http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

نجوى وهيبه: رحلة البحث عن الذهب

ليبيا المستقبل 0 تعليق 35 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لا يستطيع كائن حي الاستغناء عنها، هي السهل الممتنع ومع ذلك لا يُلقي لها الناس بالًا، ربما لرخص ثمنها ظاهريًا عند البعض ولسهولة الحصول عليها عند غيرهم مع أنّها من الضروريات، وكم تنبأت الدراسات ولازالت بأن الحروب القادمة ستكون من أجلها.



بدر من سكان سوق الجمعة وهي ضاحية شرقية لطرابلس، سيشتري هذا الأسبوع جهاز تحلية مياه الشرب لتركيبه في البيت، بدر هو ربّ عائلة من 4 أشخاص، يعدّ هذا الجهاز ضمن الضروريات ببساطة لأنه يوفر أول مقومات الحياة وهي  الماء الصالح للشرب في بلاد يشتري الناس فيها الماء بالمال.

يقارب ثمن جهاز تحلية المياه نصفَ مرتب مواطن محدود الدخل وأحيانًا راتبه كاملًا (250 دينار على الأقل)، فيما يبلغ ثمن قنينة الماء بحجم 7لترات (0.75 دينار) ولك أن تقدّر كم من الدنانير تحتاج الأسرة لشراء ما يكفيها من الماء شهريًا.

لقد كان والد بدر وجدّه يسكنان هنا منذ عقود، قبل خمسين عاماً كانوا يشربون من مياه بئر جوفية، يملؤون الماء منها بالدلو أو غيره لأجل الشرب وري الشجيرات والمواشي وحاجات البيت. يقول الحاج فرج (73 سنة): " لقد كانت المياه الجوفية العذبة متوفرة على عمق أقل من 6 أمتار قبل عقود، ولكن منذ مطلع السبعينات تقريباً بدأت المياهُ تصبح أكثر ملوحة ويصبحُ طعمها مختلفاً وحتى على الأواني نشعر أن هناك تكلساً للملح وأصبحنا نحفر أكثر وأعمق لكي نطاردها". اليوم في نفس المنطقة على عمق 75 متراً  بالكاد تجد ماء للري وقد يكون مالحاً بملوحة لا تتماشى حتى مع ري بعض أنواع المحاصيل ولا تصلحُ طبعاً كمياه شرب للبشر.

اذهب للماء إن لم ياتيك

في مرحلة معيّنة من الزمن خاصة في تسعينات القرن الماضي، لدى ندرة المياه العذبة، راجت تجارة بيع المياه عن طريق صهاريج محمولة على شاحنات تسمى في ليبيا (بوطّي المية)؛ اليوم أصبح (البوطي) المتنقل نادر الظهور في طرابلس بعد أن كان يوماً ما رمزاً للمناسبات الاجتماعيّة؛ إذ كان الناس يأجّرون الصهريج المتنقل لجلب المياه العذبة لشرب الضيوف والطبخ والشاي، كما لجأ الأهالي في فترة معينة إلى تجميع مياه المطر في خزانات تحت الأرض لغرض الشرب، ومع أن ليبيا تُعد ضمن المناطق التي يكون تساقط المطر فيها متذبذباً أي غير مستقرـ لكنّها كانت حلاً منتشراً جداً قبل انتشار المياه المعبأة ومصانع التحلية، ومع مرور الوقت حلّت أجهزة التحلية، وقنينات المياه المعلبة محلّ (البوطّي)،وتحوّل صاحب البوطي لصاحب متجر تحلية أو سائق شاحنة مياه، لكنّ هذا الأخير لا يزال يحافظ على وجوده في الأرياف والأماكن التي لا تصلها المياه.

ليبيا تحت خط الفقر

تعتمدُ ليبيا في مصادر المياه على المياه الجوفية والوديان والأمطار إذا تم تخزينها أو تجميعها بالسدود أو الصهاريج، كما أنّ مشاريع تحلية المياه أصبحت في ازدياد خاصّة المشاريع الخاصة التي يديرُها المواطنون.. وقد أصبحت تحلية المياه الحل المطروح أولاً في دول المنطقة التي تواجه تهديدات نقص المياه رغم تكلفتها وبعض عيوبها.

إنها من المفارقات في ليبيا أنّ هناك مناطق تملك مخزونات من النفط والغاز ولا تملك ماء عذباً للشرب، بل وينفق الناس فيها أموالهم لجلب المياه من مناطق أخرى في ظروف التنقل الصعبة خاصة في الظروف الراهنة، بل واستُغلّت مصادر المياه كنقطة تفاوض وضغط وتكررت الاعتداءات على خطوط إمداد مياه النهر عند النزاعات.

مياه الشرب والصحّة

محمد الصيد(26) أحد سكان الزنتان وهي من مُدن جبل نفوسة، لا تصل منظومة النهر الصناعي لمنطقتهم ولبعض قرى الجبل، تنفق أسرته شهرياً  400 دينار على الأقل للحصول على المياه في خزان البيت وتنفق مبالغ أخرى لشراء مياه الشرب، إذ أن مياه النهر الصناعي لا تصلحُ للشرب، وقد بدأت والدة محمّد تعاني من بداية أعراض في الكلى بسبب شربها مياه النهر أحياناً، وقد أوصاها الطبيب بشرب نوع خاص من الماء.

ليس هناك أرقام أو إحصاءات رسمية تثبت ارتفاع معدل أمراض الكلى أو الأمراض المتعلقة بملوحة المياه بين الليبيين الذين يشربُون مياه النهر الصناعي، لكنّ هناك انتشاراً ملحوظاً لأمراض الكلى، وقد يكون افتتاح مراكز  غسيل خلال السنوات الماضية تعمل بطاقتها الكاملة في بضعة مدن غير مزدحمة كالزنتان و العجيلات وغيرهم مؤشرا ً على ارتباط الأمرين ببعضهما.

إنّ مرضى الكلى الذين يترددون على مراكز الغسيل لم يعُودوا من كبار السن فقط بل أصبح أمراً عادياً أن ترى مرضى الكلى من الشباب أو حتى من الأطفال، وهذا لم يكن شائعاً قبل سنوات. تقول الدكتورة غادة دخيل وهي طبيبة في مركز غسيل الكلى في جنزور (ضواحي العاصمة) " إنه لا يمكنُ حصر سبب هذه المعدلات المرتفعة في مياه الشرب فقط بل هناك عادات كثيرة تتعلق بذلك لكن ملوحة المياه أمر أساسي أيضاً". وتؤكد دخيل على ضرورة شرب القدر الكافي من المياه يومياً وأن يكون ماء عذباً ونظيفاً.

وعن الفرق بين المياه التي تمت تحليتها في جهاز أو تلك المعبأة تقول د. غادة " إنه لا فرق كبير بينهما  فمعظم مياه السوق هي مياه تمت تحليتها ثم تعبئتُها" كما تضيف بأن استعمال مياه النهر في الطبخ أو الشاي أو أي عملية يتم فيها غلي الماء قبل الشرب فإن ملوحتها وشوائبها تنخفض وبالتالي لا ضرر من شُربها، ونحن كأطباء ننصح بشرب قنينات مياه "النبع" لأنها من بين المياه التي ثبُتتْ مطابقتها للمواصفات القياسية.

لقد أصبحت ماكينات التحلية المنزلية من الأمور المستجدة على تجهيزات البيوت، وازداد تنافس الشركات التي تستجلب هذه الآلات بميزات مختلفة، إذ يمكن لجهاز التحلية المنزلي اليوم أن يحوّل لك ماء الصنبور ذا الملوحة العالية إلى الماء الذي تريده بالمواصفات ونسبة النقاء التي تريدها فقط باختيار عينة من القنينة المطلوبة.

تقول الطبيبة غادة دخيل" إن مياه التحلية المنزلية إذا تمت العنايةُ بنظافة أنابيبها ومُصفياتها فإنها تتميز على  المياه الجاهزة بكونها لا تخضع لظروف مجهولة من التخزين في الشمس أو غيرها، ولا توضع في بلاستيك لا تُعرف جودته من عدمها".

إنّ الصهاريج التي تخزن مياه النهر الصناعي لنقلها إلى المناطق التي لا تصلها منظومة النهر، أغلبُها خزانات قديمة وبعضُها صدِئ، ولا تعقّم بشكل دوري، وحتى الخزان الذي يخزن المياه في بيتك أيضاً تحتاج لتعقيم وتنظيف كل بضعة أشهر حتى لو كان للنظافة والطهو.

يقول محمد "من أكثر اللحظات التي تغيظنا فيما يتعلق بشُح المياه هنا، أن ينفذ خزان المياه في وقت متأخر من الليل فتجف الصنابير فجأة، وإذا كان أحدهم يستحم، فسيكون الأمر مُغيظا أكثر".

في الوقت الذي ينشغل الناس فيه بالنفط وأسعاره انخفاضاً وصعوداً يغيب عنهم الاهتمام بالمورد الأساسي الذي ينبغي المحافظة عليه واستهلاكُه بكفاءة . من الماء نشرب ومنهُ نأكل محاصيلنا وطعامنا وأعلاف حيواناتنا، ونولّد الطاقة ونشغّل الصناعة وهو إذاً مصدرٌ من مصادر شعورنا بالأمن.

نجوى وهيبه

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com