http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

عبدالسلام الرقيعي: الاسترتيجية الاميركية تجاه اوروبا

ليبيا المستقبل 0 تعليق 35 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عبدالسلام الرقيعي: الاسترتيجية الاميركية تجاه اوروبا



في البدء لابد من التأكيد على قاعدة ثابتة في العلاقات الدولية وهي أنه ليس ثمة حب أو بُغْض في العلاقات بين الدول، لأن العلاقات بين الدول تحكمها دائماً المصلحة، وهي بذلك علاقات "برغماتية" محضة، وهي ليست على غرار العلاقات الانسانية الأخرى السائدة بين البشر المحكومة في الغالب بالعاطفة حباً أو كرهاً.

وتأسيساً على هذه القاعدة، لاينبغي لأي كان ان يستهجن القول بأن لدى الولايات المتحدة الاميركية استراتيجية مضادة لأوروبا، استناداً  على  ما بين الطرفين من تحالف استراتيجي تاريخي، حيث أن مصلحة الولايات المتحدة تستدعي أن تكون لها استراتيجية مضادة لأوروبا، تماماً كما لديها استراتيجيات أخرى مضادة لروسيا، ومضادة للصين، ومضادة للهند، بل ومضادة حتى لكندا... الخ. ان حرص الدولة على حماية شعبها وارضها وثرواتها، ومصالحها اينما كانت، يستوجب وضع استراتيجيات مضادة لكل دولة تتماس علاقاتها معها ايجابية كانت هذه العلاقات ام سلبية.

لذا يُمكن القول بأن الاستراتيجية الاميركية ضد أوروبا، شأنها شأن الاستراتيجيات الاميركية الأخرى، تقوم على أساس حصار الخصم من جهتين أو أكثر، وكنا قد عرضنا في مقالة سابقة خطوط الاستراتيجية الاميركية ضد روسيا، حيث بيًّنا ان خلق حالة حربية في شرق اوكرانيا تسمح بتواجد علني لقوات حلف شمال الاطلسي، هي في حقيقة الحال تهديد علني ومباشر  للأمن القومي الروسي من جهة حدود روسيا الغربية.

وكنا قد بيّنا أيضاً أن الاستراتيجية الاميركية تستلزم أن تكون تلك الحالة الحربية في شرق أوكرانيا حالة مستمرة، قابلة للهدنة ولوقف اطلاق النار لآمد قصير، أي أن أوار الحرب يبقى متجدداً، لكي يتحقق الهدف الاميركي من خلق تلك الحالة الحربية وهو إقلاق روسيا بشكل مستمر بهذا الهاجس المخيف وذاك امر سيؤدي بطبيعة الحال الى بقاء الجيش الروسي في تلك المنطقة في حالة استنفار دائم، ما سيكلف روسيا مبالغ طائلة من شأنها استنزاف مواردها.

غير أن الأمر الاستثنائي في هذه الاستراتيجية الاميركية الماكرة، هو أن خلق هذه الحالة الحربية في شمال  أوروبا، هو ليس لحصار روسيا من ناحية الغرب فقط، بل هو أيضاً حصاراً للإتحاد الأوروبي نفسه، فأوروبا التي تعاني تاريخياً من خوف يُمكن تسميته (فوبيا روسيا).

هذه (الفوبيا) قد تكون هي التي رجحت "مقولة ان الهجوم خير وسيلة للدفاع" لدى قادة اوروبا عبر الأزمنة، ودفعتهم الى القيام  بمحاولة عزو روسيا في عقر دارها، مثل محاولة نابليون الفاشلة لإحتلال روسيا. ومحاولة "ادولف هتلر" ليس تكرار المحاولة فحسب، بل وتكرار الفشل أيضاً.

فرُغم ان الجيش النازي كان قد وصل الى مشارف موسكو، الا أن الجيش الأحمر صده واستمر في مطاردته الى ان احتل برلين بل تعداها الى قرب الحدود الغربية لألمانيا، حيث التقى الجيش الاحمر السوفييتي مع باقي جيوش الحلفاء وتم اعلان انهيار النازية.

أقول ان الحالة الحربية التي حبكتها الولايات المتحدة  هناك في شرق أوكرانيا، من شإنها بطبيعة الحال استفزاز الدب الروسي وإثارة مشاعره العدائية ضد أوروبا، وإن كانت تلك المشاعر الروسية محفورة في الذاكرة الروسية تاريخياً منذ اعتداء نابليون وعدوان هتلر، الا ان قيام الاتحاد الاوروبي بضم، كل دول شرق اوروبا التي تحللت من هيمنة موسكو ومن الارتباط بحلف وارسو، للاتحاد الأوروبي، ولحلف شمال الاطلسي زاد من حنق الروس على اوروبا وتوجسهم خيفة من نوايا هذا الاتحاد الاوروبي.

وما زاد الهوة اتساعاً بين الروس واوروبا  هو قيام  دول البلطيق، التي تعرضت عام 1990 لمحاولة من روسيا لإعادة الهيمنة عليها، ورُغم ان المحاولة أخفقت في تحقيق مبتغاها،   غير أنها لما أثارته من هلع في نفوس قادة تلك الدول، بالاسراع في الانضواء  تحت مظلة حلف شمال الاطلسي. لكي يحموا دولهم من تهديد الدب الروسي المتربص بها.

وغني عن القول ان أوكرانيا نفسها تسعى حثيثاً للإنضمام للاتحاد الأوروبي، بل وللإصطفاف في طابورحلف شمال الأطلسي أيضاً، ولما اسقط الأوكرانيون الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا ونصبوا آخر ذي ميول اوروبية كانت تلك هي الاشارة التي اعتبرتها موسكو تجاوزاً اوكرانياً للخط الاحمر، ما دفع الدب الروسي الى التهام شبه جزيرة القرم واجزاء من شرق اوكرانيا . وكان ذلك تصرف واضح الدلالة على ان روسيا لا توافق على التفريط في نصف اوكرانيا الشرقي تحت اي ظرف من  الظروف.

يسأس هكذا اصبح الدب الروسي متحفزاً مبرزاً مخالبه وانيابه مثيراً الرعب القديم الجديد في وجه اوروبا، وهو  الذي سبق له وأن ألتهم إكثر من النصف الشرقي لقارة أوروبا عندما كان يطارد جيوش "هتلر"  المتقهقرة.

ان استراتيجية الولايات المتحدة لم تعط اهمية بالغة للشرق الاوسط، انها الآن تهتم بوسط آسيا وبالشرق الاقصى، ان ميدان الصراع القادم بين الدول العظمى سيكون هناك في البحر الاصفر حيث تمر السفن التي تنقل مواد التجارة العالمية، وبترول وسط آسيا اكثر اغراءً من نفط الشرق الاوسط، ناهيك عن ان النفط بداء يفقد بريقه باكتشاف النفط الحجري الذي اعاد الولايات المتحدة الى سوق تصدير النفط بدل استيراده.

ما ينبغي التنبيه اليه هو ان الولايات المتحدة وهي تغادر الشرق الاوسط اعادت خلط الاوراق بشكل يوشي بمهارة وحرفية مميزة، وكانت اولى الاوراق هي تدجين ايران وتقليم اظافرها النووية، وازاحة الثقل التركي من منظومة الاتحاد الاوروبي، وجعل اسرائيل ثالثة الأثافي تحت قدر الشرق الاوسط. ايران تركيا واسرائيل ذلك هو مثلث القوى في الشرق الاوسط، الذي سيكون شغله الشاغل في القرن القادم هو محاربة الارهاب الناشيء عن المنظمات الاسلامية المتطرفة، وذلك بعد تمزيق اتفاقية سايس بيكو واعادة  تفتيت باقي دول المنطقة الى دويلات شيعية وسنية وكردية وعلوية... تقودها جماعات اسلامية ليست متطرفة، تكون الدويلات السنية تحت مظلة تركيا، والدويلات الشيعية والعلوية تحت هيمنة ايران، وستبقى اسرائيل بيضة القبان في المنطقة .

ومرحلياً تغادر الولايات المتحدة الشرق الاوسط بعد ان اشعلت النار في كل  اطرفه، وانشأت " داعش" وحركات اخرى متطرفة ستنشر الارهاب في المنطقة و ستساعد على اجلاء شعوبها  الى اوروبا وهو ما من شأنه ان يعرض القارة العجوز لخطر الغزو البشري غير المسلح، هذا من جهة ومن جهة اخرى سيهاجر الارهابيون الى المنطقة من كل فج عميق وذلك سوف لن يكون بالنسبة لاوروبا مجرد فزاعة من نمط "خيال المآتة" فحسب
بل خطراً حقيقياً تحسسته باريس ولندن ومدريد.

وبهذا تكون اوروبا واقعة بين فكي كماشة الأول من الشمال متمثل في الدب الروسي الذي قضم ثلث اوكرانيا، والفك الثاني في الجنوب يتمظهر في الحركات الاسلامية المتطرفة التي تتواجد بطول الساحل الجنوبي للبحر الابيض المتوسط، وهي الحركات التي توفر الارهاب والهجرة غير الشرعية وتجارة المُخدِرات والسلاح واشياء أخرى.

عبدالسلام الرقيعي
دبلوماسي ليبي

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com