http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

جراحة في ذاكرة وطن

ليبيا المستقبل 0 تعليق 31 ارسل لصديق نسخة للطباعة

جراحة في ذاكرة وطن



بثت إحدى القنوات التلفزيونية الأمريكية في اليومين الماضيين شريطا وثائقيا بعنوان "قراصنة الذاكرة" يعرض دراسة علمية حديثة تناولت طبيعة الذاكرة البشرية، وأثبتت إمكانية برمجة الدماغ البشري لتزويده بذكريات مزيفة لأحداث لم تحدث قط..!

وعرض تجارب بعض العلماء الذين يعملون حاليا على تطوير تقنيات مختلفة لمحو الذكريات المؤلمة، وزراعة ذكريات زائفة مكانها، ومنهم أستاذة علم نفس بجامعة "لندن ساوث بانك" التي تمكنت بالفعل من إقناع أشخاص متطوعين بأنهم ارتكبوا جرائم لم تحدث..!

هذا الشريط ذهب بخيالي بعيدا جدا، حيث تساءلت عن امكانية توظيف تلك الاكتشافات للأغراض السياسية، وهل سيأتي يوم يتمكن فيه العلماء من التلاعب بأدمغة شعب كامل لمحو حدث تاريخي من ذاكرته واستبداله بآخر من خيالهم..

هل يمكن مثلا محو ذكرى 11 سبتمبر من ذاكرة العالم؟
وعلى المستوى العربي هل يمكن محو ذكرى أحداث جسام لازالت تلقي بظلالها على واقعنا المحلي والإقليمي كالنكسة مثلا أو حرب لبنان أو احتلال الكويت أو احتلال العراق؟
وما الآثار المترتبة على ذلك؟

كنت أفكر على أنغام أناشيد ثورة 17 فبراير التي تكاد تسمعها في كل مكان في ليبيا بحلول ذكراها الخامسة، وسألت نفسي هل يمكن مسح ذكرى الثورة واستبدالها بحدث آخر أقل ضراوة وعنفا؟ ولكن بماذا سيتم استبدالها؟

ماذا كان يمكن أن يحدث لو مات الطاغية ميتة طبيعية، هل كانت ستنتقل السلطة سلميا إلى ابنه سيف الذي تم إعداده لسنوات طويلة لوراثة دكتاتورية أبيه؟
هل كانت الدولة التي أسماها الجماهيرية الثانية -في خطابه التوعدي الشهير فترة الثورة- تمتلك مقومات الاستمرار والاستقرار كسابقتها رغم أنه صرح وأكثر من مرة عن وجود أعداء لمشروع أحلامه الذي روج له لسنوات، وهل سيترك إخوته ذلك يحدث بسلاسة؟

لاختبار ذلك جهزت لكم جرعة مكثفة من المخدر تكفي لقراءة الأسطر القادمة، وذلك لتقبل تجربتي لزراعة أحداث جديدة في أدمغتكم، لعلها تعالج بعض الترسبات النفسية المزمنة والتهيؤات التي أدمنها البعض عمدا للهروب من الواقع الكارثي الذي نعيشه..

(في عام 2011 خرج سيف للإعلام ليعلن رسميا موت القذافي بعد مرض مفاجئ لم يمهله طويلا، منهيا بذلك التكهنات التي انتشرت في الشارع الليبي عن وضعه الصحي، وحاسما أمر السلطة وشكل الحكم بتقديم نفسه وصيا على ما أسماه الجماهيرية الثانية، متعهدا بالحفاظ على كافة ثوابت أبيه الذي أكد على اعتباره الرمز والقدوة، ليبدأ عهده بأطول فترة حداد عرفها التاريخ الحديث، وحظر تجول فرضته القوى الأمنية العتيدة، مع حملة اعتقالات واسعة على مستوى البلاد اعتاد نظام أبيه القيام بها عند توقع اندلاع أي حراك شعبي أو ثورة.

بدأت مراسم الجنازة الأسطورية التي حضرها عدد كبير من رؤساء الدول بمن فيهم أعداء الأمس القريب، وعدد أكبر من المشاهير في مجال السياسة والاقتصاد والفن والرياضة وعرض الأزياء وحتى مشاهير السحر والشعوذة والتنجيم الذين توافدوا من كل العالم على مثواه الأخير بمدينة سرت، وما أن انتهت المراسم الجنائزية وأطفئت أضواء الإعلام، حتى لمعت في العتمة إثنا عشر عينا من بيت القذافي ترقب التحركات الطاووسية للحاكم الجديد منتظرة اللحظة المناسبة للإطاحة به.

بدا واضحا أن الرابط الوحيد بين أفراد هذه الأسرة صار تحت الأرض، وبدأت الخلافات والأطماع تطفو على السطح وتصير حديث الشارع المكبوت، فقد وصلت المشاحنات الى حد الصدامات المسلحة بين الكتائب التي أورثها لهم أبيهم، ولأسباب بالغة التفاهة، كعمولات تجارية، أو منافسات كروية، أو حتى على استضافة فنانة بوليودية أو هوليودية..!

مع مرور الوقت تعاظمت سطوة المعتصم وبدأ في تضييق الخناق على القويئد، حتى صار الحاكم غير المتوج، خصوصا بعد كسبه ود شقيقه الأصغر خميس الذي دفع به حتى جعله الرجل الأول في جيش الكتائب، وبعد أن أخلى الساحة تماما بتحييد بقية أشقائه بنفيهم المرفه على رأس بعثات دبلوماسية خارج البلاد بعد صراعات دامية معهم حسمها كلها لصالحه، ولم يكن لأخيهم غير الشقيق أي خيار إلا اعتزال الحياة السياسية وحتى الإقتصادية طواعية للإبقاء على حياته..

وتحسبا لأي طاريء بدأ سيف في توثيق علاقاته شرق البلاد، فقد أصبحت المتنفس الوحيد له، محملا بالعديد من الشعارات التنموية والأحلام التي برع في رسمها وإيهام الناس بها..

وفي إحدى مهام سيف الخارجية قام المعتصم بانقلاب عسكري أسماه ثورة الفاتح الثانية، رافعا إحدى الشعارات الشهيرة التي اشتهر بها أبوه "الثورة مستمرة والخاين يطلع برة"، قاصدا بذلك أخيه الذي كال له العديد من الاتهامات، كان أخفها الإتصال بالمعارضين للنظام الجماهيري وبمنظمات إرهابية والتخابر مع جهات أجنبية مشبوهة، وأشدها كان الاتهام التقليدي الذي أثبت تاريخ الطغاة أنه أداة جيدة للتخلص من الخصوم، وهو خيانة مبادئ الثورة، فهو اتهام يستحيل إثباته أو نفيه ..!

إثر ذلك انطلقت احتجاجات شعبية في أغلب المدن الليبية، وعلى الطريقة القرامانلية أسرع سيف إلى الشرق الليبي لاسترجاع عرشه انطلاقا من هناك، آملا في الحصول على دعم دولي أكثر حظا من دعم أحمد باشا القرامانلي..

قصد في البداية مدينة البيضاء المنتفضة، وعندما لم يحصل على الدعم الذي توقعه توجه إلى بنغازي التي خرجت عن بكرة أبيها، غير أن المؤشرات التي نقلتها له عيونه لم تكن مطمئنة، فقد بدأت الجموع تحرق صور عائلته وصوره هو شخصيا، ووصلت صور هدم نصب الدستور الجماهيري من أقصى الشرق، وتوالت الاخبار عن خروج أغلب المدن الليبية وحرق الأعلام الخضراء شرقا وغربا وجنوبا، ولم يكن لخطابه المتلفز أي تأثير يذكر على الشارع الذي بدا خارجا عن السيطرة، بل أن الخطاب جاء استفزازيا وزاد في حدة المظاهرات ضده وضد عائلته، حيث حاول فيه الظهور بمظهر الرجل القوي الذي أفقده التعاطف الشعبي، متوعدا الجميع دون أي تمييز بين المعارضين والمؤيدين لانقلاب أخيه، كما بالغ كثيرا في تمجيد أبيه فوق ما تحتمله المرحلة..

أما المعتصم فقد بدأ في إخماد انتفاضة الشارع ابتداء من الغرب وبقوة السلاح، وخرج في الساحات مستعرضا مؤيديه في ما سماه بالمليونيات، متقمصا شخصية أبيه بلباسه العسكري والنظارات المعتمة ومقلدا حتى طريقة كلامه، عكس سيف الذي كان يحاول الظهور دائما بلباس مدني ومظهر عصري، رغم اتفاقهما في النرجسية المرضية والنظر المصطنع الى السماء..

كانت كتائب المعتصم تحاصر بعض المناطق والمدن التي عجز عن السيطرة عليها، مثل الزنتان ومصراتة والزاوية وبعض مناطق العاصمة نفسها، ولجأ للعنف المفرط للحسم، حيث سقط العديد من الضحايا وتحول الحراك المدني فيها إلى حراك مسلح، وبدأت تتشكل روابط سياسية عفوية بين كل المدن الثائرة، وتوالت إثر ذلك الانشقاقات عن النظام الجماهيري من كبار الشخصيات سواء في الوزارات أو السفراء أو الممثليات الإقليمية والدولية.

وعندما تيقن سيف من فشله في حشد الجهود المحلية والدولية لاسترجاع حكمه على كامل التراب الليبي، حاول الخروج بأقل الأضرار ولو بتقسيم البلاد وحكم جزء منها، محاولا استيعاب الاحتقان في المنطقة الشرقية بإعلان بنغازي كعاصمة لجماهيرته الثانية، غير أن ذلك تأخر كثيرا، فقد سبقته دعوة وطنية التف حولها أغلب الليبيين، أعلنت إسقاط النظام الجماهيري وقيام الجمهورية الليبية وتشكيل المجلس الوطني الانتقالي، وامتد نفوذ المجلس وشعبيته إلى بنغازي التي صارت تلقائيا عاصمة المرحلة الإنتقالية، كما لاقت المبادرة صدى واسعا في غرب البلاد وجنوبها، وكان نتيجة ذلك أن أصبح سيف مطاردا مطلوبا للعدالة، وفي أول ظهور له لحقته الحشود الغاضبة حتى مطار بنغازي حيث هرب منه بمعجزة، وفي الوقت الذي انتشرت فيه الشائعات عن هربه خارج البلاد، ظهرت صوره في الإعلام مقبوضا عليه في الزنتان أثناء محاولته الدخول متخفيا لطرابلس، ويعتقد انه كان ينوي عقد صفقة مع أخيه المعتصم لتقاسم السلطة ..

وبعد عدة أشهر من الإنتصارات السياسية والعسكرية المتوالية للثورة، تم قتل خميس وسيف العرب ولم يبق تحت سيطرة المعتصم إلا القليل من المناطق، وحينما ضاق الخناق عليه في العاصمة خرج منها هاربا إلى سرت، حيث وجد مقتولا فيها، وتم عرض جثته للإعلام في مصراتة قبل دفنها مع رفات أبيه في مكان مجهول، ولاتزال باقي أسرته تتجرع من كأس اللجوء أو الاعتقال المر الذي أذاقه أباهم لآلاف الليبيين، ليتم إعلان تحرير البلاد من النظام الجماهيري وانتصار الثورة..)

انتهت العملية الجراحية، وأنصحكم بدخول فترة نقاهة قبل الحكم على مستوى نجاحها أو فشلها في تغيير أي شيء في طريقة حكمكم على ما حدث أو ما كان من الممكن أن يحدث..!

للعلم فقد حاولت اختيار أقل "السيناريوهات" عنفا ودموية، كما إنني تجاهلت بعض الأحداث والأسماء عن عمد، حيث أثبتت الأيام والأعوام أنها لم تكن لتغير شيئا مما حدث حتى لو تمت بغيرها، لأن العبرة في النهاية بالنتائج ولاشيء سواها، ولا يتغير في تلك النتائج إلا حكمنا عليها بعد أن تحدث، وهنا تلعب العاطفة دورا رئيسيا في تكييفها لرغباتنا وأحلامنا وحتى أوهامنا التي يخالها البعض حقيقة لا تقبل النقاش..

حاتم حسن بن فايد
Hhbenfayed@yahoo.com




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com