http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

سالم أبوظهير: هكذا تكون المصالحة الليبية

ليبيا المستقبل 0 تعليق 81 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يُعرف الليبيون بالمودة والتعاطف والتراحم في ما بينهم. وكان الليبي دائم الحرص على توثيق العلاقات الإنسانية وتثمينها، ومشاركة الاخرين أفراحهم وأتراحهم. وتتعزز هذه المشاركة إذا ما تعلق الأمر بمشاركة الاخرين أحزانهم: فواجب تقديم العزاء عند الليبي لا يعترف بالمسافات البعيدة، ولا بدرجة القرابة، اذ يطوي الليبي وعن طيبة خاطر مئات الكيلومترات، ليقوم بهذا الواجب ويمد يده معزيا  صديقه أو قريبا له من الدرجة البعيدة.



هذا التقليد الجميل الرائع أنتج بشكل تلقائي تقاليد سمحة أخرى من التسابق على فعل الخير، واغاثة الملهوف، والتسابق المشروع للمصالحة بين المتخاصمين، لتكون هذه السلوكيات بمثابة الاوتاد القوية، التي حافظت على النسيج الاجتماعي الليبي متماسكاً وقوياً. واستمر الحال هكذا، الى ان هبّت نسمات ربيع فبراير 2011، التي بدأت وبشكل مخيف تطيح بآمالهم، وتهدد أمنهم واستقرارهم... وتدريجيا، وفي غياب سلطة الدولة وضعف القانون وقوة السلاح، عمّت الفوضى ودخلت البلاد مرحلة جديدة لم تكن تخطر في بال أحد.

بدأت الأزمة الليبية تظهّر انقسام الليبيين إلى ليبي أخضر مؤيد لنظام القذافي شعاره "معمر وبس"، وليبي معارض يتمسك بعلم الاستقلال المخطط، ويطالب برحيل القذافي (الذي رحل وبرحيله اختفى الأخضر كله) ولكن اصبحت كراهيته وسيلة لتحقيق مآرب أخرى. ومع الانفلات الأمني، تعمّقت هوة الخلاف وتأججت الكراهية، حين استغلّ البعض توريثه وبندقيته وغياب القانون، ليهجّر مواطنا آخر من بيته ويستولي على أملاكه ويصفه بالخائن، ويزداد الامر تعقيداً حين تشرعن سلطات الدولة دخول بيوت الامنين وترويعهم، بحجة أنهم كانوا مع معمر الذي شبع موتا.

استمرت كرة الكراهية بين الليبي والليبي تكبر وتزيد، فانقسمت البلاد الى قبائل شريفة وأخرى غير ذلك، وسال الدم بين الجيران، وشنت حروب بالدبابات والمدافع بين سكان شارع وشارع ملاصق له، وأحيانا حرب حقيقية بين سكان الشارع الواحد، حيث يغلق المنتصر الشارع ويطرد المهزوم من شارعه ومن بلاده، ويتحول بيت المهزوم الى سجن أو جمعية خيرية في احسن الاحوال.

حدث كل هذا ولا يزال يحدث، في غياب جهود حقيقية للمصالحة بين أبناء البلد الواحد،  وفي وجود دولة ذات علم ونشيد وكرسي في الأمم المتحدة، وثلاث حكومات فشلت كلها  فشلا ذريعا في التوفيق بين متخاصمين، وفي ارجاع المهجرين الى بيوتهم. وتكرر فشلها وعجزها الكامل في قدرتها على فرض سيطرتها، لتفتح طريقا رئيسيا قام بإغلاقه مراهقون اختلفوا في ما بينهم على سيارة مسروقة، وتعجز وتقر بالعجز أمام العالم  بفشلها في بيع نفطها، لأنّ ميليشيات سلّحتها ودفعت لها الدولة، تمنعها من بيعه وتساوم عليه.

لن تنجح دولة ليبيا وتقف شامخة وتفرض على العالم الخارجي كله أن يحترمها، إلا اذا رتبت بيتها الداخلي واحترمت مواطنيها وساوت في ما بينهم، وصالحت بين المتخاصمين، واعادت الممتلكات المنهوبة الى اصحابها، وعوّضتهم ماديا ومعنويا، وفرضت على الجميع أن يحتفلوا قولا وعملا بيوم للمصالحة الحقيقية الشاملة، في ظل قانون عادل يحترمه ويعمل به الجميع، قانون واضح وصريح يعاقب من أساء أو يعفو عنه، ويقر علانية أنّ الشاب الليبي الذي هرب من ليبيا، خوفا لأنه كان يرقص في باب العزيزية، هو ليبي ويحب ليبيا ربما أكثر من كل الليبيين، لذلك يجب أن يعود إليها ونرقص  معه مرة أخرى احتفالا بعودته.

ليبيا ليست ادريس ولا معمر ولا سبتمبر ولا فبراير ولا جرد ولا طحلب، ليبيا لكل ليبي ومن حق كل ليبي أن يعيش فيها، ومن حقنا أن نحترمه إذا صفّق وغنّى لمن يحب.

* سبق نشر المقال نشر بموقع المغارب.

سالم أبوظهير

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com