رأي القدس



نفذت المملكة العربية السعودية السبت حكم الإعدام في سبعة وأربعين شخصا أغلبهم من أعضاء تنظيم «القاعدة»، غير أن أربعة من المعدومين كانوا من الطائفة الشيعية بينهم الشيخ نمر باقر النمر، وهو أحد الزعماء الناشطين الذين، بحسب وكالة الأنباء رويترز ـ «رفضوا النهج الهادئ للقادة الأكبر سناً في الطائفة».
ردود الفعل الأكبر على القرار صدرت عن إيران التي هدد زعيمها الدينيّ الأعلى آية الله علي خامنئي أمس الأحد بأن «الانتقام الإلهي» سيحل بالساسة السعوديين لإعدامهم الشيخ النمر، كما ندد الرئيس الإيراني حسن روحاني بما سماه «انتهاك السعودية لحقوق الإنسان والقيم الإسلامية» و«تطبيقها سياسات طائفية»، وتوعد الحرس الثوري الإيراني بـ«انتقام قاس» من الأسرة السعودية الحاكمة، فيما تظاهر قرابة 1000 شخص وهاجم بعضهم السفارة السعودية في طهران وحطموا أثاثها وأشعلوا النيران فيها، حصلت مواجهات في البحرين بين الشرطة ومحتجين، وصدرت تنديدات في العراق وإيران، عن آية الله السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العالم، وحيدر العبادي، رئيس الوزراء، ومقتدى الصدر، الزعيم الشيعي، وفي لبنان، على لسان زعيم «حزب الله» اللبناني، حسن نصر الله.
أهم ملاحظة على الحدث المذكور هو اتخاذه، من جهة إيران والمرجعيات الشيعية في العراق والبحرين ولبنان منحى طائفياً بحتاً، فقد تم تركيز المسألة كلّها على إعدام الشيخ نمر النمر وثلاثة من رفاقه، وبالتالي لم يهتمّ أحد من المحتجين على القرار بمناقشة قضية الإعدام كمبدأ، كما تجاهلوا أن التنفيذ طال ثلاثة وأربعين آخرين من المسلمين السنّة، وهو ما يضعف قوّة الحجة ويؤجج، عملياً، النزاع المذهبيّ الرخيص من دون أفق ممكن للاستناد إلى المشتركات الحقوقية والقانونية الإنسانية.
لم تناهض الأطراف المحتجّة الإعدام على أساس مبدئي، ومعارضتها للرياض تشبه الكوميديا السوداء لأن عمليات الإعدام في بلدانها أعلى سنويا من عدد الإعدامات في السعودية، فقد كانت إيران والعراق هما سبب زيادة العدد الإجمالي للإعدامات في العالم عام 2013 (369 عملية إعدام في إيران خلال عام واحد، و169 إعداما في العراق)، وذلك استناداً إلى الأرقام التي أعلنتها سلطات البلدين، وهي دائما أقلّ من الأرقام الفعلية، وبحسب منظمة العفو الدولية فإن أحكام الإعدام في العراق وإيران تصدر بعد «محاكمات غير عادلة بشكل فاضح»، وتؤكد شبكات حقوق الإنسان الدولية أن أغلب الأحكام في العراق وإيران تؤدي لإعدامات جماعية لمسلمين سنّة.
لقد انخفض عدد الدول التي تطبق أحكام الإعدام إلى 22 دولة من أصل 41 دولة عام 1995، ويتم تطبيق الإعدام بأشكال شتى بينها الكهرباء وقطع الرأس والشنق والحقنة القاتلة، ويجري تطبيق أحكام الإعدام على جرائم من قبيل السرقة أو السحر أو الزنى أو تهريب المخدرات، وخلال السنوات العشر الماضية كانت الدول الأكثر تطبيقاً للإعدام هي التالية: الصين، إيران، السعودية، العراق، الولايات المتحدة الأمريكية، باكستان، اليمن، كوريا الشمالية، فيتنام وليبيا، أي أن أربعا من الدول عربية، وستا منها تدين شعوبها بالإسلام، وإذا كان هناك من «عزاء» لهذا السجل العربيّ والإسلامي البائس فهو وجود دولة مثل الصين التي يقدّر عدد الإعدامات فيها سنوياً بالآلاف، وكذلك وجود أكبر دولة وأغنى بلدان «العالم الحرّ» (أمريكا) في المرتبة الرابعة بين قائمة الدول التي يعتبرها الأمريكيون «متخلفة» و»رجعية» و»مستبدة».
المؤسف أن الجدل حول الإعدامات في بلد مثل السعودية ينزلق نحو «الكليشيهات» والقولبات الإعلامية المعتادة بدل مساءلة هذه الكليشيهات الراسخة، كما أنه يستخدم منصّة انتهازية للصراعات الطائفية، بدل الدفع المستمرّ في اتجاه حضاري وقانوني عالمي يرفض الإعدام كمبدأ، فعمليات الإعدام، حتى في بلد ذي جهاز قضائي محكم كأمريكا، يمكن أن تخضع للأحكام البشرية التي تتأثر بلون جلد المجرم وانتمائه الاجتماعي والتحيّزات السياسية والنفسية التي قد تؤثر على القضاة والمحامين والمحلّفين، فما بالك في بلدان مثل الصين وإيران والعراق والسعودية.
تتعرّض المملكة العربية السعودية إلى عاصفة كبرى وهي تحتاج، إضافة إلى صفات الصلابة والحزم والشدة أمام المخاطر، عدم استبعاد الاحتمالات الأخرى، التي تكلّف أقلّ، وتؤدي المطلوب، بما في ذلك، الخروج من أسر الأفكار الثابتة وإعادة إنتاج صورة حديثة ومتقدمة للمملكة.

رأي القدس

http://www.facebook.com/plugins/like.php?href=http%3A%2F%2Fwww.alquds.co.uk%2F%3Fp%3D459832&layout=button_count&show_faces=false&width=85&action=like&font=verdana&colorscheme=light&height=21

Share on

أضغط هنا لقراءة بقية الخبر من المصدر