكان". ثم أضفت ساخرا: "لعل ما كتبته هذا سيكون مقدمة لعمودي الأسبوعي القادم . سلام". ولكن يبدو أنه صار الموضوع الأساسي!

ثم كتب السيد رمضان عقيل معقبا: "معلومات عن مصدر المكرونة أو الباستا ماركو بولو وقصة الصين أول دولة تصنع المعجنات في العالم هم أهل الصين، ولذلك ماركو بولو أتى بالمكرونة السباغيتي من الصين، وقصة المقرون والليبيين، لأن المكرونة في إيطاليا لها تاريخ".

بعد ذلك كتبت الأخت سناء سليمان المنصوري:"لا أحد سرق أحد.الثقافات تمتزج وينتج عنها المكان الجميل. نحن في ليبيا لدينا ثقافات يهودية الأصل نعتز بها ونسميها ثقافات ليبية تكمن في الأكلات وفي الغناء والرقص والآثار والمعالم وأشياء كثيرة من صنع اليهود الليبيين ..الثقافة هي آثار ما يتركه كل شعب في مكان ما في زمن ما وهو شيء جميل أتمنى أن (يسرقوا) ثقافتي وينشروها لديهم." أنا لا أدري، بعد ذلك، ما زاد من تعليقات، ولكنكم انتبهتم، بالتأكيد، إلى أن الكومبيوتر وشبكته العنكبوتية هما اللذان كتبا هذا الموضوع وليس أنا! تأكيدا لما قلته: إنه يفعل كل شيء؟.

ليس لدي ما أضيف إليه، سوى أن من ابتكر المكرونة، يستحق جائزة نوبل، فهي الحل الأمثل والسريع لمشكلة وجبة طارئة، في الليل والنهار، تعد بوصفات لا تحصى ولا تعد. وكان بمكتبتي كتاب عنوانه 500 وصفة لطهي المكرونة، ولا أعتقد أن هناك أسرة لا تعد المكرونة وجبة من وجباتها، وأصدقاء الأستاذ محمود شمام يعرفون أن المكرونة وجبته اليومية، وأنه يتناولها 366 مرة في السنة الواحدة!

ومن أطباق المكرونة، طبق إيطالي شهي، وصحي. يعد في عشرة دقائق فقط ، ولا يكلف شيئا: اسلق السباقتي في ماء مع نقط من الزيت. شوح 3 فصوص ثوم، قرني فلفل أخضر حار في زيت زيتون، ضف ملحا بحسب الرغبة. ارفع الطاجن جانبا. ضع عرقي ريحان أخضر. تصفي السباقتي، ثم تضيف إلى طاجن الثوم والفلفل. قلب وقدم الطبق ساخنا. الجبنة المبشورة حسب الرغبة. بمقدورك أن تطلبه من أي مطعم إيطالي اسم الطبق: "سباغيتي أوليو، أليو، ببروتشيني" يعني سباغيتي بالزيت والثوم والفلفل!

ملحوظة: تعليمات طهى الطبق موجهة لمذكر، ليس لأنني متعمد مخاطبة الأزواج الذين يطبخون في بيوتهم مثلي، ولكن القاعدة اللغوية تقول: لو أردت أن تخاطب ستة ملايين أنثى وذكرا واحدا استعمل صيغة المذكر!




شاهد الخبر في المصدر الوسط




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com