http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

د. أبوريمة عبدالله غيث: كتاب "سيف القذافي.. مكر السياسة وسخرية الأقدار"

ليبيا المستقبل 0 تعليق 61 ارسل لصديق نسخة للطباعة

من يتابع مواقعنا الإلكترونية ومكتباتنا ما بعد أحداث فبراير.. فإنه سوف يجد عجبا عجابا من أشخاص كانوا لوقت قريب أطراف فاعلة في دائرة اتخاذ القرار، يعينون الوزراء والسفراء، وتُفتح لهم القصور، ويستقبلهم الرؤساء والأمراء.. وعندما مات النظام وانتهى.. أكتشفوا فجأة أن القذافي كان دكتاتورا ونظامه انقلابي وأن ابنه سيف كان ابنا لنصف اله يحكم بقوانين العقوبات الجماعية وقاعدة القانون المزاجي، بل كان سيف شبيها بأبيه، أو كما ذكر الدكتورمحمد عبدالمطلب الهوني في كتابه "سيف القذافي مكر السياسة وسخرية الأقدار": "لقد كان شبيها بأبيه في ثوريته الدونكيشونية" (ص 19)، وضرب أمثلة على ذلك.



هل كانت مواقفهم السابقة تعبيرا عن النفاق؟ أم الخوف؟ أم االمصالح الذاتية الأنانية؟ أم  هي تكتيك.. الهدف منه اصلاح ما يمكن اصلاحه؟.. لا أدري!!

منذ أيام قليلة، فرغت من قراءة كتاب الدكتور الهوني عن سيف، وخرجت منه بنفس الإنطباع الذي خرجت به بعد قراءتي لكتب شلقم و مقالات الفقيه.. وبنفس التساؤل وهو: مادام سيف بهذا الشكل، وهو نسخة مكررة لأبيه، كما يشير الكاتب، لماذا استمر السيد الهوني في خدمته كل هذا الوقت؟ ما هو تفسير ذلك؟ هل هي المصالح والمزايا التي كان يتحصل عليها كل من كان في موقعه والتي ربما تفسر كيف استطاع ان يدفع من ماله الخاص بعض احتياجات العراق الإنسانية التي وعدهم بها عند زيارته الرسمية لها،  تلك الهبة التي أشار إليها في كتابه قائلا: "عند رجوعي من العراق تحدثت مع سيف عن احتياجات العراق الإنسانية ووعد خيرا، ولكن من كلفهم بالأمر لم ينفذوا أي شيئ من هذه الطلبات، مما أوقع سفيرنا في العراق في حرج شديد، وهذا ما دفعني إلى تقديم ما كان يمكنني تقديمه من مالي الخاص لتسديد بعض مما وعدناهم به..." (ص 179).

أي لماذا استمر في العمل معه مادام الحال كما ذكره في كتابه؟ ألم يكن أحد أعوان النظام المقربين؟ أم  كان ارتباطه بالنظام هو محاولة منه لمساعدة الشعب الليبي قدر ما استطاع؟!

رُوي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أتته معلومة من صاحب بيت المال في البصرة (أبو الأسود الدؤلي) مفادها أن عامله أو واليه على البصرة قد أكل من تحت يده بغير علمه، فارسل علي بن أبي طالب إلى واليه خطابا يطلب منه تقديم كشف بحساب بيت المال، فكان رد الوالي صادما لعلي حيث رد اتهامه باتهام مضاد وهو اتهام علي بسفك دماء الأمة من أجل الإمارة، وكان رد الوالي كمايلي: "أما بعد، فقد فهمت تعظيمك على مرزئة ما بلغك اني رزأته أهل هذه البلاد، والله لن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها، أحب إلي من أن ألقاه وقد سفكت دماء الأمة لأنال بذلك الملك والإمارة..."عندها قال علي وهو مشدوها..حائرا.. من هذا الرد الغريب العجيب: "ألم يشاركنا (صاحبنا) في سفك هذه الدماء؟". 

كتب الدكتور الهوني كتابه المذكور باسلوب راقي وسلس وشيق يشد الإنتباه، واحتوى معلومات قيمة أضفى عليها طابعا قصصيا حد الخيال، إلا أنه تضمن بعض الروايات التي، ربما، تحتاج إلى شهود للإطمئنان لها، منها ما تم الرد عليها، وبعضها لا زلنا في انتظار رد من تخصهم، أما بعضها الآخر فهو مؤجل إلى يوم القيامة لأن أصحابها إما أموات أو من في حكمهم. كما تنقل الكاتب، في أكثر من موضع، من المدح لبعض الشخصيات والإنتهاء بقدحهم والتشكيك المبطَن في مصداقيتهم ونزاهتهم ما يعد تعبيرا عن امتزاج مشاعر المدح والذم لديه.. في آن واحد.

تطرق الكاتب، أيضا، إلى نفوذ جهات واشخاص كانت، كما رأى، عائقا رئيسيا امام المصلحين الجدد، وهذا يبدو أنه غير دقيق لأن نفوذ الذين كانوا حول سيف في العشر سنوات الأخيرة من عمر النظام كان أكبر بكثير من نفوذ من وصفهم  بالحرس القديم.. وإليكم أحد البراهين:

كتب أحمد ابراهيم مقالا بعنوان "ستعلمن نبأه"، نشر في قورينا، بعددها الصادر بتاريخ 27 ابريل 2010، جاء فيه: "وللحقيقة أيضا فإنني قد توصلت بمعلومات عن الدكتور غانم عقب اختياره أمينا للجنة الشعبية العامة لا تشجع على اختياره ولكن كنت أعجز من أن أحول دون اختياره، ومن اليوم الأول لهذا الإختيار وبسبب من الظروف عند ذاك التمست إلى أمين مؤتمر الشعب العام وأمين شئون اللجان الشعبية أن يتوليا وحدهما مسئولية متابعة اللجنة الشعبية العامة، وأن يعفياني من المشاركة بكل ما له علاقة بها.وهذا يبين مدى امتعاض أحمد إبراهيم، وهو من هو،  وعدم قدرته حتى على مواجهة أحد اعوان سيف، ناهيك عن عرقلة عمله، مما يعني أن شكري غانم، الذي كان اليد اليمنى لسيف، وكذلك منظومة "مشروع ليبيا الغذ" كانوا أكثر نفوذا وسلطة من الحرس القديم وعلى رأسهم أحمد ابراهيم.

لا ريب أن مشروع الإصلاح السياسي والإقتصادي كان يُنظر إليه على أنه مشروع مُقوض للنظام ومُهددا لوجوده، ولكن لا يجب أن يعزى هذا الفشل فقط إلى تعامل المؤسسات الأمنية والثورية معه، ففشل المشروع ساهمت فيه عوامل عدة منها عدم جدية وكفاءة ومصداقية النخب التي تصدرته، فكانت تسعى هي الأخرى إلى تحقيق مصالحها الشخصية الضيقة.. مما زاد في حالة الإحتقان الذي أدى إلى الإنفجار الرهيب. ذلك الانفجار الذي تم توظيفه، بشكل ممنهج، في خدمة اجندات اقليمية ودولية، وفي تحقيق مصالح شخصية وايديولوجية وجهوية ومناطقية، في غفلة من الشعب الليبي الذي انساق خلف هذا التوظيف دون وعي حتى دخلت البلاد في دوامة العنف ودُمرت مقدراتها وتعرضت إلى التشظي على حساب الهوية وهُدد وجودها ككيان اجتماعي وجغرافي موحد، الأمر الذي يتطلب وقفة جادة من الجميع، بمرجعياتهم المختلفة، لتغليب مصلحة الوطن، وانقاذ ما يمكن انقاذه، وقطع الطريق امام مخططات الدول المعادية (اقليمية ودولية) التي تهدف إلى تنفيذ الخارطة السياسية للوطن العربي الجديد بما يتماشى مع مصالحها.

لابد من اعتراف الجميع، سابقون ولاحقون، اعترافهم باخطائهم وخطاياهم لأنهم اشتركوا في طبائع السوء، أو كما قال شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي: "كنا نقول عن الطليان قد ظلموا...فكلهم في طباع السوء طليانا". غني عن القول أن الدكتور الهوني هو أحد الشخصيات الثقافية المعروفة على المستوى العربي، فالدكتور الهوني له أسهامات ليس على الصعيد الثقافي فحسب، بل له اسهام مالي، فأذكر أن بداية معرفتي به كانت من خلال خبر نُشر في إحدى الصحف العربية مفاده تبرعه بمبلغ كبير لأحدى المؤسسات العربية التي تُعنى بالفكر، ومنها اصبحت أحد المتابعين لنشاطه الفكري، وشخصية بهذا الحجم لابد أن تُقدر الخلاف في الرأي وتحترمه، فالخلاف في وجهات النظر بالحوار هو الأداة المثلى للتنوير..ومحاولة  الوصول إلى الحقيقة النسبية..لا المطلقة التي لايدعي أحد امتلاكها مهما بلغت منزلته..ورحم الله أبا حنيفة الذي سأله، ذات مرة، أحد ثلاميذه: هل ما تقوله أيها الشيخ هو الحق الذي لايأتيه الباطل؟ أجاب الإمام الجليل الزاهد المتواضع: والله لا أدري لعله الباطل الذي لا يأتيه الحق. والله المستعان.

د. أبوريمة عبدالله غيث

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com