http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

خليفة علي حدّاد: العدالة الانتقالية... بين خطاب التأسيس وحدود الواقع

ليبيا المستقبل 0 تعليق 44 ارسل لصديق نسخة للطباعة

مثّل "الإنسان" الموضوع الذي انشدت إليه اهتمامات الفلسفة منذ أطوارها الأولى. ولم تكن مباحث الأخلاق والنفس والسياسة والدين سوى مداخل لهذا الاهتمام وأصداء له. ولم يكن بحث "الإنسان" ليجد مشروعية دون الحديث عن الضمانات اللازمة لبقائه وتنظيم حياته وخلق الأطر التي تنظم علاقته التفاعلية مع المجموعة. ومن هنا انصب اهتمام الفلاسفة على ضرورة وجود الدولة ضامنا لهذا البقاء وضابطا لهذا التفاعل والتعايش. غير أن هذا الاهتمام لم يتوقف عند التأكيد على ضرورة قيام الدولة، بل تعداها إلى وضع محددات لهذا الكيان ليكون خادما للإنسان وهادفا لحسن بقائه، إذ لا قيمة للبقاء دون ضمان حسن البقاء.



من هذا المنطلق، توجهت اهتمامات السياسيين والفلاسفة، منذ القدم، للتعاطي مع أقوم المسالك لسياسة المجتمع بآليات تضمن نيل الحقوق وأداء الواجبات ومنع التعدي عبر صياغة التشريعات وإقامة المؤسسات السياسة والعدلية والأمنية وتأصيل المفاهيم الفلسفية والفكرية. ولعل مباحث من قبيل السياسة والدولة والسلطة والعنف والحق والعدالة كانت الأكثر حضورا وطغيانا في المدونة الفلسفية والفكرية والتشريعية والفقهية والقانونية منذ الإغريق إلى يوم الناس هذا، ولم تخل منها أي حقبة تاريخية ولا أي حضارة أو دين .

غير أن التأصيل الفكري والفلسفي والتشريع القانوني والمؤسسي لم يحل دون مرور الإنسانية بحقبات تاريخية تراجعت فيها قيمة العدالة وطغت أجهزة الدولة واستشرست السلطات وانفلت الأقوياء وأصحاب النفوذ من موانع القانون وضوابط الأخلاق. ولم يكن الثمن الذي دفعته الإنسانية في مثل هذه الحالات هينا، فقد شهدت الأمم حالات لا تحصى من وقائع القتل والتعذيب والتهجير والسطو على الأموال والممتلكات والحرمان من ممارسة الحقوق والاغتصاب وشتى ضروب التعدي على كرامة الإنسان. ولعل أهم ما ميز مثل هذه المظالم عن عداها هو  استخدام جهاز الدولة ومؤسساتها، بمعنى "مأسسة الظلم" وتحول التعدي على حقوق الإنسان إلى سلوك رسمي.

وكانت الحصيلة الثقيلة للحروب والاضطرابات السياسية والاجتماعية والأهلية والإرث المدمر لأنظمة الحكم الاستبدادية على مستوى الأفراد والمجتمعات ومخلفات الانتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان دافعا للبحث عن آليات لكشف الحقائق والمحاسبة وجبر الأضرار وضمان عدم تكرارها. ومن هنا كانت الدعوات إلى تحقيق "العدالة الانتقالية" في مثل هذه الوضعيات.

فما العدالة الانتقالية؟ وما الذي يميزها عن عداها من أصناف العدالة؟ وهل كانت الأمثلة العملية، عبر العالم، محققة لقيمة العدالة؟

• العدل والعدالة لغة واصطلاحا:

العَدْلُ: خلاف الجَوَر. يقال: عَدَلَ عليه في القضيّة فهو عادِلٌ. وبسط الوالي عَدْلَهُ ومَعْدِلَتَهُ ومَعْدَلَتَهُ. وفلان من أهل المَعْدَلَةِ، أي من أهل العَدْلِ. ورجلٌ عَدْلٌ، أي رِضاً ومَقْنَعٌ في الشهادة. وهو في الأصل مصدرٌ. وقومٌ عَدْلٌ وعُدولٌ أيضاً، وهو جمع عَدْلٍ. وقد عَدُلَ الرجلُ بالضم عدالة.

عدَل بين المتخاصمين: أنصف بينهما وتجنَّب الظُّلْمَ والجَوْرَ، أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه: يُساوون به ما يعبدون. عدَل الشّيءَ بالشّيءِ: سوّاه به عدَل، لوحَ الخشب بالقدّوم. عدَل إلى الشَّيء: أقبل إليه بعد أن أعرض عنه عَدَلَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ: سَاوَى بَيْنَهُمَا عَدَلَ بِرَبِّهِ عَدْلاً وَعُدُولاً: أَشْرَك، سَوَّى بِهِ غَيْرَهُ الأنعام آية 1 ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (قرآن) عَدَلَ الأَمْتِعَةَ: جَعَلَهَا أَعْدَالاً مُتَسَاوِيَةً لِتُحْمَلَ عَدَلَ فِي أَمْرِهِ: اِسْتَقَامَ عدَل عن رأيه عُدولاً: حاد ورجَع عنه عَدَلَ فِي أَحْكَامِهِ: أَنْصَفَ، كَانَ عَادِلاً عَدَلَ صَاحِبَهُ فِي الْمِحْمَلِ: رَكِبَ مَعَهُ عَدَلَ في أمرِه عَدلا، وعَدَالَة، ومَعْدِلَة: استقام عَدُلَ (فعل) عدُلَ يَعدُل، عدالةً وعُدولةً، فهو عَدْل وعادِل، عدُل القاضي: كان مُنصفًا، مُتجنِّبًا للظُّلم والجور، مرضيَّ الحُكْم، عكْسه ظلَم.

• ما العدالة الانتقالية؟

يختلط لدى البعض مفهوم العدالة الانتقالية بمفهوم المحاكم الخاصة والاستثنائية، وهو خلط ناتج، أساسا، عن حداثة عهد الدول والمجتمعات الإنسانية بهذا الضرب من العدالة، زيادة على محدودية الحالات التي اعتمدت فيها العدالة الانتقالية آلية للتكفير عن عهود القمع والظلم القاسية وللتأسيس لمنظومات أمنية وعدلية وسياسية ومدنية تقطع مع الممارسات المهينة للكرامة الإنسانية وتضع الضوابط اللازمة للتوقي من العود إليها.

ورغم بعض الاختلافات الجزئية في تعريف العدالة الانتقالية، إلا أن العدالة الانتقالية، في مفهومها العام "تُشير إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكالا متنوّعة من إصلاح المؤسسات. وليست العدالة الانتقالية نوعًا "خاصًّا" من العدالة، إنّما هي مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال من النزاع و/أو قمع الدولة. ومن خلال محاولة تحقيق المحاسبة وتعويض الضحايا، تقدّم العدالة الانتقالية اعترافاً بحقوق هؤلاء الضحايا وتشجّع الثقة المدنية، وتقوّي سيادة القانون والديمقراطية".

أما القانون المنظم للعدالة الانتقالية في تونس، فقد عرف العدالة الانتقالية بأنها "مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان" .

كما عرف قانون العدالة الانتقالية في تونس الانتهاك بأنه "كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان صادر عن أجهزة الدولة أو مجموعات أو أفراد تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها وإن لم تكن لهم الصفة أو الصلاحية التي تخول لهم ذلك. كما يشمل كل اعتداء جسيم وممنهج على حق من حقوق الإنسان تقوم به مجموعات منظمة".

• العدالة الانتقالية: الإطار التاريخي

يعود ظهور مصطلح "العدالة الانتقالية" في الخطاب السياسي والفكري والحقوقي والقضائي إلى أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين، وهي مرحلة تاريخية شهدت سقوط الأنظمة الشيوعية الشمولية بالاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية (ما كان يعرف بدول الستار الحديدي) إضافة إلى انهيار الدكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية والجنوبية (الأرجنتين، البيرو...). كما شهدت هذه المرحلة التاريخية سقوط نظام الميز العنصري في جنوب أفريقيا (الأبارتيد) واندلاع حروب ونزاعات ذات خلفيات قومية واثنية في عدد من بلدان القارة السمراء خلفت أعدادا كبيرة من الضحايا ودمرت البنى التحتية والمقدرات الاقتصادية (رواندا، بورندي...).

أما في العالم العربي، فقد تواتر الحديث عن العدالة الانتقالية في خضم التحولات التي تعرفها المنطفة منذ خمس سنوات والمتمثلة في الحراك الاجتماعي والسياسي والثورات التي توجت ما يقارب الستة عقود من حكم "الدولة الوطنية" الموسوم بالاستبداد والشمولية وغياب أي مظاهر انخراط في ما صار يعتبر من المسلمات عالميا كاحترام حقوق الإنسان وحفظ كرامته وتوسيع قاعدة المشاركة في الشأن العام. وكانت المملكة المغربية البلد العربي الوحيد الذي شهد، نهاية الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة، ضربا من العدالة يشبه العدالة الانتقالية تحت مسمى "الإنصاف والمصالحة"، واختلفت التقييمات بشأن دوافعه وآلياته ونتائجه.

• العدالة الانتقالية: من يحققها؟

شهدت أغلب البلدان التي خاضت تجارب العدالة الانتقالية تشكيل هياكل عدلية وسياسية وإدارية وأهلية لتحقيق هذه المهمة والقيام بما تتطلبه من إجراءات. واختلفت طبيعة هذه الهياكل ومكوناتها من تجربة إلى أخرى بحسب طبيعة السياق التاريخي الذي تنزلت فيه هذه التجارب وبحسب طبيعة الانتهاكات المستهدفة وبحسب موازين القوى السياسية والاجتماعية والمدنية. ويصعب التفصيل في أحوال كل اللجان المعروفة حتى الآن والتي قارب عددها الثلاثين لجنة منتشرة في مختلف قارات العالم (هايتي، سريلانكا، نيجيريا، الجزائر، المغرب، تونس، دول أوروبا الشرقية...)، لذا سيتم الاقتصار على ثلاث تجارب، اثنتان أتمتا أعمالهما، وهما المغرب وجنوب أفريقيا، والثالثة مازالت في بداية طريقها، وهي تونس.

• لجنة الحقيقة والمصالحة بجنوب أفريقيا:

لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا (Truth and Reconciliation Commission: TRC) هي لجنة أنشئت بمقتضى "قانون تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة لعام 1995"، أثناء رئاسة نيلسون مانديلا للبلاد الذي وصل إلى السلطة قبل ذلك بعام في سياق تحول ديمقراطي لإنهاء نظام الفصل العنصري وهيمنة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا. ترأس اللجنة رئيس الأساقفة ديزموند توتو. وكان الهدف الرئيسي للجنة "الوصول لمصالحة الوطنية بين الضحايا والجناة بعد تحديد جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت انطلاقا من مجزرة شاربفيل في عام 1960، في ذروة سياسة الفصل العنصري التي بدأته في عام 1948 حكومة جنوب أفريقيا". "انقسمت لجنة الحقيقة والمصالحة إلى ثلاث لجان فرعية: لجنة انتهاكات حقوق الإنسان، ولجنة جبر الضرر وإعادة التأهيل، ولجنة العفو. فأما لجنة انتهاكات حقوق الإنسان فقد كانت وظيفتها التحقيق في الانتهاكات التي تمت بين 1960 و1994. بينما كانت مهام لجنة جبر الضرر صياغة توصيات واقتراحات حول إعادة تأهيل الضحايا وعائلاتهم. وقد أُسس صندوق يُموَّل من ميزانية الدولة ومساهمات خاصة بهدف تقديم تعويضات مستعجلة للضحايا طبقًا لقواعد محددة يحددها رئيس الدولة. وبالنسبة للجنة العفو فإن مهمتها الأساسية هي الحرص على أن تتم طلبات العفو طبقًا للقانون؛ إذ يمكن لطالبي العفو أن يطلبوه بالنسبة لأي عمل إجرامي مرتبط بهدف سياسي اقتُرِف بين 1 مارس/آذار 1960 إلى 6 ديسمبر/كانون الأول 1993".

• هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب:

تعرّف هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب نفسها بأنها "لجنة وطنية للحقيقة والإنصاف والمصالحة، أنشأت بناء على القرار الملكي بالموافقة على توصية صادرة من المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان وعلى الظهير الشريف المتضمن للنظام الأساسي للهيئة الصادر ب 12 أبريل 2004، ذات اختصاصات غير قضائية في مجال تسوية ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. من مهامها البحث والتحري والتقييم والتحكيم والاقتراح. ويشمل اختصاصها الزمني الفترة الممتدة من أوائل الاستقلال 1956 إلى تاريخ المصادقة الملكية على إحداث هيئة التحكيم المستقلة للتعويض 1999. أما الاختصاص النوعي فيشمل أكثر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي اتسمت بالطابع الممنهج و/ أو الكثيف. علما بأن اختصاص التحري والكشف عن الحقيقة يخول الهيئة التحقق من نوعية ومدى جسامة الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان".

وعددت الهيئة أعمالها، في بيانها الختامي، موضحة أنها درست أزيد من عشرين ألف ملف لضحايا الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والمعاملة السيئة، كما تمكنت من تحديد مصير 742 حالة مختلفة، وتحديد هويات 89 شخصا توفوا رهن الاحتجاز، واكتشاف وتحديد هويات 11 شخصا توفوا على إثر مواجهات مسلحة والوقوف على أماكن دفنهم، والانتهاء إلى أن 325 من الأشخاص المدرجة أسماء بعضهم في عداد مجهولي المصير، قد توفوا على إثر الأحداث الاجتماعية الواقعة في سنوات 1965 (50 وفاة) و1981 (114 وفاة) و1984 (49 وفاة) المدرجة أسماء بعضهم في عداد مجهولي المصير، كما انتهت الهيئة إلى تحديد وفاة 173 شخصا رهن الاعتقال التعسفي أو الإخفاء القسري في الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999 في مراكز اعتقال مثل: دار بريشة، ودار المقري ودرب مولاي الشريف وتافنديلت والكوربيس.. غير أنها لم تتمكن من تحديد أماكن الدفن.

• هيئة الحقيقة والكرامة بتونس:

تعرف هيئة الحقيقة والكرامة نفسها بأنها "الهيئة المنوط بها الإشراف على مسار العدالة الإنتقالية بمختلف مراحلها، وهي هيئة مستقلة تتمتّع بالشخصية المعنوية والإستقلال الإداري والمالي. ولقد تم انشاءها بمقتضى قانون عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 الذي يتعلق بإرساء العدالة الإنتقالية وتنظيمها. وهي تتكوّن من خمسة عشر عضوا من ميادين واختصاصات مختلفة. تتولّى الهيئة، كشف الحقيقة عن مختلف الإنتهاكات ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر الضرر ورد الإعتبار للضحايا لتحقيق المصالحة الوطنية. ويغطي عمل الهيئة الفترة الممتدّة من الأول من شهر جويلية 1955 إلى حين صدور القانون المنشئ لها.

ويكون من بين أعضاء الهيئة، وجوبا، ممثلان عن جمعيات الضحايا وممثلان عن الجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان، ترشحهم جمعياتهم. ويختار بقية الأعضاء من الترشحات الفردية في الاختصاصات ذات الصلة بالعدالة الانتقالية كالقانون والعلوم الاجتماعية والإنسانية والطب والأرشيف والإعلام والاتصال على أن يكون من بينهم وجوبا قاض عدلي وقاض إداري ومحام ومختص في العلوم الشرعية ومختص في المالية.

 العدالة الانتقالية: عدالة أم تجاوز

لا شك أن العدالة الانتقالية، شأنها شأن كل الاجتهادات الهادفة لتحقيق العدل، تظل عملا إنسانيا من جهة، ومحكومة بمعطيات الواقع والسياق من جهة أخرى، وبينها وبين القراءات الفلسفية والتنظيرات الفكرية والتعاطي التشريعي بون يتسع أو يضيق حسب التجارب وحسب الإرادات السياسية التي تقف خلف هذا المطلب.

ففي جنوب أفريقيا، ظل الإرث التاريخي للمجتمع المحكوم بتراتبية عنصرية وما أفرزته من نتائج في بنيته وفي موازين القوى داخله من العوامل التي تلقي بظلالها على الإرادة السياسية في المضي قدما لتحقيق الأهداف التي من أجلها بعثت لجنة الحقيقة والمصالحة. وكانت سيطرة البيض على كافة مفاصل الدولة وحضورهم الأغلبي في النخب المسيرة لأجهزتها، بحكم احتكارهم للتعليم والتعلم لأمد طويل، عاملا دافعا للتعثر. كما مثل الشعور بالتفوق العنصري مانعا لعدد من كبار المسؤولين عن الانتهاكات من المثول أمام اللجنة أو طلب العفو. ورغم هذه المطاعن وغيرها، تظل تجربة جنوب أفريقيا تجربة فريدة ومتميزة قياسا لتجارب أخرى في بلدان أفريقية وآسيوية وأمريكية. فرغم أن تجربة العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا لم تحقق العدل المطلوب على مستوى الأفراد إلا أنها كانت منطلقا للقطع مع منظومة سياسية وتشريعية واجتماعية و"حضارية" ظالمة امتدت قرونا، كما كانت خطوة أولى في طريق طويل من التأسيس لمجتمع مواطني بعيدا عن تصنيفه العرقي ولونه وأصوله الاجتماعية.

أما في المغرب، فقد كان القرار السياسي للمؤسسة الملكية وراء تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة. وظلت مرجعية القرار الملكي عاملا مؤثرا على عمل الهيئة وضابطا لحدودها والمدى الذي يمكن أن تصل إليه في رد الحقوق من الجناة إلى المظلومين وتحقيق العدل المنشود. كما ظلت بعض أجهزة الدولة، التي فرضت نفسها، لعقود طويلة، عبر منظومة معقدة ومتشابكة من المصالح، عصية عن الاعتراف بواقع جديد يمكن أن يصبح فيه القانون وحقوق الإنسان والمواطنة والعدالة عقودا يتواضع عليها الناس وتوجه العلاقات بين المواطن وأجهزة الدولة. وحسب التقرير الختامي للهيئة "فقد واجهت الهيئة أثناء الكشف عن الحقيقة معوقات، من بينها محدودية بعض الشهادات، وكذا الحالة المزرية التي يوجد عليها الأرشيف الوطني والتعاون غير المتكافئ لبعض الأجهزة الأمنية؛ حيث قدم البعض منها أجوبة ناقصة عن ملفات عرضت عليها، كما رفض بعض المسؤولين السابقين المحالين على التقاعد المساهمة في مجهود البحث عن الحقيقة".

ورغم كل المطاعن التي وجهت لتركيبة اللجنة وخلفيات تشكيلها وعملها وقراراتها وهامش سلطتها إلا أنها تظل أول بادرة، تحوز القدر الأدنى من الجدية، على المستوى العربي، لكشف بعض الحقائق ورد نزر من الحقوق. كما أنها المناسبة الأولى التي تعترف فيها "الدولة الوطنية" في العالم العربي بارتكاب جرائم منظمة ضد مواطنيها.

أما عن هيئة الحقيقة والكرامة ومسار العدالة الانتقالية في تونس، فمن المبكر إطلاق أحكام قطعية بشأن نجاحها أو فشلها في تحقيق عدل نسبي يكفر عن مظالم الدولة وأجهزتها بحق مواطنيها، غير أن المؤشرات الأولية، منذ 2011 وإلى الآن، تنبئ أن عملا بهذا المقصد لن يكون أمرا ميسورا مع وجود رغبات معلنة للتراجع عن المسار برمته. ولعل التأخير الطويل في إصدار النص التشريعي المؤسس للعدالة الانتقالية، ثم ما تبع ذلك من عراقيل حالت دون ترجمة النص واقعا، وظهور مشاريع موازية للتعاطي مع الإرث الثقيل من الفساد والظلم وانتهاك الحقوق بمنطق إعادة التأهيل والتموقع بدل المحاسبة، كلها عوامل قد تفرغ مشروع العدالة الانتقالية من محتواه وتنتهي به نصا جميلا بين نصوص أخرى جميلة زينت العدل وقبحت الظلم وأرشدت إلى صراط الإنصاف منذ ابن خلدون وخير الدين وابن أبي الضياف.

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com