http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

وهل بعد فُرار نوار؟

الوسط 0 تعليق 27 ارسل لصديق نسخة للطباعة
 

(1)
- "صقع.. يا سي عقيلة.. صقع واجد!" كذلك قال سيدي إبراهيم، الذي كنا ننتظر في مكتبه قدوم ناظر الأشغال العامة. كنت بجوار والدي مبهورا بالآلة الكاتبة، التي كثيرا ما رأيت مثلها في الأفلام المصرية. وكنت أتلصص عبر الباب الموارب، وأتنصت لحركة خلف مكتب سيدي إبراهيم أمنينه. أجابه والدي:
- اليوم أول يوم في(قرة العنز) التفت سيدي إبراهيم نحو رزمانة معلقة خلفه، ثم اعتدل نحونا قائلا:
- "14 فبراير1959م"
- "فبراير؟" تساءل والدي، فأجابه موضحا :
- " فُرار.. اليوم 14 فرار.." عقب والدي:
- "ما بعد فرار نوار.. إن لم ترَ نوارا هذه الأيام لن ترى ربيعا.. لا كريشة جدي ولا خرنبوش. قعمول بس!"



دخل رجل قصير يعتمر شنة حمراء، مثل التي يرتديها سيدي إبراهيم، غير أن سيدي إبراهيم، الذي قام للرجل يميل شنته نحو جهة اليمين، يعني(معنقرها)! وقف والدي ومن دون إرادة، ولا أدري لماذا وقفت أنا أيضا؟. التفت الرجل القصير نحو والدي، وقال له متبسما، من دون أن يتوقف:
- "خير يا عقيلة.. هيا تعال" مال نحو باب مكتبه ودخل. أمسك أبي بيدي ولحقنا به، لأكتشف أن ما كنت اتنصت عليه، واعتقدت أنه الناظر، كان رجلا ينظف المكتب، وغادره بمجرد أن دخلنا.
- "يا عقيله.. العيل صغير!" كذلك قال الرجل ذو الطاقية الحمراء، أجابه والدي سريعا، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال :
- "هذا الذي تراه أمامك يعرف شوارع بنغازي كلها" ثم استطرد: "ويحفظ جزء عم .. وكذلك جدول الضرب". التفت الرجل القصير ذو الطاقية الحمراء نحوي، وسألني:
- "تقرأ" هززت رأسي بالإيجاب ، وأضفت:
- "في سنة خامسة" تبسم الرجل ذو الطاقية الحمراء، وقال بحسرة:
- "خساره، لو كملت سادسه ابتدائي لكان لك حق في (بشكليطا)" ثم استطرد:" دراجه (قوما قروصو) جديده". أجبته في تردد :
- "اليوم يسجلني سيدي رجب النيهوم في مدرسة الأمير الليلية". أجابني:
- "هكذا غلبتني! أنجح وتعال لعمك إبراهيم، وسوف يكتب لك رسالة يعطوك بموجبها الدراجة".
وهكذا صرت مساعد أصغر قاريء عدادات كهرباء في العالم، أما في العام التالي، أصغر قارئ عدادات في بنغازي في عهدته دراجة حكومية نوع(قوما قروص) أصفار!

حدث ذلك أيام(الديسمبريات) التي لم تتركني إلاّ بعد أن اطمأنت أنني طالب في جامعة معترف بها في العالم كله، متخصص في اللغة الإنجليزية. لقد غابت شمس تلك الأيام قبل أن نحتفل بعيدها بمئة وخمسة عشر يوما فقط ! فلقد كانت احتفالية(حقبة الديسمباريات) يوم 24/ 12 من كل سنة.

(2)
تخرجت من الجامعة مع بداية (حقبة السبتمبريات).أصبحت مسجلا لكلية طب حديثة الإشهار، كان عدد طلبة دفعتها الأولى 48 طالبا، لم يتغير نمط حياتي استمررت طالبا، ولكن بمكتب على حافته تلفون، وفي مقدمته مقلمة، ويافطة تحمل اسمي وصورة"هيثم " أول أبنائي! وأمام باب مكتبي ساعٍ، يقدم لي قهوتي الصباحية. أقضي من يومي أكثر ساعاته في الساحة، أو بالمقصف مع الطلبة، كنت سعيدا جدا بعملي، وكانت أوراقي بقسم البعثات بالجامعة في انتظار قرار بالإيفاد إلى أمريكا. قامت اللجان الشعبية في الجامعات، تفاقم صدامي مع الطلبة الذين تصدروا مشهد اللجان، تركت الجامعة، ومازال ملفي ممهورا حتى الآن بملاحظة تقول أنني منقطع عن العمل! قررت ألاّ أنتظر الساعي ليحضر لي قهوتي الصباحية، بحثت عن رزقي في أسواق الخضروات، ومخازن السلع، ثم طاردته مبحرا في الأفجار وراء الأسماك.عدت من القاهرة. أخذ ضابط الأمن جواز سفري. طلب مني مرافقته لأنهم يحتاجونني لمدة خمس دقائق! سقط قلبي في جوفي، ولم يعاود دقاته إلاّ بعد أن وقفت العربة أمام مبني المباحث العامة، قبل أن يصير اسمها الأمن الداخلي، لأنني أعلم أن رئيسها المرحوم سعد بن عمران، وكان واحدا من أقرب أصدقائي. أخبرني أن قائمة وصلت اليه بأسماء مطلوب القبض والتحفظ عليهم، وكان اسمى بينهم. سألني عن علاقتي ببقية الأسماء فأخبرته أنهم كانوا زملائي في الجامعة وجميعهم من كلية الاقتصاد باستثنائي فأنا من كلية الآداب. جميعهم معرفة فقط . قال لي:"اذهب إلى أهلك الآن وتعال غدا، إلى مركز الحدائق فزملاؤك موقوفون هنا"، ولكنني طلبت منه أن يمر بي على بيتي لأطمئنهم، ويلحقني بزملائي لأنني أريد أن أعرف منهم سبب القبض علينا، وعرفت السبب. فلقد أصدر عبد السلام جلود باعتباره رئيسا للوزراء، أمرأ بالقبض على كل من تخرج في الجامعة ولم يلتحق بالعمل حيث تقرر تعينه! بقينا موقوفين لمدة شهر ليسمح بالإفراج لمن يحرر تعهدا بالالتحاق بالعمل، أينما يعين. كان تعييني في وزارة العمل بطرابلس. وقعت التعهد وذهبت في اليوم نفسه إلى طرابلس، ومباشرة إلى المرحوم صادق النيهوم، الذي أخبره بقدومي المرحوم خليفه الفاخري. أكدت له أن كل ما أريده هو العمل في بنغازي، عاد لي في اليوم التالي بقرار تعييني في التعليم ببنغازي، ولكن لم يطل الأمر حتى انقطعت عن العمل، وذهبت إلى البحر حيث لا زحف، ولا تأميم ولا لجان شعبية، ولا من يتنصت عليك. وظللت أراقب بلادي من البحر. ولقد بقيت شهرا بعد وفاة والدي قريبا من والدتي.. وذات يوم، أثناء عودتي بالخبز اليومي، شاهدت الناس متجمعة وقت رواح الموظفين بساحة الاتحاد الاشتراكي.. وقفت معهم مستطلعا فشاهدتهم يشنقون جاري الشهيد عمر دبوب، ورفيقه الشهيد محمد بن سعود. منها عدت للبحر، الذي أصبح صديقي جدا، وانقطعت صلتي بنشرات الأخبار والبشر! واتفقت مع الأسماك وفتحت لها مقهى ومطعما علقت في المقهى صور الأدباء والكتاب، بمن فيهم الكاتب الأول معمر القذافي، وعلقت في المقهى صور الأسماك الليبية كلها، واتفقت معها على أن أتولى طهيها بنفسي، مطت شفاهها مرغمة.

(3)
في (حقبة الفبراريات) انقلب التذمر إلى مظاهرة والمظاهرة إلى قتال واستمر منذ أن انطلقت الرصاصات الأولى في البيضاء يوم 15 فبراير، وصار يوم 17 ثورة حقيقية. وفي المقهي همست في إذن صديقي إدريس المسماري، الذي صاح في الليلة التالية:"الشعب يريد إسقاط النظام"، قلت له: "نحن لا نحتاج إلى ثورة، لأننا لسنا مؤهلين لها. نحن نحتاج إلى إصلاحات فقط !" ولم أغادر المقهى أبدا، ولم أذهب إلى ساحة الحرية، لأنني لا أحب الصراخ، ولم أذهب إلى الجبهة لأنني لا أحب لا الرصاص ولا الدم.. ولا أتصور أبدا أن أثقب جسم كلب، فما بالك بصدر إنسان. ظللت تحت صور الأسماك، ولكن بعدما بدأ الرفاق يجتمعون في الجامعة الدولية، التحقت بهم وهناك صرت شاهد عيان على اختيار مصطفى عبد الجليل رئيسا للمجلس الوطني الانتقالي وقرأت الفاتحة معه، وبحضور نخبة، ذكرت أسماءها في مقالات سابقة، وموثقة بالصوت والصورة. وتواصلت الاجتماعات والمحاضرات، ولأنني رحلت إلى مصر، من يوم وصول رتل كتائب القذافي مشارف بنغازي يوم 19 مارس 2011 ولم أعد إلاّ بعد ستة أشهر، حضرت اجتماعا لجماعة الدعم والمشورة التي أعتز أني أحد مؤسسيها، وطلبت مداخلة وسمح لي بها، وعندما بدأت حديثي قاطعني مدير الجلسة، الذي كان زميلي في الجامعة:"الصفة يا أستاذ" وعندما التفت نحوه، اكتشفت أنه لم يكن معنا من البداية، وانتبهت إلى أنه كان أحد رفاق الجامعة، تبسمت له ولكنني حِرتُ، فيما أقول له، فليس لي صفة مهنية، ولا أكاديمية، ولا وظيفية فترددت ولكنني تذكرت الأسماك ، فأجبته:"طباخ .. تخصص أسماك" ضحك الحاضرون، وضحكت معهم لأنني أحسست فعلا أنني طباخ، ولكن ليست كل طبخة جيدة. وتركت كل شيء، وعدت إلى مصر بعدما بدأ ناس لا أعرفهم يقتنصون بالرصاص الذين أعرفهم. ولم أعد ثانية، ومر فرار مرتين وما زلت أنتظر النوار!
وعلى الرغم من العوج والقهر وغياب النوار: كل عام وانتم بخير.




شاهد الخبر في المصدر الوسط




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com