http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

الآذان فى مالطا... ذكريات العمل الدبلوماسى

ليبيا المستقبل 0 تعليق 201 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الآذان فى مالطا... ذكريات العمل الدبلوماسى



(الفترة الرابعة 2004-2008)العمل كقائم بأعمال ثم أمين مكتب فى جمهورية مالطا (1-2)
 


يردد كثير من الليبيين المثل القائل (يذن فى مالطا) أو (كمن يؤذن فى مالطا) كنوع من الاستغراب لمن يدعو لله فى تلك الجزيرة فى البحر المتوسط، ويبدو ان لهذا علاقة بأنه فى فترة من الفترات التاريخية لم يكن هناك تواجد للمسلمين لتلك الدرجة التى تدعو الى القول بأن من يؤدى الآذان هناك فانه كمن يحرث فى البحر ولا يجد من يسمعه. يبدو ان الأمور فى بداية الألفية الثانية قد تغيرت ولله الحمد فلم أجد آذاناً صماء خلال فترة عملى هناك التى أنا بصدد الحديث عنها والتى استمرت لاكثر من أربعة سنوات.

بتاريخ 4 اغسطس 2004 وصلت الى مالطا لاستلم عملى كقائم بالأعمال. لم اكن احمل معى اى براءة او وثيقة او رسالة من وزير الخارجية وهو الاجراء المتبع عند ارسال قائم بالاعمال اصيل وهو ما يقابل اوراق الاعتماد الموقعة من رئيس الدولة او رأس الدولة سواء كان برلمان او مؤتمر شعب عام او مؤتمر وطنى عام أوغيره حسب نظام الدولة فى حالة ارسال سفير. فى تلك الفترة اعتقد أنه كان هناك خلاف بين امين اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجى عبدالرحمن محمد شلقم وامانة مؤتمر الشعب العام وخاصة امينها محمد الزناتى ومساعده احمد ابراهيم منصور وكلاهما من القذاذفة. عندما يقوم شلقم بترشيح سفراء وخاصة من كوادر وموظفى امانة الخارجية كانت امانة مؤتمر الشعب العام تمتنع عن اصدار قرار بالخصوص وبالتالى تعطل الترشيح فهى صاحبة الحق وفقاً للقانون فى اصدار القرارات بتعيين امناء واعضاء لجان المكاتب، واعتقد ان السبب هو ان امانة مؤتمر الشعب العام تريد ان تختار هى الامناء والامناء المساعدين للمكاتب من اشخاص تعرفهم ولهم ولاء اما شخصى أو قبلى او سياسى او من اعضاء اللجان الثورية او الرفاق او ما شابه.

كان المخرج من ذلك بالنسبة لشلقم ولامانة الاتصال الخارجى هو ارسال رؤساء البعثات كقائمين بالأعمال فهذا لا يتطلب قرار من مؤتمر الشعب العام بل فقط موافقة اللجنة الشعبية العامة ولم تكن هناك لشلقم مشكلة مع امين اللجنة الشعبية العامة البغدادى المحمودى. (للأسف هذا الاسلوب يتبع الان بعد 17 فبراير اذ ان اصرار مجلس النواب وقبله المؤتمر الوطنى العام وقبلهما المجلس الوطنى الانتقالى على ارسال سفراء لا علاقة لهم بالدبلوماسية، واساءة استخدام حقهم فى ترشيح السفراء بالمحاباه، وتعطيله لاى ترشيحات من كوادر وزارة الخارجية دفع وزارة الخارجية سواء فى عهد محمود جبريل أو عاشور سعد بن خيال أو محمد امحمد عبدالعزيز او محمد الدايري الى العودة لنفس المخرج وهو ارسال قائمين بالأعمال كرؤساء لبعثات ليبيا بالخارج). هذا المخرج رغم سؤه الذى نتأسف عليه اتاح لامانة الاتصال الخارجى فى ذلك الوقت ارسال عدد لا بأس به من موظفى الخارجية كرؤساء بعثات ولكن بتسمية قائمين بالاعمال رغم ما فى ذلك من مخاطر اعتبار ذلك الاجراء –اذا لم يتبع بطريقة صحيحة- كنوع من تخفيض مستوى العلاقات مع تلك الدول.

فى احد الايام من شهر مايو 2004 سرت شائعة بالامانة سمعناها بالادارة الاوروبية بأن بعض موظفى الخارجية سيجرى اختيارهم كقائمين بالاعمال فى بعض الدول. بعد ايام تحولت الشائعة الى حقيقة.  قد تكون هناك خلفيات لا نعرفها وامور جرت وراء الكواليس، الا ان ما اعرفه انه فى بداية شهر يونيو تقريباً استدعيت لمكتب الكاتب العام اى وكيل الوزارة للشؤون الادارية والمالية سعيد رشوان. ابلغنى رشوان بأنه قد تم ترشيح بعض الموظفين للعمل كرؤساء بعثات وأنه قد وقع علي الاختيار للذهاب الى مالطا كقائم بالاعمال. بالتأكيد فى تلك الفترة كان طموحى اكبر من مالطا. كنت اعتقد انى وخاصة بعد فترة عمل تجاوزت ثلاثة وعشرون عاماً وحصولى على درجتى الماجستير فى سياسات الشرق الاوسط والدكتوراة فى العلاقات الدولية من بريطانيا واجادتى للغة الانجليزية كنت اعتقد باننى جدير بالذهاب لدولة اكثر اهمية واكثر تقدماً وتطوراً استطيع ان امارس فيها ما تعلمته واظهر فيها امكانياتى وقدراتى وكذلك من اجل دراسة ابنائى وامور العلاج وغيرها فكنت اطمح للذهاب الى واشنطن او نيويورك او لندن او باريس او جنيف ولم تكن مالطا الصغيرة والتى لا يوجد بها تعليم او علاج راق بمطمح بالنسبة لى او لاسرتى.

اقنعنى سعيد بان اختيارى جاء لكفائتى وان مالطا دولة مهمة لليبيا وان ذهابى كقائم بالاعمال هو خطوة اولية وانه سيتم اقتراح ترفيعى الى امين مكتب بعد ان يصبح وجودى هناك امر واقع. كان ترشيحى كقائم بالاعمال فى مالطا ضمن مجموعة من الزملاء كما ذكرت واذكر منهم احمد جرود كقائم بالأعمال فى كندا بعد ان غادرها الاوجلى الى واشنطن، وعدنان مصطفى الاسطى كقائم بالأعمال فى قطر، ومحفوظ ارحيم كقائم بالأعمال فى الهند، والفيتورى نزام كقائم بالأعمال فى نيكاراجوا، ومحمد دله كقائم بالأعمال فى البحرين، وسعيد السعيطى كقائم بالاعمال باليونان، وشخص يدعى اللموشى كقائم بالأعمال بالكويت.

فى احد الايام ومباشرة بعد زيارة لوزير خارجية مالطا د. مايكل فرندو لليبيا اخبرنى زميلى ابوبكر ابراهيم ونيس الطويل السوكنى وهو موظف بمكتب شؤون مالطا ان الوزير المالطى مايكل فرندو عبر فى نهاية اجتماعه مع الامين عن انزعاج بلاده من المعلومات بأن ليبيا ستسحب سفيرها (امين المكتب) وترسل قائماً بالاعمال وانها تخشى ان يكون ذلك خفضاً فى مستوى العلاقات. قال لى الزميل ابوبكر ان الامين رد على الوزير المالطى بان ذلك ليس صحيح وليس هناك نية لخفض مستوى العلاقات واننا سنرسل اليكم أحد اكفأ العناصر بامانة الخارجية. كان ابوبكر يحدثنى بذلك ويعبر عن سعادته بان الامين قال ذلك عنى واعتبرها شهادة مهمة واضاف بانه سجل ذلك فى محضر الاجتماع الذى عقد فى يوليو 2004.

شعرت بأن الاختيار لم يكن وراءه رغبة فى الاهانة او التهميش واننى فى نهاية المطاف مجرد موظف يتوجب على أن انفذ اى تعليمات نقل من الجهة التى أعمل بها فتوكلت على الله وقمت باستكمال اجراءات الايفاد والحصول على جوازات السفر الدبلوماسية وتذكرة السفر -رغم رفض مدير مكتب الامين جمال حميدة ان يتم كتابة وظيفة قائم بالاعمال فى جواز السفر واصراره على ان تكتب درجة مستشار فقط وهى الدرجة الوظيفية (الدرجة الحادية عشر)- ثم سافرت الى بلد الايفاد الجديد جزيرة مالطا.

بالطبع قمت ببعض الاتصالات وخاصة باثنان من السفراء المالطيين العاملين بوزارة الخارجية المالطية واللذين تعرفت عليهما قبل ذلك فى مايو 2004 فى مؤتمر ويلتون بارك بالقرب من لندن حول ليبيا الذى اشرت اليه فى الحلقة الماضية وهما السفير ماريو كوستا والسفير الفرد زارب للتمهيد لقدومى.

استقبلت فى المطار من قبل على الناجم امين المكتب وتم الحجز لى فى فندق فيفالدى (جولدن توليب) فى منطقة الباتشفيل وكان مديره حسن الترهونى وهو صهر سعيد رشوان (شقيق زوجته) وقضيت ايام جميلة فى التعرف على مالطا ولم اكن اعرف عنها الكثير رغم اننى زرتها للمرة الاولى عام 1990 لقضاء اسبوع مع زوجتى وابنتى البكر رواندا وكان عمرها لايتجاوز الشهرين كما زرتها عام 1992 للحصول على التأشيرة البريطانية عندما تقرر ايفادى لدراسة الماجستير، تولى ادارة الفندق بعد ذلك صديق عزيز وزميل دراسة سابق بكلية الاقتصاد هو جمال الفرجاني رحومه المهدوى وهو الآن من قيادارت الاستثمارات الخارجية وكان كما كان سابقه متعاونان مع السفارة فى اقامة النشاطات والحفلات. كما تعرفت على عدد من الليبيين المقيمين واللذين جاءوا للتعرف على القادم الجديد الذى سيتولى السفارة حسب المعلومات التى وردت اليهم من مصادرهم سواء فى ليبيا او فى مالطا.

مرت الايام والاسابيع بدون ان يقوم على الناجم باجراءات التسليم والاستلام وفى الاسبوع الثالث كان لابد من مصارحته باننى قد جئت الى مالطا كرئيس للبعثة وليس كموظف واذا لم استلم عملى فاننى سأعود الى ليبيا وبدون اى احراج. اخيراً قرر الاستاذ على الناجم تسليمى العمل والمغادرة الى ليبيا يوم 23 اغسطس حيث نقلت اسرتى للاقامة فى بيت الضيافة وهو فيللا جميلة فى منطقة مادلينا بها حوض سباحة وتقع على هضبة مطلة على وادى جميل يسميه المالطيين وادى الديس يطل على منطقة تسمى قرقور (غرغور) ويمكن من خلال شرفتها مشاهدة شاطىء البحر المتوسط ومياهه الزرقاء الهادئة (بحر الشآ) ويعلم الله اننا قضينا بها اياماً جميله خلال اقامتنا بها لمدة اربعة سنوات كاملة واستضفنا فيها العشرات بل والمئات سواء فى حفلات استقبال للسفراء والوزراء والمسئولين او لافراد الجالية الليبية فى المناسبات والأعياد الدينية او مآدب العشاء التى كنت اقيمها بشكل شبه شهرى لزملائى السفراء وحضرها رؤساء الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء وزعماء حزب العمال المعارض والوفود الزائرة من ليبيا.

قبل مغادرته وفى حفل توديع واستقبال اقامه السيد عبدالرزاق الازمرلى مندوب شركة الاستثمارات الخارجية فى شركة كورونثيا ومدير شركة الميدافيا للطيران فى فندق كورنثيا سان جورج ودعا له عدد من الليبيين من العاملين بالمؤسسات الليبية والمقيمين القى على الناجم كلمة بمناسبة توديعه كما القيت انا كلمة بمناسبة استقبالى. فى كلمته ذكر على الناجم انه تعمد تأخير مغادرته الى تاريخ 23 اغسطس وان الكثيرين لم يفهموا السر فى ذلك وانه سيبوح به فى هذا العشاء والسر انه فى هذا التاريخ يكمل خمسة وعشرون سنة من العمل على الملف المالطى سواء كعضو لجنة او امين للمكتب لفترتين او كمدير لمكتب مالطا فى امانة الخارجية بطرابلس وبالفعل كان هناك مكتب مستقل للتعامل مع شؤون مالطا بالامانة اسوة بايطاليا التى كان لها مكتب مستقل للتعامل مع شؤونها وتم ضم هذه المكاتب الى الادارة الاوروبية بعد عام 2000.

بدأت بالعمل بالسفارة بمالطا بمنطقة بلزان (وهو مبنى ملك للدولة الليبية وكان مقراً لاقامة السفير محمد الصغير جلاله فى السبعينيات) حيث تم ارسال مذكرة شفوية لوزارة الخارجية تفيد بمغادرة امين المكتب وان فلان هو من يتولى وظيفة القائم بالاعمال بالوكالة. كان معى من زملائى بالخارجية فوزى ابوعرقوب ومحمد مروان وكان المراقب المالى لامين الشامس ومن جهات اخرى رفعت بريش من ادارة المعلومات بجهاز الامن الخارجى مكلف بالشؤون القنصلية ووليد شقوارة من ادراة العلاقات بجهاز الامن الخارجى ظابط الارتباط، ومحمد سحاب بالقنصلية وهو ايضاً من منتسبى جهاز الامن الخارجى ونورى عبدالجليل وفاطمة البوسيفى وخالد جويدة فى الشؤون الادارية ومحمد بالحاج للشؤون الثقافية. كان يتولى المركز الثقافى الصيد على الصيد ويتولى مكتب وكالة الانباء على الحوات ثم سعد القاضى ويتولى مركز زوارة للانتاج الفنى سعيد التواتى من الاذاعه الى ان تم اغلاق اذاعة البحر المتوسط بتعليمات من شكرى غانم.

لم تكن هناك مشكلة فى ادارة المكتب وبعض العاملين هم من الخارجية يعرفون واجباتهم وحقوقهم ويؤدون عملهم بطريقة جيدة. كما ان بقية الزملاء من الجهات الاخرى كانوا مدربين تدريباً جيداً ويؤدون عملهم فى هدؤ وبنجاح. ركزت جهودى على التعرف على البلد وكبار المسئولين به سواء من وزراء او موظفين بوزارة الخارجية. كما كانت حفلات الاستقبال وما اكثرها فى مالطا فرصة للتعرف عن قرب على سفراء الدول الاخرى عربية واجنبية ولم تكن كثيرة فهى لا تتعدى عشرون سفارة مقيمة منها ثلاث سفارات عربية بالاضافة الى ليبيا وهى مصر وتونس وفلسطين. كانت سفيرة مصر فاطمة الزهراء وسفير تونس ناصر المستيرى وسفير فلسطين جبران الطويل وتكونت بيننا علاقة صداقة وتعاون وثيقة.

منذ الايام الاولى لاستلام عملى كانت الهجرة غير الشرعية هى المشكلة الاكبر فى العلاقات بين البلدين. كان المالطيون يشعرون بانهم بلد صغير جداً وانه من اكثر البلدان اكتضاضاً بالسكان وهذا صحيح فرغم ان عدد سكان مالطا لم يكن يتجاوز 450 الف الا ان مساحة مالطا (316 كم مربع) لم تكن تتجاوز مساحة بلدية الزاوية فى ليبيا ويأتيها قرابة ثلاث اضعاف عدد السكان كسواح اجانب سنوياً. فى احدى المناسبات التى دعوت فيها الرئيس المالطى ادوارد فينيك ادامى للعشاء فى بيت الضيافة حكى لنا عن قصة طريفة مفادها انه فى زيارة له الى الصين قال فى كلمة القاها امام رئيس وزراء الصين ان مالطا بلد سياحى وياتيها ثلاث اضعاف عدد السكان من السواح فرد عليه رئيس الوزراء الصينى فى كلمته بانه يا سيادة رئيس الوزراء - وهو منصبه حينذاك- لو ياتى ثلاث اضعاف سكان الصين اليها كسواح فان العالم سيكون خالياً من السكان، ضحكنا جميعاً ولكن ذلك كان حقيقة مالطا وحجمها الصغير والتى عبر عنها احد الشياب الليبيين بانها (حيطه فى وسط البحر).

بعد اقل من اسبوعين من مباشرة عملى فوجئت بمدير ادارة المراسم شارلز نجوانس يتصل بى ويبلغنى ان الامينة العامة لوزارة الخارجية تطلب مقابلتى وانها للضرورة وطبيعة الاستعجال مستعدة للحضور لمقابلتى فى المكان الذى اتواجد به سواء كان فى بيت الضيافة او السفارة او فى اى مكان آخر. ماهى الا ساعات وجاءت السيدة سيسيليا اتارد بيروتا الامينة العامة لوزارة الخارجية لمقابلتى بمكتبى بالسفارة وبرفقتها احد مساعديها. كانت منزعجة اشد الانزعاج وابلغتنى انزعاج حكومتها من تدفق المهاجرين غير الشرعيين وباعداد كبيرة فى المدة الماضية الا انها قالت ان ما حدث اليوم يعتبر شيئاً جديداً حيث وصلت لشواطىء مالطا مركباً تحمل اكثر من مائة مهاجر معظمهم من دول افريقية وان ذلك اكثر مما يمكن لدولة مثل مالطا تحمله وان مالطا متأكدة من ان هؤلاء المهاجرين قد قدموا من ليبيا وان على ليبيا ان تجد حلاً لهذه المشكلة وبالسرعة الممكنة نظراً لعلاقات الصداقة والاخوة بين البلدين.

بالطبع رحبت بزيارتها الاولى التى جاءت فى هذا الظرف الصعب وطمأنتها الى اننى سأنقل انزعاج الحكومة المالطية الشديد من الأمر مع التأكيد على ان المهاجرين قد يكونون انطلقوا من شواطىء دول اخرى خاصة وانهم من دول افريقية وليس بينهم اى ليبيين وان الهجرة ظاهرة انسانية ستضل مستمرة طالما ضلت هناك اسباب لها مثل الفقر والمجاعات والحروب وان ليبيا ضحية لهذه الظاهرة مثل غيرها. قمت بالفعل بعد مغادرتها بارسال برقية سرية بفحوى المقابلة وكنت قد تدربت على استخدام جهاز الشفرة السرية عندما كنت اعمل فى رواندا خلال الفترة من عام 1982 الى 1987.

كانت ليبيا تقول انها تبذل جهود لمحاربة هذه الظاهرة وان كان البعض يشكك فى ذلك ويشك فى ان القذافى كان يشجعها للضغط على الدول الاوروبية. كنا نجادل بانها ظاهرة تاريخية انسانية ومشكلة دولية تحتاج لمعالجة دولية وان ليبيا تحتاج للمساعدة الفنية والمالية لمواجهتها. ضلت الهجرة غير الشرعية من المواضيع الرئيسية فى العلاقات بين البلدين طيلة عملى فى مالطا والى حين مغادرتى ولا زالت مستمرة الى اليوم.

من المواضيع الاخرى المهمة فى العلاقات بين البلدين كان موضوع تنقل المواطنين بين البلدين اى موضوع تأشيرات الدخول. لم يمضى على بقائى فى مالطا سوى اشهر حتى حضر وفد الى مالطا برئاسة مدير الادارة القنصلية على مدورد وبرفقته العميد محمد الرمالى مدير ادارة الهجرة والجوازات وفى الاجتماعات مع الوفد المالطى برئاسة الامينة العامة لوزارة الخارجية سيسيليا بيروتا وجون ريزو مدير الشرطة واندرو سايكل مدير الجوازات نوقشت هذه المشكلة.

اذكر اننى طلبت من الوفد الليبى اعطائى الصلاحية لاصدار التاشيرات بدون الرجوع لطرابلس لتسهيل عملى، وبالفعل وصلتنى رسالة بعد عودة الوفد الى طرابلس موقعة من مدير ادارة الشؤون القنصلية على مدورد تعطينى تلك الصلاحية واستعملتها لتسهيل حركة التنقل بين البلدين وخاصة للوفود الرسمية ورجال الاعمال المتعاونين مع شركات ومؤسسات ليبية كما تم الاتفاق على الغاء التاشيرة بالنسبة لحاملى جوازات السفر الدبلوماسية.

كان من اسباب مشكلة فرض تأشيرات الدخول هو انضمام مالطا الى الاتحاد الاوروبى فى شهر مايو 2004 اى قبل استلامى لعملى بثلاثة اشهر فقط فى ضل حكومة الحزب الوطنى برئاسة لورنس جونزى. كان من اللذين دفعوا باتجاه انضمام مالطا للاتحاد الاوروبى كل من جويدو ديماركو وكان وزيراً للخارجية ثم رئيساً للجمهورية وفينيك ادامى وكان رئيساً للوزراء ثم رئيساً للجمهورية طيلة الفترة التى قضيتها فى مالطا، ولقد ربطتنى بهما وبالرؤساء اللذين سبقوهما وهم فنسنت طابوني ويوجو مفصود بونتشى علاقة طيبة على المستوى الشخصى والعائلى وعلاقة عمل جيدة سهلت الكثير من التواصل وبناء الثقة فى ظروف كان يمكن فيها للعلاقات ان تنحدر الى مستويات متدنية.

فى شهر مارس 2005 وبعد قرابة ستة اشهر كقائم بالأعمال بالوكاله قدمت اوراق اعتمادى كأمين للمكتب الشعبى وكان لذلك قصة فيها شىء من الطرافة. يبدو انه بعد عدة اشهر من ترأسى للبعثة بدرجة قائم بالأعمال بالوكالة كثف الجانب المالطى من مطالباته بترفيع مستوى العلاقة الى درجة سفير وقررت ليبيا اخيراً ترفيعى الى درجة سفير باصدار قرار من امانة مؤتمر الشعب العام بتشكيل لجنة شعبية للمكتب الشعبى مالطا برئاستى وعضوية شخصين من غير العاملين بالخارجية لم اسمع بهما من قبل ولا تربطهم بالدبلوماسية اى علاقة لا نظرية ولا عملية لا من قريب ولا من بعيد. احدهم ويدعى صالح يونس (الترهونى) وكان من عتاولة اللجان الثورية كما علمت انه كان أحد معاونى محمد المجدوب منسق مكتب الاتصال باللجان الثورية، والآخر ويدعى المدنى بشير زيدان وهو من منطقة تمنهنت بالجنوب الليبى وهو ايضاً من المنتمين للجان الثورية ويعمل بجامعة سبها وكان والده من الشخصيات المعروفة بالجنوب الليبى وكان شقيقه الريفى زميلاً لنا بالادارة الاوروبية.

فى فبراير 2005 ابلغنى وزير الخارجية المالطى مايكل فرندو انه يرغب فى زيارة ليبيا وان لديه صديقه رجل الاعمال النمساوى سوارفسكى صاحب مصانع سوارفسكى الشهيره يرغب فى الذهاب معه وسيسافران بطائرته الخاصة وانه يرغب فى ان اشاركهما الرحله الى طرابلس. كان قرار تعيينى كأمين للمكتب قد صدر ووددت انتهاز فرصة الزيارة لاتمام الاجراءات وآداء اليمين لكى اتمكن من تقديم اوراق اعتمادى لرئيس الجمهورية المالطى لأهمية ذلك ولكى يكون لى وضعى امام زملائى من رؤساء البعثات، وللرفع من مستوى التمثيل بين البلدين. قمت بارسال برقية بموعد وصول وزير الخارجية والمواضيع التى سيناقشها كما اشرت الى رغبتى فى تحديد موعد لآداء اليمين خلال موعد الزيارة اذا امكن وهذا ما كان. لم اشر الى موضوع رجل الاعمال سوارفسكى حيث كنت اعلم انه يرغب فى مناقشة امكانية فتح فرع لمحلاته فى ليبيا وان هناك تنسيق مع بعض الاطراف بالخصوص.

سافرنا بالطائرة الخاصة لسوارفسكى وكانت جميلة ومجهزة بشكل فاخر وبخدمات ممتازة ووصلنا مباشرة الى سرت وكان امين الشؤون الخارجية سليمان الشحومى فى الاستقبال. بعد عقد جلسة مباحثات استأذن الشحومى الوزير فى ان يصطحبنى معه خارج غرفة الاجتماع قائلاً سأخذه منك قائماً بالاعمال وارجعه اليك سفيراً. وبالفعل نزلنا الى حيث القاعة الرئيسية حيث بعض اعضاء امانة مؤتمر الشعب العام مصطفين للاستماع الى آداء اليمين من بعض الامناء والامناء المساعدين للمكاتب الشعبية ومن بينها مكتب مالطا. قمت بآداء اليمين وحضر معى احد الامناء المساعدين وهو صالح يونس ولم يحضر الامين المساعد الآخر نظراً لسفره خارج ليبيا. بعد تلك العملية علمت ان الشحومى اجتمع بصالح يونس وعرض عليه او شجعه على قبول تولى مكتب شؤون الحج لمعرفته به وتوقعه ان المعنى سيسبب مشاكل للمكتب وبالفعل لم يلتحق بعمله فى مالطا الا بعد اكثر من سنة وبعد ان اقيل من وظيفته كمدير لمكتب الحج، وكان التحاقة بنا كارثة على المكتب بكل معنى الكلمة. استكملت ووزير الخارجية فرندو ورجل الاعمال النمساوى سوارفسكى رحلتنا الى طرابلس فى الطائرة الخاصة لسوارفسكى واذكر انه رافقنا فيها شكرى غانم وكان حينها اميناً للجنة الشعبية العامة وكذلك اللبنانية نور المعروفة ببرنامجها عن الغذاء الطبيعى واذكر انه دارت حوارات شيقة تخللها عدد من القفشات والنكت. فى طرابلس استكملنا بعض الاجتماعات المحددة فى برنامج الزيارة كما شارك الوزير المالطى فى افتتاح احد محلات الاثاث لاحد رجال الأعمال المالطيين بمنطقة فشلوم.

عودة الى الوراء اقول انه بعد وصولى الى مالطا باسابيع وتحديداً يوم 6 اكتوبر 2004 رافقت رئيس الوزراء المالطى لورنس جونزى فى اول زيارة له كرئيس وزراء الى الجارة ليبيا وكان يرافقه وزير الخارجية مايكل فرندو ونائب رئيس الوزراء وزير الداخلية تونيو بورج ووزير العدل كارميلو مفصود بونتشى وقائد الشرطة جون ريتزو ورئيس الاستخبارات جودفرى شكلونا. فى طرابلس عقد اجتماع مع امين اللجنة الشعبية العامة ثم ابلغ الوفد بانه سيتم اعلامهم بموعد المقابلة اى مقابلة القذافى. استمر الانتظار والترقب والقلق فلقد كان يترتب على رئيس الوزراء ان يعود الى مالطا نظراً لوصول رئيس المفوضية الاوروبية مانويل باروسو الى مالطا فى اليوم التالى. كان رئيس الوزراء بين نارين نار الانتظار والصبر حتى يتمكن من اجراء المقابلة المهمة بالنسبة له وبين نار الغياب عن استقبال رئيس المفوضية الاوروبية التى انضمت اليها مالطا منذ اشهر قلائل. صباح اليوم التالى 7 اكتوبر تم ابلاغ الوفد بأن المقابلة ستكون فى مصراته ومن حسن الحظ ان رئيس الوزراء جاء على متن طائرة خاصة وفرتها له شركة ميدافيا للطيران وهى شركة ليبية مالطية مشتركة مما سهل له السفر بسرعه الى مصراته لاتمام اللقاء ثم العودة الى مالطا. اذكر ان المقابلة تمت فى خيمة منصوبة فى مكان اعتقد انه يسمى السدادة وكان لقاءاً سريعاً ولكن جرى فيه التطرق الى بعض الامور ومنها تأكيد رئيس الوزراء على ان انضمام مالطا الى الاتحاد الاوروبى لن يكون على حساب العلاقات مع ليبيا بل ستكون مالطا جسر للعلاقات كما انها ستكون صوت وسمع ولسان وأذن ليبيا فى الاتحاد. بالطبع تم التطرق الى مواضيع اخرى كالتاشيرات والجرف القارى والهجرة غير الشرعية وكان ذلك بحضور شكرى غانم وكان فؤاد الزليتنى يترجم ما دار فى ذلك اللقاء.

بعد تقديم نسخة من اوراق اعتمادى لمدير المراسم بوزارة الخارجية تشارلز انجوانوس فى بداية مارس 2005 تم تحديد موعد سريع بعد قرابة عشرة ايام فقط لتقديم الاوراق فى احتفال رسمى لرئيس الجمهورية فينيك آدامى. ابلغنى مدير المراسم بموعد الحفل الذى يقام بالقصر الرئاسى بالعاصمة فاليتا فى ظهيرة يوم 6 مارس 2005 وبعض الترتيبات المراسمية ومنها نوعية اللباس خلال الاحتفال والتى يجب ان تكون اما اللباس التقليدى أو لباس مراسمى خاص وهو عبارة عن بذلة سموكن خاصة بالاحتفال وقمت بتأجيرها من محل خاص بتلك الملابس نظراً لعدم الحاجة اليها فى غير تلك المناسبه أو مناسبات مشابهة محدودة جداً. حضر الاحتفال بالاضافة لرئيس الجمهورية السيدة الامينة العامة لوزارة الخارجية ومدير ادارة المراسم ومدير مكتب الرئيس بعد استعراض طابور الشرف الذى اصطف فى مدخل القصر الرئاسى. بدأت عملية تقديم اوراق الاعتماد بحضور سيارة خاصة بالاحتفال الى مقر السفارة بمنطقة بلزان وعلى متنها ياور الرئيس ومدير مكتبه لاصطحابى وزوجتى الى مكان الاحتفال تصحبنا الدراجات النارية الى مدخل فاليتا حيث اصطحبت الموكب أربعة خيول عبر بوابة فاليتا وشارع الجمهورية الى مدخل القصر الرئاسى وسط تصفيق الكثير من المواطنين والسواح اللذين يلتقطون الصور لذلك الموكب الرائع فى تقاليد غاية فى الروعة ربما مقتبسة من النظام البريطانى فى البروتوكول. لم تكن هناك كلمات ولكن بعد تسليم اوراق الاعتماد كانت هناك جلسة لمدة عشر دقائق مع الرئيس للتعبير عن أهمية العلاقات بين البلدين وضروة تعزيزها جرى بعدها مباشرة لقاء مع وسائل الاعلام وخاصة التلفزيون المالطى الذى اورد تغطية كاملة للحفل الذى اعقبه عشاء اقامه الرئيس للسفراء اللذين قدموا اوراق اعتمادهم فى ذلك اليوم ومعظمهم كانوا من السفراء غير المقيمين وجاءوا اما من روما أو طرابلس مكان اقامتهم واعتمادهم الاصلى. احتفال تقديم اوراق الاعتماد من بدايته الى نهايته ابهرنى واعطانى فكرة واضحة عن الاصول المتبعة فى مالطا والالتزام ببروتوكولات راقية واحترام لسفراء الدول المعتمدين لديها.

من خلال ممارسة نشاطى الدبلوماسى فى توثيق العلاقات قمت بعدة زيارات لرئيس البرلمان انتونى طابونى وبعض اعضاء البرلمان ورئيس الحكومة لورنس جونزى وبعض أعضاء حكومته. زيارتى للبرلمان تمخض عنها ترتيب زيارة للجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المالطى برئاسة النائب جيسون ازوباردى الى ليبيا فى بادرة لتأكيد الأهمية التى توليها مالطا للعلاقات مع ليبيا وخاصة بعد انضمامها للاتحاد الأوروبى. ضم الوفد النواب جيسون ازوباردى وماريو دى ماركو عن الحزب الوطنى وجورج فيلا وخوزى هيريرا وايفارست بارتوللو عن حزب العمال ودامت زيارته يومان اجرى خلالها لقاءات رسمية وبرلمانية وشعبية متعددة وكان لها اصداء ايجابية فى ذلك الوقت. من الشخصيات التى كان لابد من الالتقاء بها فى مالطا والتعرف عليها رغم عدم توليها لاى منصب رسمى رئيس الوزراء العمالى السابق دوم منتوف ورئيس الوزراء العمالى السابق ايضاً كارمينو مفصود بونتشى والرؤساء السابقين من الحزب الوطنى وهم جويدو دوماركو ويوجومفصود بونتشى وفنسنت طابونى. ضمن نشاطات ما سمى حينها التبادل الثقافى بين دول المتوسط وهى مبادرة تبناها وزيرى خارجية فرنسيين سابقين هما هربرت فيدرين ورولان دوما شاركت فى الزيارة التى قام بها رئيسين سابقين لجمهورية مالطا هما جويدو دى ماركو ويوجو مفصود بونتشى الى ليبيا لاجراء لقاءات للحوار وتبادل وجهات النظر حضرها الوزيران الفرنسيان السابقان المشار اليهما وشخصيات اخرى من دول متوسطية.

خلال تلك الزيارة حدثت حادثة لا علاقة لها بالزيارة او بالعلاقات مع مالطا وهى اننى خلال اقامتى مع الوفد بالفندق الكبير كنت اركب المصعد فدخل اثنان من الاجانب وكان احدهما يرتدى قبعة وبالطو واعتقدت انه ربما من روسيا فقلت له بالانجليزية (از ات كولد اوتسايد؟) هل الجو بالخارج بارد؟  فأجابنى بالعربية انه ليس برداً بتلك الدرجة. استغربت اجادته العربية فسألته هل تتكلم العربية؟ فاجابنى بأنه ايطالى ولكنه من مواليد سواني بن يادم ويتكلم بالليبي. قلت له باستغراب من مواليد سواني بن يادم؟ هل انت ماريو؟ فقال: نعم انا ماريو؟ وتساءل باندهاش ومن انت؟ قلت أنا عمى ضيف الله سعيد. فقال باندهاش وفرحه، انت عمك ضيف الله اهلاً وسهلاً. واستطرد انا علمت عند وصولى للمطار بان عطاف قمام قد توفى. استغربت للمعلومة فعطاف هو شقيق شرعية زوجة عمي ضيف الله وليس لدى علم بذلك. قلت كيف علمت بذلك؟ قال انه عند وصوله للمطار وبعد ان عرف بعض العاملين بالمطار من منطقة كريمية وسواني بن يادم بأنه من مواليد سواني بن يادم وسأل عن بعض سكانها أفادوه بخبر وفاة عطاف. قلت له ليس لدى علم الا الآن وسأذهب للتعزية. استغرب واستغربت لهذا اللقاء المصادفة وكيف اننى تعرفت عليه، وكنت اسمع باسمه من عمى ضيف الله واولاده سعيد ورمضان طيلة مدة اقامتى معهم فى بيتهم ومزرعتهم فى منطقة كريمية التى كانت اصلاً جزء من املاك والد ماريو الايطالى وتسمى (حوازة المهندس) الى ان غادروا ليبيا عام 1970. لم ينقطع ماريو عن الاتصال بي منذ ذلك الحين وحتى الآن وخاصة فى الأعياد والمناسبات بل ويسبق كثير من الأقارب والاصدقاء فى المعايدات ويكرر أنه لا يكاد يصدق ان ذلك اللقاء والتعارف يمكن ان يحدث.

كانت الجالية الليبية فى مالطا كبيرة الى حد ما نسبة لصغر الدولة وقلة عدد سكانها فهناك ليبيون مقيمون ويعملون بمالطا منذ عقود وعدد كبير منهم متزوجون من مالطيات بل هناك بعض الليبيات المتزوجات من مالطيين واجانب. من شخصيات الجالية كان هناك عزالدين بيك درنه رئيس غرفة التجارة العربية المالطية ود. محمد كبلان رجل أعمال وكان زميل دراسة بقسم العلوم السياسية فى بنغازى وناصر العوزى وعبدالسلام دنف وهما رجلى اعمال وكان الاخير رئيساً لغرفة التجارة الليبية المالطية وكانت هناك حساسية وتنافس شديدين بين الغرفتين التجاريتين الليبية - المالطية والعربية - المالطية.

كان مدراء والعاملين بالشركات متواجدين بكثرة ومنهم عبدالله الفرجانى البوعيشي وبشير المدنى وميلاد الجليدى وميلود دامان التابعين لشركة الاستثمارات الخارجية وحسن الترهونى مدير فندق الفيفالدى والمبروك الخراز مدير شركة الميدليك للكهرباء والهادى الأعور مدير شركة ميبكو للكهرباء وزميله محمد دريبيكة وعلى الأثرم واحمد شمبش مدير شركة التفتيش وزميله المرحوم محمد صويلدات المحمودى وقد سبقهما فى ادارة الشركة محمد الخوجه وكان هناك عبدالرزاق الازمرلى مدير شركة ميدافيا للطيران ومساعده المهندس عبدالله ديكنه.

لربط العلاقات فكرنا ونجحنا فى تاسيس جمعية صداقة ليبية مالطية وعقدنا عدد من الاجتماعات فى فندق الفيفالدى بمساهمة كريمة من مديره حسن الترهونى الذى وفر لنا قاعة الاجتماعات وكان اول رئيس للجمعيه جورج كسار وكان حينها مديراً للشركة الليبية المالطية القابضة والذى اصبح سفيراً لمالطا فى ليبيا بعد ذلك ونائباً له عبدالرزاق الازمرلى مدير شركة ميدافيا للطيران وهو الان مواطن مالطى بعد ان تحصل على الجنسية المالطية نظراً لطول الفترة التى قضاها فى مالطا. قامت الجمعية باختيار رؤساء فخريين لها حيث تم اختيار رئيس الجمهورية السابق جويدو دوماركو ورئيس الوزراء العمالى السابق كارمينو مفصود بونتشى من الجانب المالطى وبوزيد دورده والطيب الصافى من الجانب الليبى.

الجالية الاسلامية كبيرة نسبياً مكونة من عدد من الجنسيات العربية الليبية والمصرية والتونسية والمغربية والفلسطينية وبعض المهاجرين غير الشرعيين من دول افريقية. كان المسجد والمركز الثقافى الاسلامى الذى بنته ليبيا وتدعمه مالياً تحت اشراف جمعية الدعوة الاسلامية هو محور تجمع ونشاط الجالية ويقع فى منطقة باولا وسط مالطا بالقرب من السجن الذى يوجد به عدد لا بأس به من الليبيين. كان الشيخ محمد السعدي هو الشخصية المحورية بالمسجد والمركز الثقافي الاسلامى والجالية المسلمة بشكل عام وعرف بنشاطه وكفاءته.

كان يوجد بمالطا للاسف عدد كبير من السجناء بتهم جنائية مختلفة مثل حيازة او تهريب مخدرات او الاعتداء او الاغتصاب او السرقة بل وبعضها بتهم القتل. استفدنا من وجود اتفاقية قديمة لتبادل المحكومين بالعودة ببعض السجناء اللذين ابدوا رغبتهم فى العودة الى ليبيا وتسمح لهم بنود الاتفاقية بذلك كأن لا يكون لديه استئناف قائم وان يكون قد قضى فترة من المحكومية فى السجن وان يتم استكمال فترة عقوبته فى ليبيا. تم اعادة مجموعتان من هؤلاء السجناء كل مجموعة ثمانية سجناء بينهم امرأة كانت محكومة فى قضية تهريب مخدرات. لقد ساعدنى كثيراً فى تنفيذ تلك الاتفاقية نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية تونيو بورج الذى اصبح بعد ذلك وزيراً للخارجية ثم مفوضاً لدى الاتحاد الاوروبى ثم خليفته كوزير داخلية كارميللو مفصود بونيتشى وهو ابن رئيس الجمهورية السابق يوجو مفصود بونتشى وربطتنى بهما علاقة عمل جيدة.

كان امام المسجد الشيخ محمد السعدى وهو من الفلسطينيين اللذين عاشوا فى ليبيا ورغم وجود مدير للمركز توفده جمعية الدعوة الاسلامية كل عدة سنوات الا ان الشيخ السعدى ظل كما اسلفت هو محور حركة المسجد والمركز الثقافى الاسلامى اللذان بنتهما جمعية الدعوة الاسلامية فى بداية الثمانينيات. كانت تتم فى المركز الكثير من الاجراءات المتعلقة بزواج وطلاق وتسجيل ابناء المسلمين المقيمين فى مالطا وبالنسبة لليبيين بالتعاون مع القسم القنصلى بالسفارة الليبية. كان الشيخ السعدى ايضاً يشرف بل ويدير مدرسة مريم البتول وهى مدرسة ابتدائية اعدادية ثانوية داخل المركز الثقافى الاسلامى تعتمد المنهج المالطى فى التدريس بالاضافة للغة العربية والدراسات الاسلامية ولقد نجحت نجاحاً منقطع النظير وكان الاقبال على الانتساب اليها كبير ورغم ما عانته من نقص الامكانيات فى بعض الفترات الا انها تحصلت مؤخراً على دعم من الحكومة المالطية. كنا نقدم لها بعض الدعم من السفارة بالاضافة للدعم المهم من جمعية الدعوة الاسلامية بطرابلس. لم اتمكن من تسجيل اطفالي للدراسة بها لسببين الاول ارتفاع رسومها الدراسية والثانى وجود مدرسة ليبية فى مالطا.

فى احدى المرات وفقت لتقديم صك بمبلغ 59 الف يورو للمدرسة وكان لذلك قصة. عام 2007 و2008 كان يتردد على مالطا امين شؤون المغتربين د.على الريشى لاجراء لقاءات مع ابناء الجالية الليبية فى مالطا والبحث فى سبل مساعدتهم وهو من ضمن مبادرة لاستقطاب الليبيين بالخارج وخاصة فى بعض الدول التى يوجد بها اعداد كبيرة من الليبيين ويراد النأى بهم عن اى نشاطات معادية للنظام. كان قد تم تخصيص ميزانية كبيرة للدكتور على الريشى للصرف منها على الجاليات الليبية وعقد اجتماعات ولقاءات وصرف تذاكر لمن يرغبون فى العودة الى ليبيا وتقديم مساعدات مادية لهم. فى احد الاجتماعات مع الجالية فى مالطا وعد الريشى الجالية بتقديم المساعدة ولكن ذلك الوعد لم ينفذ. نظراً لكثرة الشكاوى من ابناء الجالية من عدم قدرتهم على تسديد رسوم دراسة ابنائهم فى مدرسة مريم البتول المشار اليها طلبت من الشيخ الساعدى تزويدى باسماء الطلاب الليبيين وقيمة مصاريفهم الدراسية وقمت باصدار تعليمات للمراقب المالى بصرف مبلغ 59 الف يورو هو اجمالى تلك المصاريف لمدرسة مريم البتول وبالفعل تم ذلك وتم ابلاغ الخارجية بذلك وخاصة امين شؤون المغتربين الريشى. فوجئت بعد ايام باتصال هاتفى من الريشى والغريب انه كان محتجاً على صرف ذلك المبلغ فاخبرته بان ذلك جاء بعد وعده للجالية بالمساعدة وكذلك لتوفر مبلغ كاف بالوديعة المخصصة للمغتربين وانه الاجراء الصحيح نظراً لحاجة المغتربين للمساعدة وكذلك حاجة المدرسة التى تقوم بجهد رائع فى خدمة المسلمين.

خلال فترة عملى كامين مكتب والتى استمرت قرابة ثلاثة سنوات ونصف 3/2005 الى 9/2008 ربطت علاقات صداقة وعمل مع سفراء الدول المعتمدين فى مالطا سواء المقيمين او غير المقيمين اى اللذين يمثلون بلدانهم فى مالطا ولكن يقيمون عادة اما فى طرابلس او روما وخاصة سفراء بعض الدول الافريقية او العربية وبعض الدول الاوروبية. من هؤلاء السفراء السفيرة الامريكية موللى بوردونارو التى خلفت السفير السابق انتونى جويويا والذى ربطتنى به علاقة جيدة فى بداية استلامى لعملى وكان رجل اعمال وصناعى متخصص فى صناعة المكرونة وهو من اصول ايطالية واختاره الرئيس جورج بوش خلال فترته الرئاسية الأولى بينما اختار الرئيس جورج بوش خلال فترته الثانية السيدة موللى بوردونارو كسفيرة فى مالطا نظراً لانها كانت تقود حملته الانتخابية فى ولاية اوريجون ولانها كانت واحدة من انجح سيدات الاعمال فى تلك الولاية وكانت من انجح اربعين سيدة اعمال تحت سن الاربعين فى الولاية. كانت سيدة جميلة ومثقفة وذكية ومحاورة ممتازة ووجه اعلامى مميز وزاد من العلاقة ان طفليها سكايلر وبروك كانا من عمر اطفالى الحسن ومبروكة فكانت تحضر ابنائها للعب مع ابنائى فى بيت الضيافة فى مادلينا وفى مقر اقامتها وكذلك مناسبات اعياد الميلاد والعكس صحيح.

كنت مع سفراء مصر وتونس وفلسطين نشكل المجموعة العربية. كان اربعتنا نلتقى بشكل دورى وننسق فى كثير من القضايا. تولى السفارة التونسية السفير محمد المزغنى بعد نقل السفير ناصر المستيرى الى روما فى اعقاب زيارة الرئيس بن على الى مالطا، وبعد ان نقل المزغنى الى مارسيليا بناء على طلبه لعلاج ابنته استبدل بسفير جديد هو محمد القنزوعى المنقول من سوريا وكان من شخصيات نظام بن على المعروفة كوكيل لوزارة الداخلية ورغم طيبته الا انه اعتقل بعد سقوط نظام بن على. كان السفير المصرى هو عبدالكريم سليمان بعد نقل السفيرة فاطمة الزهراء الى القاهرة لتصبح مساعدة لوزير الخارجية ابوالغيط ثم بعد ذلك سفيرة فى بروكسل والذى بعد عودته الى القاهرة لعدة سنوات نقل للعمل كسفير فى الكويت وحتى الآن. السفير الفلسطينى جاء بعد وصولى الى مالطا ولكنه لم يتغير طيلة هذه الفترة من 2005 الى 2015 وهو جبران الطويل (جابي) شقيق السيدة سهى الطويل (سهى عرفات) التى جاءت وابنتها زهوه ابنة المرحوم ياسر عرفات للاقامة فى مالطا بعد ان طردتا من تونس لخلافات مع السيدة التونسية الاولى ليلى بن على. كانت تتردد اشاعات بان القذافى يساعدها فى صرف مصاريف اقامتها فى مالطا وللامانة لم نكن نعلم ان كان ذلك صحيحاً ام مجرد اشاعات.

المفوض السامى البريطانى فى مالطا فنسنت فين شخصية محبوبة ربطتنى به علاقة زمالة منذ وصولى كقائم بالاعمال بالوكالة وخلال عملى كأمين مكتب والى ان غادر كسفير لبلاده فى ليبيا بل واستمرت بعد عودتى الى ليبيا عام 2008 والى حين مغادرتى للعمل فى الامم المتحدة كمستشار لرئيس الجمعية العامة للامم المتحدة ثم مغادرته هو لليبيا للعمل كقنصل لبريطانيا فى القدس بعد تعيين صديقه تونى بلير كمندوب للرباعية فى عملية سلام الشرق الاوسط عام 2010 وكان هو الذى رتب عدة زيارات لتونى بلير الى ليبيا. بعد مغادرة المفوض السامى فنست فين لمالطا للعمل كسفير فى ليبيا بعد ان اطلقت عليه الملكة لقب سير خلال زيارتها الى مالطا للمشاركة فى قمة دول الكومنولث التى عقدت فى مالطا عام 2005، وقد تجددت علاقتنا بعد عودتى الى ليبيا عام 2008 ثم تجددت مرة اخرى اثناء عملى فى السفارة الليبية بلندن وعودته هو من القدس اواخر عام 2014 والى الآن عام 2016 حيث التقيته منذ اسابيع فى مقر مجلس اللوردات للاستماع للسفير البريطاني بيتر ميليت. تولى بعده المفوض السامى الجديد نيك ارشر وكان شاباً وسيماً ويقال انه كان يعمل مع ولى العهد الامير شارلز ولكنه لم يكن فى خبرة سابقه فنسنت فين وسرعان ما نقل الى الدنمرك. فى احدى المرات واثناء حضورنا لأحد المؤتمرات تصادف ان جلسنا بجانب بعضنا وفوجئنا فى اليوم التالى بنشر الصورة من قبل احد الصحفيين فى احدى الصحف المالطية مع تعليق بانه بعد عداوة بين البلدين لسنوات فان العلاقات بين بريطانيا وليبيا قد عادت لمجاريها.

د. سعد عبدالعالى الفضيل الشلمانى

- الحلقة القادمة تكملة لهذه الحلقة وهي جزء لا يتجزأ منها وستكون تحت عنوان (بعد خراب مالطا) ذكريات العمل الدبلوماسي "الفترة الرابعة 2004-2008" ضمن سلسلة (ما أهمله التاريخ).

- مرفق صور لبعض الشخصيات السياسية التى تعرفت عليها وربطتنى بها علاقات عمل وصداقة خلال فترة عملى فى مالطا 2004-2008 والتى ورد الحديث عنها فى المقال وهم من الحزبين الوطنى والعمال وهم حسب الترتيب الرئيس المالطى فى تلك الفترة ادوارد فينيك ادامى ورؤساء الجمهورية السابقين يوجو مفصود بونتشي وفنسنت طابوني وجويدو دوماركو ورئيس الوزراء فى تلك الفترة  لورنس جونزى ورؤساء الوزراء السابقين العماليان دوم منتوف وكارمينو مفصود بونتشي وزعيم حزب العمال الفرد سانت الذى لم يتولى رئاسة الوزراء وزعيم حزب العمال الحالى رئيس الوزراء الحالى جوزف موسكات ووزير الخارجية ثم رئيس البرلمان مايكل فرندو ووزير الداخلية ثم الخارجية تونيو بورج وجورج فيلا وزير الخارجية العمالى الحالى وسيمون بوزوتيل رئيس الحزب الوطنى الحالى وكان حينها عضواً بالبرلمان الأوروبي وجيسون ازوباردى عضو البرلمان وماريو دوماركو عضو البرلمان ووزير سياحة وهما من الحزب الوطنى الحاكم فى تلك الفترة والسيدة سهى عرفات وكان شقيقها جبران الطويل ولا يزال سفيراً لدولة فلسطين فى مالطا والمفوض السامى البريطانى سير فنسنت فين والسفيرة الامريكية بمالطا موللي بوردونارو 2004-2008 وتظهر فى الصورة مع طفليها سكايلر وبروك وكانا صديقان لاطفالى حسن ومبروكه ثم الصورة التى نشرتها التايمز المالطية وتضمنى مع المفوض السامى البريطانى نيك ارشر وعلقت عليها الصحيفة باعتبارها اشارة الى تحسن فى العلاقات الليبية البريطانية وصورة للوزير المالطى السابق جون داللي والذى استقال من منصبه كمفوض للصحه بالاتحاد الأوروبي لاتهامات بفساد يتعلق بالسجائر، ثم صورة القاصد الرسولي توماسو كابوتو، ثم صورة جماعية يظهر فيها اعضاء مجلس البرلمان المالطى من الحزبين يتوسطهم رئيس الكنيسة المالطية الاب بول كريمونا واخيراً صورة تجمعنى وحرمى المصون هدى الشركسى مع الرئيس ادوارد فينيك ادامى وزوجته ماريا ورئيس الوزراء لورنس جونزى وزوجته كيت.
 

 

 
      

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com