http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

د. أحمد ابراهيم الفقيه: عصف فكري مع عبد الرحمن شلقم

ليبيا المستقبل 0 تعليق 65 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كلما اتاحت الظروف التي تعيشها بلادنا لقاء مع اصدقاء من  اهلنا في ارض الشتات، يكون هذا اللقاء فرصة للرحيل عبر زقاق الذكريات الذي يفضي الى قصص ووقائع عشناها في مراحل مضت من العمر.



وسعدت الايام الماضية بلقاء رجل ربطت بيني وبينه زمالة وصداقة ورفقة مهنية وفكرية، هو الصديق عبد الرحمن شلقم، واجد ان لقائي به يتحول غالبا الى عصف فكري، بسبب اتقاذ ذهنه، وقدرته على طرح الاسئلة، وخلق حوار حولها، وربما لن اتمكن هنا من انصافه بتلخيص ما ابداه من اراء، بمثل ما استطيع تلخيص ما ابديته من راي حول القضية التي قام بطرحها، ولعله يستطيع ان يقوم بذلك في مقالة نقرأها له في هذا الموقع.                            

وباعتباره شخصية سياسية مرموقة، تواصل ويتواصل مع فاعلين في المشهد السياسي الدولي، فان هناك اشكالية بدت لي كانها اللغز فيما يتصل بتعامل الفعاليات الغربية الفكرية، والقيادات السياسية مع عالمنا العربية، برزت بقوة، بعد ثورات الربيع العربي، واعزو اليها شخصيا افساد هذا الربيع، وانحرافه عن مساره، واهدار التضحيات التي بذلت في انجازه، وتحويل المكاسب التي حققتها الشعوب الى خسائر فادحة، وهذه المعضلة تتصل باتهام يتوجه به اهل هذه الثورات والفاعلين فيها، الى الغرب، قامت عليه  الادلة، وتوفرت البراهين التي لا يمكن ضحدها، واثبتت صحتها الشواهد عبرتصريحات وبيانات ومشاركات في الحوار على السنة القادة الغربيين، مفادها ان هذا الغرب، وهو يتدخل في ثورات الربيع العربي، بادعاء مناصرتها وتاييدها، ومساعدتها في تقويض انظمة الاستبداد والطغيان، راهن على حصان الاسلام السياسي، المتمثل في جماعة الاخوان، وحلفائهم من احزاب اسلامية اخرى، مثل حزب التحرير، وجماعات السلفيين والوهابيين، باعتبارهم اكثر اعتدالا من اهل التطرف الداعشي والقاعدي، وتقديم الدعم لهم للسيطرة على دواليب الحكم في الاقطار العربية التي شهدت انتفاضات الربيع العربي، ولم يكن وصول الاخوان الى الحكم في مصر، وسيطرة حزب النهضة على اول مجلس للنواب في تونس، والدفع بهذه الجماعات لتتصدر المشهد في ليبيا واليمن وسوريا،  بمعزل عن جهد حثيث وعلني قامت به جهات واجهزة ودول غربية، في مقدمتها امريكا، ودول الاتحاد الاوروبي، للوصول بهذه القوي التي تخلط الدين بالسياسة الى الصدارة، مغالبة، وفرضتها فرضا بقوة المال والسياسة والاعلام، والمفارقة هنا، ليس حقيقة ان هذا الدعم الغربي للاسلام السياسي، في مواجهة  قوى مدنية، ياتي مخالفا لكل ما ينادي به الغرب من قيم ديمقراطية، وانما هذا التناقض الصارخ الفاضح.

وربما المرعب حقا، بين هذا الدعم، وبين الاسس التي قامت عليها حضارة الغرب، ودولته الحديثة، والنظرية التي يعزى اليها تحقيق عصر النهضة والانطلاق في بناء ما يسمونه بالاصطلاح الفلسفي "المجتمع الجديد"، وانتصار قوى التنوير واحكام العقل، في ارساء الاسس التي تسير عليها دواليب الدولة، وهي فكرة فصل الدين عن الدولة، وفصل الكنيسة عن السلطة والحكم، واعتبار ان هذا الفصل هو عماد وديدن الحضارة الحديثة في الغرب، فكيف يمكن لدول قام بناء مجتمعاتها وسلطتها ودولتها على هذا المبدأ، ان تخالفه بهذه الطريقة التي لا يقبلها عقل ولا منطق.

وطلبت من الصديق عبد الرحمن، ان يخبرني بما يمكن ان يكون لديهم من ردود على مثل هذا النقاش، او تفسير لمثل هذا التناقض، وكان ما قاله لي عن رأيهم في الموضوع،  يشكل عبثا وهزءا، بفكرة التفاعل الحضاري بين الشعوب، رغم انه لم يفاجئني هذا الرد، لانه يأتي منسجما تماما مع المواقف السياسية، اذ قال ان من يراهم ويتحاور معهم من القادة، يرون ان مايصلح لهم، وما كان اساسا لبناء حضارتهم، ومجتمعاتهم الحديثة، وانشاء دولتهم العصرية، ليس بالضرورة صالحا لمجتمعاتنا العربية الاسلامية، ولذلك فانهم في الوقت الذي نسمع اصواتا في امريكا مثلا تطالب بالغاء فقرة في القسم الدستوري لرئيس الدولة يختتم بها قسمه وتقول اعانني الله، لان لها رنينا دينيا مخالفا للدستور، ويجرمون احدا ينادي بتدخل الكنيسة في السياسة، ويعتبرونه عودة الى اكثر مراحل التاريخ اظلاما في حياة القارة الاوروبية، عندما كانت محاكم التفتيش، وصكوك الغفران، ومطاردة الاصوات المناوئة للكنيسة، جزءا من نظام الحكم، في زمن يسمونه عصر الفاشية الدينية، ياتون الى بلادنا لمناصرة حاملي دعاوى الاسلام هو الحل،  ولا يرون شذوذا ولا نشازا ولا عارا وشنارا فيما يفعلون.

وقلت له ان مثل هذا القول الذي يقولونه ينبيء عن سياسة عنصرية مقيتة كريهة، رغم انهم لا يعترفون بانها حقا تفرقة عنصرية، لان اصحاب حكم الابارتايد في افريقيا امثال فوستر وايان سميث في جنوب افريقيا وروديسيا سابقا، وقبل زوال حكمهم القائم على التفريق العنصري بين البيض السود، لم يكونوا يسمون ما يفعلونه تفرقة عنصرية، وانما كانوا يقولون كلاما مشابها تماما لهذا الكلام الذي ياتي على السنة  قادة الغرب، فيما يخص العلاقة بيننا وبينهم، كان قادة التفرقة العنصرية في افريقيا، يقولون ان للافارقة السود ثقافتهم وتقاليدهم وعوائدهم واسلوب حياتهم الذي يجب ان يحتفظوا به، وللبيض القادمين من اوروبا، اسلوبهم في المعيشة وثقافتهم وتقاليدهم المخالفة للسود ولا تصلح لغيرهم، ولهذا فلابد ان يعيش كل منهما في نسق ونظام يختلف عن الاخر، مما يمكن تسميته وطن واحد ومجتمعان اثنان، وما يقوله قادة الغرب، فيما ارى، وفي هذا الخصوص بالذات لا يختلف تماما عن كلام العنصريين في انظمة الابارتيد. وبناء عليه فانه ليس كلاما بريئا، ولا خاليا من النوايا الخبيثة التي تسعى لابقاء العرب، في درجة من الانحطاط والتخلف، ضمانا لتفوق الغرب، وقدرته على استغلال ثروات العرب ومواردهم وموقع بلادهم الاستراتيجي، وخاصة مصادر الطاقة التي تغذي شجرة الحضارة والصناعة لديهم، انهم يعرفون ان الاسلام السياسة هو وصفة لخراب المجتمعات وانهيارها، ولهذا هم يدفعون به ويزكونه ويريدون له السيطرة على قيم المدنية والحداثة وروح العصر، في هذا الجزء من العالم.د. 

أحمد ابراهيم الفقيه

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com