http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

عبد الرزاق مختار: في ذكرى 17 فبراير

ليبيا المستقبل 0 تعليق 59 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عبد الرزاق مختار: في ذكرى 17 فبراير. . .  هواجس وخواطر وأمنيات



لعل الأحداث المتعاقبة في السنوات الأربع الأخيرة قد رسبت وربما رسخت عند كثير من الليبيين مشاعر سلبية اتجاه ثورة 17 فبراير وربما ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك لنكران أنها ثورة. وإذا وجدنا العذر للفريق الأول في إصابته بالإحباط والمشاعر السلبية، فإننا لا يمكن أن نوافق الفريق الآخر الذي ينكر على الليبيين كونهم قاموا بثورة كبيرة قدّموا فيها تضحيات جسيمة. إنّ هذا الرأي يقفز على حقائق ووقائع ومواقف عظيمة على مستوى أفراد وجماعات ومدن. لا يمكن جحودها ونكرانها. فهذا تجن على الحقيقة وظلم بيّن لأرواح عشرات الآلاف من الشهداء وأضعافهم من الجرحى وأعداد غير قليلة من مبتوري الأطراف. وآلاف الثكالى واليتامى. 

إننا نلتمس الأعذار كما أسلفنا لمن تسلل الإحباط إلى نفوسهم بسبب الكمّ الهائل من السلبيات التي طغت على المشهد في ليبيا والصراعات والتناحر والمواجهات وبروز شخصيات سلبية تتصدر المشهد. لكن لا يمكن أن ننكر على الشهداء وعلى الأبرياء والأنقياء تضحياتهم ومواقفهم الوطنية الصادقة ولا يجوز لليبيين أن ينسوا أويتناسوا تلك الأيام الرائعة التي جعلت الليبيين على قلب رجل واحد في تعاضدهم وتعاونهم وهبتهم في وجه الظلم تجاوب تكبيراتهم وشعاراتهم على مستوى الوطن كله من أقصاه إلى أقصاه. على الليبيين أن يستدعوا كل ما يجمعهم ويترفعوا عن كل ما يفرقهم. وأن يدركوا أن الوطن أمانة في أعماقهم وأنه إن ضاع وانهار – لا قدر الله – لن تقوم لهه قائمة وسيلفظهم العالم ويصبحون في مهب الضياع والتشرد ورهناً لإرادة الأجنبي وسطوته وانتهاكه لحرمات الوطن. في ذكرى الثورة التي انتفض فيها الليبيون ضد الظلم عليهم أن يتوقفوا عن ممارسة الظلم وانتفضوا فيه ضد النهب وسرقة الثروات فعليهم أن يكفوا أيديهم عن السرقة والنهب. وانتفضوا فيه كي يعيدوا بناء وطن ودولة حديثة عليهم أن يتوقفوا عن التدمير والتناحر والصراعات. وانتفضوا فيه كي يبتنوا دولة العدل والمساواة والمؤسسات فعليهم أن يكفوا عن التخريب والهدم والسطو. 

عطر الثورة وعبيرها نسترده في عيدها...

أستعيد هنا عطر تلك الأيام وبهاء تلك الليالي ونقاء تلك المواقف. ليس من باب التباهي أوالتفاخر إنما من باب التذكير بأيام فارقة في تاريخ الليبيين المعاصر. أرى من الإجحاف والظلم البيّن التنكر لها أوتشويهها. وللأسف حدث شيء كبير من هذا. تشويه ولغط وغمط لمواقف أناس أنقياء وتنكر لأرواح شهداء. ومحاولة محوفصول رائعة وصفحات ناصعة سطرها الليبيون لكن للأسف تمت ممارسات مستميتة لتشويه كل ما يمت لثورة 17 فبراير التي تتبرأ من كل الانتهازيين والمنافقين والجهويين والوصوليين الذين انحرفوا بمسارها الوطني الأصيل. نستحضر تلك الساعات الفاصلة والأيام الفارقة التي تجلى فيها الوجدان الليبي في أبهى صوره وأنقاها. نتذكر أول شاب صعد ورفع راية الاستقلال نتذكر التجمعات بل الزحوف البشرية غير المسبوقة باتجاه ساحة التحرير. رجالاً ونساءً وأطفالاً ومسنين. نتذكر أمهاتنا وأخواتنا اللواتي كنّ يقمن بطهوآلاف الوجبات. نتذكر الشباب الذين تنادوا وأسسوا في سرعة البرق مركزاً إعلامياً عالميا بجهود فردية لإيصال حقيقة ما يجري إلى العالم أجمع. نتذكر الشهداء الذين سقطوا على امتداد الوطن من أجل رفع الظلم وإنهاء حكم الطغيان والفساد. نتذكر بفخر مؤسسات المجتمع المدني التي ظهرت للوجود دون سابق تجارب سابقة وقدمت أعمالاً جليلة. نتذكر بزهوالجمعيات التطوعية والخيرية التي كانت ترسل المؤن والأغذية والأدوية إلى المدن غير المحررة. نتذكر أبطال الجرافات وقوافل الإغاثة الذين كانوا يضحون بحياتهم من أجل إيصال المقاتلين والذخائر والسلاح والمؤن إلى مدينة مصراتة  ومدن الجبل حتى تعزز صمودها وتحافظ على وحدة ليبيا وعدم تحقيق مأرب النظام المنهار في تقسيم الوطن. علينا أن نحتفل في ذكرى الثورة بالرجال وبتضحياتهم وبالنساء الحرائر الماجدات. حتى بالأطفال الذين امتلأت بهم الساحات وحملوا الأعلام وهتفوا بالشعارات. نحتفل بالشهداء وما أكثرهم على امتداد الوطن ونجدد العهد والبيعة لأرواحهم ألا نخذلهم ونخون تضحياتهم. نحتفي بالمقاتلين الأشاوس وبالوطنيين الذين تركوا أعمالهم ومصالحهم وعيشهم الرغيد ليتصدروا الموقف حين كان يعني هذا لوأخفقت الثورة قتلهم والتمثيل بهم وتشريد أهلهم وعائلاتهم. علينا أن نتذكر البطولات والملاحم كي يخجل المتسلقون المنافقون الذين قاموا بتشويه الثورة وبسرقتها واختطافها. 

خميس الكيلاني سعد القطعاني رجل في مقام الكبار...

وحين نتذكرالرجال الذين قدموا التضحيات الجسام منهم من عرفوا عند الناس ومنهم من لم يظهر في وسيلة إعلام واحدة ولم يسع إلى ذلك رغم كل ما قدمه عبر سنوات طويلة من المعارضة الصلبة الصامدة ضد نظام المنهار. وهنا أتوجه بالشكر للأديب والحقوقي د. جمعة عتيقة الذي بدأ سلسلة مقالية يذكّر فيها الليبيين برجال حقيقيين. من هؤلاء الأخ والصديق العزيز والمناضل الكبير المرحوم خميس الكيلاني سعد القطعاني مع ذكرى رحيله أتذكر هذا الليبي الطيب ومواقفه. الذي دفعني إلى الانخراط في العمل السياسي وذلك بترشيحي للانضمام للعمل بالجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا حيث كانت تربطه علاقة وثيقة بالدكتور محمد المقريف الذي كان يتردد على مكتبنا الخاص في لندن نتيجة علاقته بالسيد خميس رحمه الله.

المرحوم خميس الكيلاني أحمل له في قلبي وحتى مماتي كل التقدير واحترام لمواقفه الكبيرة معي ومع الوطن لم يتزحزح يوماً عن مكانه الذي اختاره لنفسه في معارضة القذافي ومقارعة زبانيته. هذا الرجل لم يتوقف عن دعم المعارضة الليبية مادياً ومعنوياً والوقوف مع أفرادها خاصةً الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا. رحل الكيلاني عن دنيانا الفانية لكن استبقى رصيداً نضالياً لوجه الله ثم الوطن وسيرة عطرة من العطاء والانتماء دون انتظار مصالح ومكاسب شخصية ضيقة. وفي هذا المقام لا ننسى المناضل سليمان رجب صالح منينة صديق الكيلاني وصديقي لمواقفه الخالدة ولعل أشهرها رحلته إلى تشاد هووالمرحوم خميس الكيلاني للالتقاء بالأسرى الليبيين لدى تشاد وقد تمً القبض عليهم من قبل جماعة تشادية مسلحة لا تتبع الرئيس التشادي هبري وقد تمّ الإفراج عنهم بجهود السيد المناضل غيث سيف النصر. كذلك رفض منينة مقابلة المدعوسيف في بيته. وكان كذلك أول من تكفّل بالإنفاق على اجتماع أغادير الذي ضمّ أعضاء المجلس الوطني لإنقاذ ليبيا. 

كلمة أخيرة...

وفي الختام وبهذه المناسبة فإنني أناشد أبناء ليبيا الشرفاء أن يعوا حجم التحديات وخطورتها التي تحيق بالوطن اليوم وتكاد تعصف به كله وتدفع به إلى الفشل وتجعله لقمة سائغة في أفواه أعدائه المتربصين به. وتجعله مرتعاً للإرهاب ومحتضناً آمناً للإرهابيين الذين أخذوا بالفعل يحكمون قبضتهم على بعض المناطق مستغلين الشقاق بين الليبيين والصراع المحتدم على كسب المصالح وإحراز المناصب والحلقة المفرغة التي يتخبطون فيها بينما يتمترس كل طرف في موقعه مؤثراً مصالحه الجهوية  والعصبية والقبلية. ما أنتج حالة من الفوضى جراء تأخر إصدار الدستور الذي طال انتظاره مما أحدث فراغاً للمرجعية الدستورية التي يحتكم إليها الجميع مع استنفاد وقت مبالغ فيه ونشوء خلافات ومحاولة كل مكوّن كسب مصالح خاصة ولوعلى حساب مصلحة الوطن. إضافةً إلى ست حكومات تعاقبت على حكم البلاد منذ اندلاع الثورة ولم تستطع للأسف تحقيق أدنى متطلبات المواطنين وتلبية احتياجاتهم الأساسية إنما تحولت إلى أجسام متضخمة مترهلة تستنفد من الميزانية العامة ولا تضيف إليها. وليس ببعيد عن هذا التخبط الأجسام التشريعية التي كان ينتظر منها أن تسهم في إنقاذ الوطن وسنّ التشريعات التي تعجّل بتجاوز المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار بل تحولت إلى ساحات للصراعات والمشاحنات وتعميق الخلافات. وليس ببعيد عن حالة الفوضى هذه الخطابات والرسائل الإعلامية السلبية التي تبثها على مدار اليوم عشرات القنوات وكثير منها مجهول الهوية والدعم. ما كان له بالغ الأثر السلبي على التأجيج وتدكين نقاط الاختلاف وتحويلها إلى خلاف عوضاًعن غياب الموضوعية والنزاهة ودفع الاتهامات دون أدلة وبراهين وعدم تبني خطاب مهني موضوعي يراعي أخلاقيات المهنة ومالح الوطن ويتوخى الحقيقة ولا ينحاز عن غير هدى لفريق دون آخر وتبني أجندة الممول بغض النظر عن تأثيرها الخطير على مصلحة الوطن واستقراره. 

إن ما يكابده الليبيون اليوم ليس وليد الساعة إنما هونتيجة تراكم الإحاطات  وتزايد الخيبات والشعور بتراجع أداء من تصدروا المشهد التنفيذي والتشريعي والإعلامي عن حجم التضحيات الجسام التي قدّمها الليبيون وقصر قاماتهم أمام قامات الرجال الأشاوس والنساء الحرائر الذين بذلوا أرواحهم رخيصةً من أجل بناء ليبيا الحرة الكريمة السعيدة.

إنني أناشد كل حرّ شريف تؤول إليه مسؤولية في موقع ما أن يكون على قدر خطورة المرحلة ودقتها وأن ينذر جهده وعرقه ويجند خبرته وكفاءته لخدمة ليبيا التي تحتاج أعماله الجليلة ومواقفه النبيلة ويترفعوا عن الصغائر والمصالح الشخصية والأنانية حتى يسجل التاريخ أسماءهم بحروف من نور. 

رحم الله الرجال الأشاوس والحرائر الماجدات والتحية الواجبة لكل من ضحّى وبذل الدم والجهد والعرق وحتى الكلمة الطيبة ونبذ الفتنة والشقاق كي يحافظ على وحدة الوطن وعلى مقدراته ومكوناته. ونسأل الله أن نحتفي العام القادم لوأمدّ الله في أعمارنا وقد طويت صفحة الصراعات والتناحرات والركض خلف الأجندات لتحل صفحات زاهرة منيرة يسطرها أبناؤها الخلّص الشرفاء،الأوفياء للتضحيات وللشهداء، ليعمها التفاؤل والانطلاق نحوبناء ليبيا الحديثة واستدراك ما فاتها من حقب طويلة لتصبح ليبيا منارة ساطعة يشار لها بالبنان في التقدم والبناء والاستقرار والازدهار... حفظ الله ليبيا وشعبها من كل سوء. 

عبد الرزاق مختار
عضوالمجلس الانتقالي السابق
سفير ليبيا في تركيا

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com