عماد شقور



02qpt697.jpg

لا يمكن لاسرائيل ضمان حياة هادئة لليهود الاسرائيليين، على مدى ما تبقى لها من عُمْر في شكلها ونظامها الحالي، دون ان تمشي بقدميها، خطوة بعد خطوة، جسراً بعد جسر، لتصل بالاسرائيليين إلى بر الأمان. الأمان الذي يعني تمكين اليهودي الاسرائيلي البسيط، طفلا كان او امرأة او عجوزا، ان يذهب إلى مدرسته، او إلى مكتبه اومتجره، او إلى الحديقة التي يلعب فيها مع احفاده، وهو مطمئن البال، لا ينظر بحذر ورعب إلى يمينه او يساره، إلى من يقابله او يسير خلفه.
اتحدث هنا عن الامن والامان الخاص بالاسرائيليين، وليس عن الامن الخاص باسرائيل الدولة والكيان السياسي. فما يحمي اسرائيل الدولة هو: (1)- قوتها الذاتية حاليا؛ و(2)- قوة تحالفاتها حاليا، في عالم اليوم؛ و(3)- ضعف العامل الفلسطيني، وضعف العامل العربي، في معادلة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ومعادلة الصراع العربي الصهيوني، في زماننا الراهن. وغني عن القول ان جميع هذه العوامل غير ثابتة ودائمة، وكل واحد منها قابل للتغيير في اي مرحلة مقبلة.
فما هي هذه الجسور الثلاثة؟ لنبدأ من البداية: والبداية هي جسر المساواة. المساواة الكاملة بين مكوني اسرائيل: يهود اسرائيل وفلسطينيو اسرائيل، (بالاضافة إلى الاقلية القليلة ممن هم ليسوا يهودا ولا عربا في اسرائيل، وغالبيتهم من المهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي سابقا، وربما بعض «الفلاشا» الاثيوبيين ايضا).
وصول اسرائيل إلى فلسطينيي 1967، (الضفة الغربية- والقدس العربية جزء منها-، وقطاع غزة)، مشروط بعبور هذا الجسر، جسر 1948 مشيا على الاقدام. لا مجال ولا امكانية لتخطّيه بالقفز من فوقه، وتجاهله، او التغافل عمّا يعنيه ذلك من الاقرار بحق تلك الجماهير الفلسطينية العربية التي تحمل بطاقة الهوية الاسرائيلية وتشكّل نحو 20٪ من الاسرائيليين، في المساواة الكاملة. بل واكثر من ذلك، في حق تلك الجماهير بالتمييز للأفضل، جرّاء معاناة سبعة عقود تقريبا من الظلم والتمييز العنصري والبطش والاضطهاد والقهر. عبور اسرائيل لهذا الجسر صعب. بل انه صعب جداً. لكن تخطيه وتجاهله ومحاولة القفز عنه مستحيل. فقط بعد عبور اسرائيل هذا الجسر، تصل إلى جسر الشرعية الدولية، جسر «حل الدولتين»، الذي يعني بصريح العبارة: انسحاب قطعان جيشها ومستعمريها، ممن تصفهم «مستوطنين»، (وما هم كذلك: انهم مستعمرون، بكل ما في كلمة مستعمرين من معانٍ ومن ظلم)، عن ارض دولة فلسطين، القائمة على جزء صغير من ارض فلسطين، وتضم الضفة الغربية، (والقدس العربية منها)، وقطاع غزة، وخطا بريا سياديا يصلهما ببعضهما. عبور اسرائيل لهذا الجسر، ايضاً، صعب. بل انه صعب جداً. لكن تخطيه وتجاهله ومحاولة القفز عنه مستحيل.
اما الجسر الثالث فهو جسر العدل، جسر الحقوق العادلة للاجئين الفلسطينيين، في فلسطين اولا. لو بقي في هذا العالم، على امتداده واتساعه، آلاف قليلة فقط، من لاجئين فلسطينيين غير راضٍين، لن ينعم بالأمان والاطمئنان اي واحد من بين السبعة ملايين اسرائيلي.
آن لاسرائيل ان تصحو من سُباتها. لن يغيّر من هذه الحقائق وهذه القوانين الطبيعية شيئ. لا شطحات بن غوريون، ولا فذلكات بيرس، ولا بهلوانيات نتنياهو.
جسر المساواة يوصل إلى جسر الشرعية الدولية، وجسر الشرعية الدولية يوصل إلى جسر العدل وحقوق اللاجئين، ( حتى وان كانت غير كاملة تماما)، وجسر العدل يوصل اسرائيل والاسرائيليين إلى بر الامان، والحياة الطبيعية مثل كل دول وشعوب العالم.اما محاولات اسرائيل، التوصل إلى تطبيع علاقاتها مع هذه الدولة العربية او تلك، او مع اي من شعوبها، فهي محاولات عبثية، لم تعطِ اي نتائج ايجابية في الماضي، ولن تعطي اي نتائج ايجابية في المستقبل.
كذلك فان تمنيات اسرائيل، وتوقعات بعض مفكريها وسياسييها، في ان تؤدّي الاحداث المؤلمة الجارية في العالم العربي، إلى تفتت في دول المنطقة العربية، يقود إلى انواع واشكال وصياغات تحالفات جديدة، تكون اسرائيل جزءاً منها، فهي احلام يقظة، لا اكثر.
اكثر من ذلك ايضاً: لو تفتّت دول الجامعة العربية، واصبح عددها 122 دولة، بدل دولها الـ 22 حاليا، بل حتى لو زالت جامعة الدول العربية ذاتها، في صيغتها الحالية، فان كل ذلك لن يغير باي حال، اصرار وتصميم الفلسطينيين على نيل حقوقهم، ممارسين كافة اشكال وانماط النضال الممكنة والمشروعة، والثورة على كافة اشكال الظلم والبطش والتنكر لحقوقهم الشرعية كافة، الامر الذي يعني ان حرمانهم من حقوقهم، هو في الوقت ذاته، ودائماً، يعني حرمان الاسرائيليين من الشعور بالامان والاطمئنان.
هذه المنطقة التي نعيش فيها منطقة عربية، كثيرة الاحداث والاهتزازات، كثيرة التعرض لاحداث جسام، تشكلت فيها دول وحدود، ولايات واقضية وسناجق. تعرضت لغزوات استمر بعضها عشرات السنين، مثل غزوات التتار، واستمر بعضها قرنين من الزمن مثل غزوات الفرنجة الصليبيين، ودام بعضها خمسمائة سنة، هو عمر الامبراطورية العثمانية، وها نحن ننهي وننتهي من قرن واحد هو قرن سايكس- بيكو، الذي جاءت الحركة الصهيونية وتجسُّدها بدولة اسرائيل في سياقه. كل شيئ في هذه المنطقة قابل للتغيير، إلا طبيعتها العربية. آن لاسرائيل أن تعرف هذه الحقيقة، آن لاسرائيل أن تعترف بهذه الحقيقة. فإما تكون جزءاً منسجما ومتعايشا معها او لا تكون. ومن اجل ان تكون لا طريق امامها غير طريق عبور الجسور الثلاثة: جسر المساواة للفلسطينيين الذين يحملون بطاقتها؛ وجسر الشرعية الدولية للفلسطينيين الذين تحتل دولتهم؛ وجسر العدل والتعويض للفلسطينيين ضحايا اقامتها، وضحايا احتلالها.
آن لقادة اسرائيل وللاسرائيليين ان يفكروا بمستقبل احفادهم. آن لقادة اسرائيل وللاسرائيليين ان يرحموا ابناءهم واحفادهم.
نستذكر في هذا السياق شاعرنا العربي، ونردد قوله من بعده: «مشيناها خطىً كُتِبَتْ علينا ومن كُتِبَتْ عليه خطىً مشاها». وقد كُتِبَـت هذا الخطى على اسرائيل والاسرائيليين، إن هم ارادوا ورغبوا البقاء والتطور في هذه المنطقة العربية. لو سُئلت: هل تبغي من وراء ذلك شطب ثلاثة ارباع قرن من الزمن لتعود حيث كنت؟، لكان جوابي: ابداً. لقد تعلمنا من اسرائيل كثيرا. وتعلمنا من الاسرائيليين كثيرا جدا.

٭ كاتب فلسطيني

عماد شقور