http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

محمد حسنين هيكل في رحاب الله

ليبيا المستقبل 0 تعليق 14 ارسل لصديق نسخة للطباعة

محمد حسنين هيكل في رحاب الله.




ابراهيم محمد الهنقاري.


غيب الموت اليوم الاستاذ.

و " الاستاذ " هو اللقب الذي انفرد به الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل رحمه الله بين كل الكتاب و الصحفيين العرب الذين عرفهم الناس و قرأوا لهم خلال العقود السبعة الماضية. عرفت "الاستاذ" لاول مرة عام ١٩٥٧ من خلال مقالاته في جريدة " الأهرام " تحت عنوان "بصراحة". كنت و العديد من زملائي من الطلبة في ذلك الوقت نحرص على قراءة مقالات " الاستاذ " هيكل كل جمعة. كنت حينها واحدا من الذين كانوا يرون في جمال عبدالناصر رائد القومية العربية " صلاح الدين الجديد" الذي سيعيد الينا فلسطين و يعيد للعرب أمجادهم ويحقق الوحدة العربية حلم الملايين من العرب. كان ما يستحوذ على عقولنا هو نشيد " وطني حبيبي الوطن الأكبر " و " امجاد يا عرب امجاد". وكان " الاستاذ " قريبا من عبد الناصر و من ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.

و كنا نظن انه يتحدث بلسان عبد الناصر.  فلم يكن بوسعي و وسع امثالي من الشباب القومي العربي الا ان نرتبط بهيكل باعتباره صوت عبد الناصر. كنا نصدق كل ما كان يقوله في " الأهرام ". كما كنا نصدق كل ما كان يقوله "احمد سعيد" في إذاعة  " صوت العرب ".

بعد عشر سنوات من مقالات " بصراحة " التي كان يكتبها " الاستاذ " وعلى وقع الكارثة التي حدثت يوم ٥ يونيو ١٩٦٧والتي سميت " بالنكسة " و ربما كان " الاستاذ " هو الذي اكتشف هذه التسمية و أطلقها على اكبر كارثة عربية في تاريخنا الحديث منذ احتلال فلسطين ربما للتخفيف من اثارها المدمرة التي نزال نعاني منها حتى اليوم و ربما لمحاولة تبرئة عبد الناصر من المسؤولية عن تلك الكارثة المروعة،  اقول هنالك اكتشفنا حجم الخديعة التي كنا ضحاياها نحن و الأمة العربية كلها. اكتشفنا اننا كنا ضحية الكذب والتضليل و الخداع و الاعلام المزيف. اكتشفنا

ان " القاهر " و " الظافر " و " اكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط " والتي كانت كلها من " لزوميات " "الاستاذ"في حديثه الاسبوعي كل يوم جمعة ، اكتشفنا انها لم تكن اكثر من فصل من فصول كتاب " الكذب الرسمي العربي ". الذي كان " الاستاذ " من كبار مؤلفيه.

استقال عبد الناصر. ولم يستقل هيكل. بل زاد نفوذ " الاستاذ ". بعد النكسة. اعتذر عبد الناصر عن كارثة الخامس من حزيران. و لم يعتذر " الاستاذ ". و استمر في ممارسة " الكذب الرسمي " دون كلل او ملل. بل انه كان يحاول إيجاد المبررات الشكلية لما حدث. من قبيل اننا كنا ننتظر ان يأتي العدو من الشرق فجاء من الغرب.  و من قبيل مقارنة ضرب الطيران المصري على الارض بضرب الأسطول الامريكي في بيرل هاربر. هكذا كان " الاستاذ " يختار الأمثلة من التاريخ كما يروق له هو و ليس كما يقتضيه المنطق و العقل السليم.

رحل عبد الناصر في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ و ترك لنا " الاستاذ " يكتب المقالات و يؤلف الكتب و ينتقل بين القنوات الفضائية العربية و الأجنبية يروي حكايته و تجربته و يصدر الاحكام على الرجال و على المواقف كما يروق له.

وورث محمد أنور السادات عبد الناصر. و ظن "الاستاذ" انه سوف يستمر في اداء دوره مع الرئيس الجديد كما كان يفعل مع الرئيس السابق. فايد بقوة اختيار السادات خليفة لعبد الناصر باعتباره " نائب رئيس الجمهورية ".

و لكن الرئيس السادات فعل مع هيكل ما لم يكن يخطر على بال عبدالناصر ان يفعله معه. لقد وضعه في السجن.

و بعد حادث المنصة و تولي حسني مبارك رئاسة الجمهورية أفرج الرئيس الجديد عن " الاستاذ " و عن باقي المعتقلين معه. و استمر "الاستاذ" يكتب و يؤلف و يظهر في الفضائيات. وعند بلوغه الثمانين قرر ان يستريح مع وقف التنفيذ. فمثل "الاستاذ" لا يستريح لا من الكلام و لا من الكتابة. و لكنه استراح من كل ذلك العناء يوم امس.

و كانت هذه المرة استراحة حقيقية و ابدية.

لا احد ينكر ان الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل كان ظاهرة مصرية و عربية و دولية متميزة و مثيرة للجدل.

شهد تسعة عصور من عصور مصر الحديثة. فقد عاش و عاصر عهد الملك فاروق. و عاش وعاصر بداية ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢٢ بقيادة اللواء محمد نجيب متخفيا خلف القائد الفعلي للضباط الأحرار الذين قاموا بتلك الثورة ووضعوا اللواء محمد نجيب اول رئيس للجمهورية بعد إلغاء الملكية. وعاصر بالطبع كل عهد الرئيس جمال عبدالناصر. و كان شاهدا على عصر السادات حلوه و مره. ثم عاش عصر مبارك و عصر ثورة ٢٥ يناير و حكم المجلس العسكري. ثم عاصر العهد القصير لحكم المرشد و واجهته سيئ الحظ الرئيس مرسي. كما عاصر الثورة الثانية ضد حكم المرشد. و اخيرا عاصر العهد الجديد الحالي في مصر بقيادة الرئيس السيسي.

فرض "الاستاذ" وجوده على الساحات الإعلامية المصرية و العربية و الدولية طوال تلك العهود. وهو ما لم يتح لغيره

من الكتاب و الصحفيين و السياسيين ما جعله شخصية متميزة و مثيرة للجدل و لكنها شخصية تحظى بالكثير من الاحترام عند البعض و بالكثير من النقد عند البعضالاخر.

ولكن " الاستاذ " استراح من كل ذلك يوم امس. فلم يعد يهمه كثيرا لا راي هؤلاء و لا راي اؤلئك فيه. فهو اليوم في رحاب الله. و لكن خصومه و محبيه على السواء سوف يفتقدون محمد حسنين هيكل و سيذكرونه كواحد من كبار الكتاب و الصحفيين و سيفقدون موهبته الفريدة في التحليل السياسي و في نقد التاريخ. و سيكون مكانه بين القمم المصرية العالية و بين اهراماتها الشامخة التي تشهد لمصر بالإبداع و التي تتحدث عن أمجادها غلى مر الزمان.

رحم الله الاستاذ محمد حسنين هيكل و اكرم مثواه.

ابراهيم محمد الهنقاري.




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com