http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

د. فرج دردور: الإسلام دين الفطرة وإعمال الفكر...!!

ليبيا المستقبل 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الموروث العلمي عند المسلمين بدأ بدوافع دينية، وتطور وتشعبت مجالاته تحت هذا الغطاء، ولهذا رأينا أن الحضارة الإسلامية قد ازدهرت منذ القرن السابع الميلادي تزامناً مع انتشار الإسلام، وكان المسلمون أكثر انفتاحاً على الشعوب الأخرى، وأكبر دليل على ذلك، نشاط حركة الترجمة في ذلك الوقت من الإنتاج العلمي للشعوب المجاورة، فاتسعت مجالات الفكر، حتى صار الإسلام دين العلم بامتياز. وقد تكررت معاني كثيرة في القرآن الكريم تحت على إعمال الفكر، من ذلك مثلاً: (يتفكرون، يتذكرون، يتدبرون)، وكلها مركزها العقل. قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24)، محمد.



ثم بدأ عصر الانحطاط الفكري، بعد أن توقف البحث، واقتصر الباحثون على الاستشهاد بالموروث السلفي والنقل منه والاعتماد عليه، مما تسبب في قتل حركة الابداع إلي يومنا هذا، وتعطل التجديد والتطوير إلا ما ندر. فتقدم الغرب وتأخر العرب، بعد أن ضمرت عقول باحثيهم، نتيجة اعتقاد أغلبهم بأن ما أبدعه أسلافهم، يعد كافياً وافياً لا ينبغي الخروج عنه، ولا يجوز الاستشهاد بغيره، فتكلس العقل وانتشر الجهل من جديد وتراجعت المجتمعات الإسلامية. حدث هذا في الوقت الذي ظهرت فيه شعوباً أخرى أكثر تقدماً، كانت أقل إنتاجاً، مقارنة بالمورث العربي الإسلامي، لأنها نَشطت الحركة الفكرية، فجنت ثمار زرعها.

أدى هذا التراجع الفكري عند المسلمين إلى انحسار ظاهرة التنافس البحثي في اعجاز القرآن الكريم وتفسيره وفق ما يحتمله من تأويلات، ففسح المجال لأصحاب الايديولوجيات المقترنة بالسياسة والخوارج أيضاً، بأن يفسروا الدين وفق قناعاتهم ومناسباتهم، التي قد تفتقر للسند العلمي، وأقتصر فهمهم على ظاهر النصوص، فأخطأوا فهمها، وأنزلوا أحكامها على غير سياقاتها.

هذا القصور الفكري، جعلهم يركزون على الماديات الملموسة وأهملوا الفكر، وكان أحد مظاهر هذا القصور، الاهتمام بجسد الإنسان وإهمال فكره، (شهواته وممنوعاته)، من ذلك نوع ملبسه مأكله، القصاص منه، عقابه، وتحول فصل الجنسين في المضاجع إلى المطالبة بالفصل في كل شيء، وبدل أن يغض (الشيخ) من بصره خشية الفتنة، صار يطالب بإخفاء المرأة من أي مشهد تكون ماثلة فيه أمامه. فبينما تطوف المرأة عارية الوجه جنب الرجل حول الكعبة، أطهر مكان على وجه الأرض، نجد أن بعض الشيوخ يفتون بضرورة ارتداء المعلمات للخمار داخل الفصول الدراسية، على غير علم بأساليب التربية والتعليم التي تتطلب تواصل المعلمة مع تلاميذها بالوسائل المختلفة ومنها الحركات والإماءات، وحركة الشفتين الضرورية لتعليم نطق القرآن الكريم وغيره من الدروس، أضف إلى ذلك التعبير عن الفرح وعدم الرضا في المواقف المختلفة التي تحددها علاقة المعلمة بتلاميذها داخل الفصل الدراسي.

ولو أن هؤلاء (الشيوخ) أعملوا الفكر بدل الاهتمام بالجسد، لوجدوا حلولاً مناسبة لما يخشون فتنته، لأن العلم الذي منبعه الفكر له أساليبه التربوية المستوحاة من تعاليم الإسلام، التي تعالج مختلف الظواهر الشاذة بطرق الثواب بدل العقاب. فما يتحقق بالثواب يفوق بكثير ما نحققه بطرق العقاب، مع فارق القناعة، وتأكيداً لهذه المعاني السامية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف).

فعندما يخطئ الإنسان، ينبه ويوجه بلطف، لا بعنيف وتعسف وباحترام ذاته والصبر عليه والشفقة والرفق به. حيث يقصد الناصح بهذا التوجيه، إصلاح شأنه. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فلقد جمعت الآية الكريمة بين العقاب والمغفرة والرحمة.

أما ما يحدث اليوم فهو جزء من حصاد عصر الانحطاط الذي تراكمت مقوماته عبر عصور امتدت منذ انهيار الدولة العباسية إلى يومنا هذا، والذي يعبر عنه بعض العلماء بنهاية عصر الاستشهاد العلمي. هذا الرأي يعكس الحالة العلمية التي اختزلت الفكر في عقول أهل السلف، وأعقبه تصحر ثقافي ظهرت أثاره واضحة في سلوك العنف المتجسد في الحروب والنزاعات التي صارت أدوات لقضاء الحاجات وتحقيق الذات. وكل هذا يعد نتيجة طبيعة للانهيار العلمي والمعرفي الذي تمر به الأمة؛ فتولدت عن هذا كله تربية منفلتة لا تعطي للضوابط العلمية والإنسانية أي قيمة، وما يحدث في ليبيا اليوم هو خير مثال لهذا الوصف.

فلم يكن أحداً يتوقع أن ليبيا تتحول من بلد يسوده الأمن والسلام نتيجة منهج الاعتدال الذي عليه أغلب الليبيين، حتى أن تفاجأ الجميع بظهور جماعات الغلو والتطرف، الذين كفروا البلاد والعباد، وصار الانحراف في المسلك هو العنوان العريض الذي يسوس به الناس. فتحولت الحياة بمختلف مظاهرها إلى جحيم لا يطاق، يدفع بالناس إلى التفكير في الهجرة هرباً من واقع غير مألوف، اختلط فيه الحابل بالنابل، تساق فيه الأمور في غير مساراتها، وتسمى فيه الأشياء بعيداً عن صفاتها.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/2287

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- منشورات http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/2287 في ليبيا المستقبل
- فيس بوك، https://www.facebook.com/profile.php?id=100001674920866 خاصة
- فيس بوك https://www.facebook.com/Dr.FaragDardour/ رسمية
- مدونة خاصة
- https://www.youtube.com/results?search_query=%D9%81%D8%B1%D8%AC+%D8%AF%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%B1&sm=12

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com