http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

نحتفل بفبراير الثورة، أم لا نحتفل بفبراير النكبة؟

الوسط 0 تعليق 33 ارسل لصديق نسخة للطباعة
 

هذا هو السؤال الذي يتردد هذه الأيام بين المواطنين الليبيين في الذكرى الخامسة لثورة 17 فبراير، وهو سؤال مبعثه أن الحلم الذي ثار من أجله الليبيون منذ خمس سنوات قد تم اغتياله، وأسفرت النتائج عن واقع مأساوي هو في معظم جوانبه أسوأ من الواقع الذي كان قائماً قبلها عندما كانت قبضة النظام الديكتاتوري تضبط الأمن وتوفر الخبز «للجماهير» كي تخرجها للاحتفال في ذكرى صعود النظام إلى السلطة دون أن تسألها هذا السؤال!



ولكى نجيب على السؤال: نحتفل أو لا نحتفل؟ علينا أن ندرك قبل ذلك أن لدينا أولاً الإرادة الحرة لطرح هذا السؤال دون خوف

وعلى الرغم من أن المفارقة تكمن أساساً في أن هذا السؤال المميت «نحتفل، أو لا نحتفل» لم يكن ممكناً على الإطلاق لولا ثورة فبراير، باعتبار أن الاحتفال «بثورة الفاتح العظيم» لم يكن أصلاً موضوعاً مطروحاً للنقاش، ناهيك عن طرحه للاختيار، فلم يلتفت الليبيون المتذمرون من سوء الأوضاع المعيشية وتدهور الحالة الأمنية وانعدام أساسيات الحياة في كثير من المدن الليبية، إلا أن هناك متغيراً يجعلهم قادرين لأعلى رفض الاحتفال بالثورة فقط بل وتجريمها على أنها نكبة ومصيبة، وأنها السبب في كل ما نعانيه من كوارث، كما لو أننا كنا نعيش -قبلها- في«الفردوس الأرضي» بالفعل كما كان يسميه الإعلام آنذاك، وهو تفكير ينطلق من منطق نسبي محقّ في نتيجته وليس في معطاه، كما أنه تفكير ينطلق من فكرة لي العنق إلى الخلف والبحث عن الحلول في الماضي الذي عشناه، فالماضي -كجزء من الحالة النوستالجية- كان دائماً ملاذاً للإنسان من مشكلات الحاضر، إذ يصعب كثيراً على المرء أن يبحث عن حلول لمشكلاته في «المستقبل» باعتباره مجهولاً. ولأن المرء عدو ما يجهل، فلابد- لتكوين تصور عن الحل- من الاستعانة بصورة مرسومة في الذهن لواقع تمت معايشته من قبل!

ولكى نجيب على السؤال: نحتفل أو لا نحتفل؟ علينا أن ندرك قبل ذلك أن لدينا أولاً الإرادة الحرة لطرح هذا السؤال دون خوف، ولدينا ثانياً القدرة على الإجابة عليه بالنفي أو بالإيجاب، فلن يحاسبك أحد إذا لم تحتفل، ولن يحاسبك أحد إن احتفلت، لكن الاختيار ستكون دوافعه،- للأسف- ليس فقط حالة الاحتقان من الفشل الذريع للقوى السياسية، في مشروع بناء الدولة التي طمح لها الليبيون كبديل عن الديكتاتورية، ولكن أيضاً للخلط - المتعمّد من النخب الليبية وغير المدرَك من أفراد الشعب- بين مهام «التغيير» من نظام ديكتاتوري إلى مرحلة انتقالية تقود إلى دولة ديمقراطية، وبين مهام «الدولة المأمولة»، لا باعتبارها في طور الإنجاز، ولكن باعتبارها مبنيّة وجاهزة ومتواجدة، وعليها القيام بواجباتها!

إقرأ للكاتب: حفتر أم هتلر؟!

وعدم الاحتفال ليس بالضرورة ندماً على الثورة، كما يحلو للشامتين من كائنات الماضي تصويره، وبالتالي تجيير الجرائم والمشاكل والكوارث الحالية «لصالح» ذلك الماضي الجميل، الذي لو كان حقاً كذلك لما احتاج الناس إلى الخروج عليه طلباً للحرية التي كانوا يفتقدونها في أجواء توفر الخبز، فليس بالخبز «المفقود حالياً» وحده يحيا الإنسان، لكن الإنسان يملك أمنيتين على الأقل، الأولى أن يملأ الله النهر سمكاً، والثانية أن يكون هذا السمك مشوياً، ولهذا فالمرء لا يثور دائماً لأنه جائع، وإنما يثور أحياناً بالذات لأنه شبعان، ويريد الحرية!

ربط الدولة التي تصلح لمواطنين أحرار قادرين على المساهمة في تقدم البشرية، بالخبز والغاز والكهرباء وبقية الخدمات ربط بائس، ويكاد يكون حيوانياً

ربط الدولة التي تصلح لمواطنين أحرار قادرين على المساهمة في تقدم البشرية، بالخبز والغاز والكهرباء وبقية الخدمات ربط بائس، ويكاد يكون حيوانياً، فالدولة مناخ يستطيع فيه الإنسان أن يعيش ويبدع، بعد أن يشبع طبعاً، وإذا ما شبع فقط ولم يشعر بذاته القادرة على الإنجاز، فسوف يقوم بثورة كالسابع عشر من فبراير، دون أن يفكر في صعوبة الطريق الذي سوف يوصله إلى هذا الهدف، فكل ما يدركه في أعماق نفسه، أن حياة بهيمية مليئة بالشبع فقط لا تليق به، وأن ما ينقصه هو شيء لا يمكن التنازل عنه!

وهذا بالضبط ما دفع الشهداء الذين سقطوا بعد أن كانوا يغنون أغنية «شاي الحرية»، إلى أن يندفعوا وهم يحسون في أعماقهم أنهم- ولو بموتهم - يكسبون أكثر بكثير مما يخسرون!وإن كنا سنحتفل، فإننا سنحتفل بهم، وبحلمهم، الذي أهدرته أطماع الساسة من أهلهم، وجنون التسلط وروح الغنيمة التي استعرت بين آبائهم، نحتفل بحلمهم، لنستعيده، لا لنفرط فيه، لأشباح الماضي!! أو لمجرمي الحاضر، الذين وضع بذرتهم الماضي وترك لنا مهمة حصادهم!




شاهد الخبر في المصدر الوسط




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com